في حضرة البردوني الغائب الحاضر       أيها الواعظ ل الشاعر اليمني الفذ عبد الله عبد الوهاب نعمان (الفضول )       يا ظبي حوران .. ل الشاعر :حبيب الزيودي       أجمل مائة بيت شعر في الغزل والعشق والحب حسب المترجم       لبست فستانها الاحمر في دلٍ وقالت هيت لك,       عذابات خفاش ل شعر : د.جاسم محمد جاسم       ذيل لقافلة لن تصل...تهويمات ذاكرة في ذكرى المولد ل د جاسم محمد جاسم       أدونيس: أنا مع الثوريين ولا أتحدث بلغتهم ... مع غاندي وليس جيفارا       قراءة في برج الارنب ل د.جاسم محمد جاسم       عبقرية تعز بقلم/صالح البيضاني    
    البكاء بين يدي زرقاء اليمامة ل أمل دنقل -       يوميات جازع فيسبوك ل محيي الدين سعيد       ثلاث قصائد علي العامري       الشرف والتحية للجنود البواسل ...من اناشيد الثورة اليمنية       خيانات المعنى ل صبحي حديدي       حوار مع الكاتب الإيطالي أنطونيو تابوكي: لا أعلق آمالا على الخلود!       كتاب عن جان بول سارتر يضم أبحاث مئويته       وفقدت يا وطني البكارة ل نزار       قصائد عن الشعر والشاعر ترجمة محمد حلمي الريشة       من كتب التوراة؟ واسئلة قرآنية مجاورة ل حبيب عبد الرب سروري    
 
    من  :   http://taakween.blogspot.com/ ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||   mohieesaeed  من  :   ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||   mohiee  من  :   ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||   mohiee  من  :   ||||||     من  :   ||||||   mohiee  من  :   |||||| 
تسجيل الدخول: نسيت بياناتي ؟

 الناقد والباحث اليمني محيى الدين سعيد » المنتديات » المنتديات العامة » نقد الشعر والسرد ونظرياته

المشاركة السابقة : المشاركة التالية
» التفريع الحكائي وأنماط التخييل في كليلة ودمنة يوسف أحمد إسماعيل
mohi
مدير الموقع

غير متصل حالياً
رقم العضوية : 1
عدد المشاركات : 1270
تاريخ التسجيل :
الخميس 23-09-2010
 
مراسلة الموقع الشخصي

 حرر في السبت 12-03-2011 11:15 صباحا - الزوار : 1089 - ردود : 5


حكايات كليلة ودُمنة




على سبيل التقديم :

تعتبر الحكايات الخرافية “ كليلة ودُمنة “ وهما اثنان من حيوان ابن آوى، ارثا حضاريا وثقافيا مُشتركاً بين الشعوب العربية والفارسية والهندية تستند مادتها السردية على تعاليم الاخلاق والوعظ والنصيحة والوفاء وثنائية الخير والشر، الذي يجسد نموذج الصراع بين ثنائية السلطة والفكر، وتعتبر فيه تيمة الامثال والحكم والعبر والمغامرات على السنة الحيوانات البرية والطيور والقوارض وحدة أساسية من الوحدات السردية البارزة في الأبواب الخمسة عشر للحكايات، والتي يصنفها تودوروف ضمن [الادب الاسنادي] الذي يستانفه السارد بـ "زعموا أن "، وتتناسل بعده الحكايات متوالدة بعضا عن بعض .

كانت حكايات كليلة ودمنة قبل نقلها خلال الحقبة العباسية على يد عبد الله بن المقفَّع من الفهلوية إلى اللغة العربية . تدعى (بنج تنترا) اي " الفصول او الابواب الخمسة "، صنَّفها في أواخر القرن الرابع الميلاديّ باللغة السنسكريتيّة البراهما (وشنو)، ورواها الفيلسوف بيدبا عن ملك هندي يدعى دبشليم طلب منه أن يؤلف له كتابا في الحكمة بأسلوب ادبي مشوق، ونقلها (بَرْزَوَيْه) طبيب كسرى انوشروان إلي اللغة الفهلويّة وهي اللغة الفارسية القديمة



وبالرغم من كونها منقولة الى اللغة العربية في حقبة زمنية نشطت فيها الترجمة والفنون والاداب السلطانية التي كانت موجهة اساسا لتربية الامراء وتقويم سلوكهم، للاستعانة بها في تدبير شؤون الرعيّته، فقد استطاعت بفضل عبد الله ابن المقفع الذي البسها حلة عربية ان تتبوا مركزا بارزا بين كتب التراث العربي، ويقول بن المُقفع “ ثُمَ أن العاقل إذا فهمَ هذا الكتاب وبلغَ نهاية علمه فيه، ينبغي لهُ أن يعمل بما علمَ منهُ ينتفعُ بهِ ويجعلهُ مثالاً لا يحيد عنهُ “

ويفصل ابن القفع هدفه من هذه الترجمة ايضا في فصل تحت عنوان (غرض الكتاب) بأنه قصد به استمالة قلوب الملوك وأهل الهزل من الشبان، ليكثر انتساخه، ولا يبطل على مرور الأيام. ويدعو طالب الحكمة إلى إدامة النظر فيه، والتماس جواهر معانيه (ولا يظن أن مغزاه هو الإخبار عن حيلة بهيمتين، أو محاورة سبع لثور، فينصرف بذلك عن الغرض المقصود).

وتوجد بالمقابل العديد من النصوص التي استلهمت او تاثرت بالمادة الحكائية في كتاب كليلة ودمنة، كترجمة عبد الله بن الأهواني، ومنظومة أبان بن عبد المجيد بن لاحق، الذي نظم كليلة ودمنة في 14 ألف بيت، وصلتنا قطعة منها في كتاب الأوراق للصولي، وحاكاه في ذلك شعراء آخرون، منهم: علي بن داوود وبشر بن المعتمر، وأبو المكارم أسعد بن خاطر. وقام بترجمتها إلى العبرية عليزار بن يعقوب (ت1232م) وهي غير ترجمة الحاخام يوئيل. وفي (بيروت 1964) أعاد إلياس خليل زاخر نشرة الكتاب معتمداً عدة نسخ هي: (نسخة أياصوفيا ونسخة مكتبة دير البشير بسوق الغرب، وقد كتبت عام 739هـ ومخطوطة نوري الكيلاني (حماة)المكتوبة عام 1200هـ ونسخة خليل اليازجي المعروفة بنسخة مكتبة صادر ببيروت، ونسخة المكتبة الأهلية ببيروت، المنقولة عن نسخة الشيخ جمال الدين القاسمي، وقد كتبت عام 1086هـ.). انظر مجلة العرب (س34 ص20). نضيف الى هذه النقولات " خرافات جون دو لافانتين " و" الأمير" لنيكولو ميكيافيل. وكتبت حولها الكثير من الدراسات النقدية والتحليلية اهمها دراسات الناقد المغربي عبد الفتاج كيليطو والتونسي توفيق بكار ..


لاهمية هذا الكتاب الممتع سنحاول تقصي كل ما كتب حوله من دراسات راجيا ان ترضي فضول المهتمين والدارسين والباحثين

[color=FA0309]متابعة شيقة
نقوس المهدي
عن منتدى مطر الصديق
----------------------------------------------------------------------------

التفريع الحكائي وأنماط التخييل
في كليلة ودمنة
يوسف أحمد إسماعيل٭


إن التناول الهيكلي لبيان بيدبا - كتاب كليلة ودمنة - يكشف عن انتمائه إلى مجموع الحكايات التي تدخل في إطار " التفريع الحكائي"[1]، كما في ألف ليلة وليلة، أو ما يسميه تودوروف بـ "الأدب الإسنادي"[2] الذي يهتم بعلاقات التضمين والترابط في السرد بين القصص المتوالدة من جهة، وبينها وبين الحكاية الإطار، أو "الحكاية الأم"، من جهة ثانية.

بذلك نكون أمام نص له صورة كليَّة متكونة من مجموع الحكايات، وصور فرعية متكونة من كل حكاية مفردة، في الوقت نفسه. وقد تختلف هذه الحكايات الفرعية عن الحكاية الإطار من حيث النمط – مثل الحكايات العجيبة وحكايات الشطَّار والحكايات الخرافية – ولكنها تساند الحكاية الإطار من خلال الوظيفة المتوخاة منها، إن كانت تعليلية أو تفسيرية...، وبذا يكون التفرع الحكائي "تحقق مصغر لصيغة الحكاية الإطار بقدر ما يكون امتدادًا لتغذيتها السردية"[3] ليفسح من خلالها المجال للتعدي الدلالي، وتوالد الأفكار والمضامين عبر الأصول والفروع
وعليه، يمكن تعريف التفرع الحكائي بأنه خطة سردية واعية تربط بين الحكاية الإطار والحكايات المضمَّنة، وفيما بين القصص المتوالدة من بعضها دلاليًا وبنيويًا ووظيفيًا، لإنجاز صورة كلية وصور فرعية مفردة، في الوقت ذاته.

تعرِّف مياجير هاردت الحكاية الإطارية بأنها
ذلك السرد المركب من قسمين بارزين ولكنهما مترابطين، أولهما حكاية أو مجموعة الحكايات التي ترويها شخصية واحدة أو أكثر، وثانيهما تلك المتون وقد رويت ضمن حكاية أقل طولاً وإثارة، مما يجعلها تؤطر تلك المتون كما يحيط الإطار بالصورة[4].
ولكي نقصي التباين بين الأصل والفرع، في تعريف هاردت، نستبعد تقسيم الحكاية الإطار ﺇلى قسمين، ونحصرها في القسم الأول الذي يؤطر الحكايات المتون المتفرعة منه، ويحيط بها في بداية السرد ونهايته. ويكون القسم الثاني بذلك تنويعًا دلاليًا ووظيفيًا ونمطيًا للحكاية الأم التي يمثَّل لها بحكاية شهريار وشهرزاد، المؤطرة لليالي ألف ليلة وليلة، بوصفها أنموذجًا عالميًا[5] على أساسه حُدِّد مفهوم الحكاية الإطارية.
ولا تنحصر وظيفة الحكاية الأم في تأطير السرد فحسب، على أهميته في لمِّ شمل الصورة الكلية للحكي. فللحكاية الأم أبعاد لا تقلُّ أهمية عن ذلك، فهي القسم الأول الذي لا يتمُّ إنجازه ﺇلا بإنجاز التفريع الحكائي للمتون المفردة، مما يعني أن تحققها لا يتم إلا بتحقق الحكايات المتفرعة "المضمَّنة"؛ ولكنها هي من يعطي المتون الفرعية سياقها العام، لتساعدها في بناء الصورة الكلية، مع حق الاحتفاظ بخصوصيتها. وتشكِّل بذلك الحكاية الأم الشرعية السردية للحكايات المتفرعة؛ فلولاها لما كان هناك سرد بدءًا، فهي التي تشكل ظاهرة القص "بينما تقدم القصص المؤطَّرة النتائج المترتبة على هذا التكوين"[6]. فالسرد يبدأ بالتشكل منها، وهي الغاية منه، وما سيأتي تنويع وبناء لها. فهي جوهر الحكي، والحكايات المتفرعة شرح وتفسير وتأكيد وتسويد لفراغات الأسئلة في النص الأصلي – الحكاية الأم.
يضاف إلى تلك الشرعية السردية، التي تمنحها الحكاية الإطار للحكايات المتفرعة، شرعيةٌ إسنادية. وبدون هذه الشرعية تفقد الحكايات المضمَّنة مبرر وجودها في النص؛ لأنها تتيه في فراغ السرد، بخاصة أنها تحتفظ بحقها في التميُّز والتنويع، كما ذكرنا، على المستوى الدلالي والموضوعي والنمطي. أي إن الحكاية المفردة، الحيوانية أو العجائبية أو الخارقة...، لن تجد ما يجمع بينها وبين الصورة الكلية، وستكون نصًا ناشزًا يجب اقصاؤه؛ لأن العلاقة الإطارية (الإسنادية) مع الحكاية الأم غير متوافرة. وهذه العلاقة لا تأتي من خلال الموضوع وإنما من خلال فعل التوالد الذي يحيل إلى ترابط إسنادي سردي، داخلي، بين القصص المتفرعة، وبينها وبين الحكاية الأم. والحكاية الأصل (الأم) هي التي تحتفظ بصورة الإسناد الخبري، وتستمد شرعيتها في السرد من ذلك الإسناد. أما الحكايات المتفرعة فتستمد شرعيتها الإسنادية من انتمائها إلى الحكاية الأم المسْنَدة إخباريًا.
وانطلاقًا من أهمية بناء الصورة الكلية للنص، لهيمنة الصورة وظيفيًا، لا تتجه الحكاية الإطار "إلى ذاتها تحديدًا وإنما تقصد إلى إيجاد صيغة تحفيزية للسرد والتأليف الموسوعي"[7]. فهي تبدأ السرد ولا تنهيه إلا بعد اكتمال الصورة الكلية بالفعل القصصي الذي تنجزه الحكايات المضمَّنة التي تتناسل لتبني في الفضاءات البيضاء التي تركتها الحكاية الأم، فتوضحها وتفسرها وتشرحها وتعللها.
إن هذا التحفيز هو العنصر المحرض على صفتي التنوع والموسوعية، باعتبارهما صفتين تلازمان الحكايات التي تبني صورة منجزة من خلال الأصل والفرع، كحكايات ألف ليلة وليلة وكتاب كليلة ودمنة. والصفتان مكونان سرديان من مكونات الحكاية الإطار التي لم تستوف بمفردها إنجاز الصورة الكلية، فكانت بسيطة التركيب ومحدودة الأشخاص. وهاتان سمتان تشكلان مواطئ رخوة في الفعل القصصي الذي يسمح بالتوالد لسد الفراغ كلما دعت إلى ذلك ضرورة السرد. وهو ما يمنح القصة الإطار القدرة على احتواء حكايات كثيرة فيها، ويجعلها تتقبل في سياقها "كل ما هو غريب من الأحداث والوقائع... بوساطة راوٍ جديد يحمل على كاهله حكايته الخاصة أو حكاية رويت له... مما يقود إلى تفريخ مزيد من الحكايات داخل الحكاية الإطار"[8] التي فسحت المجال للحوار وثنائية الراوي والمروي له في الفضاء الواحد، يضاف إلى ذلك خاصية الوظائف الحكائية التي تحتاج إلى تفسير وتعليل وتوضيح وإقناع.
لا تقصي الحكاية الإطار حق الحكاية المضمَّنة في التميُّز والتنوع وتشكيل الخصوصية، موضوعًا ونمطًا وأسلوبًا، بل تترك لها حق الحياة والنماء والبناء بشرط أن تنتمي في سياقها السردي العام إليها، أي عبر شرعية السرد والإسناد في بناء الصورة الكلية، وعبر الصورة الفرعية التي تنجزها الحكاية المفردة. ولذلك يكون من الطبيعي أن نجد في مجموع النص (كليلة ودمنة أو ألف ليلة وليلة) حكايات مختلفة، موضوعًا ونمطًا وبناءً، عن الحكاية الإطار، ولكنها تساهم في الوقت نفسه في تشكيل البنية الدلالية التي أرادها الراوي الأول.
ولتجلي تلك العلاقة، في صورة البناء والانتماء بين الأصل والفرع، تغذي الحكاية الإطار الحكايات المضمَّنة بمكونات سردية تجد لها امتدادًا ظاهرًا أو خفيًا، عبر تحققات مختلفة، يحيل المتن في الحكايات المتفرعة، ترجيعيًا، إلى صدى بعيد يصوره المبدأ الجوهري للسرد[9]، بمعنى أن الحكاية الفرعية تتغذى من رحم الحكاية الأم، فتأخذ من مكوناتها السردية ما يعزز بناءها السردي، كحضور الراوي والمروي له وثنائية التقابل بين نقيضين يطوران السرد ليفضي بالحكاية الفرعية، تراجعيًا، إلى المبدأ الجوهري في السرد. ومن ذلك مثلاً أنه إذا كانت حكاية شهرزاد وشهريار "الحكاية الأم" تبلور، في جوهر مبدئها السردي، فكرة "التماثل المتكافئ"[10] فإن قراءة تأويلية عميقة تبين أن كل الحكايات الفرعية في ألف ليلة وليلة تحيل أيضًا إلى فكرة التماثل المتكافئ أيضًا. وهذا ما نستخلصه في كتاب كليلة ودمنة. وهو جوهر هام آخر من أشكال شرعية الانتماء بين الحكاية المضمَّنة والحكاية الإطار.

الحكاية الإطار في كليلة ودمنة

الوحدات الوظيفية
ينقسم البناء الهيكلي لكتاب كليلة ودمنة، كما هو متداول بين القراء، إلى ثلاثين قسمًا موزعة على مقدمات وأبواب وأجزاء أبواب، منها 11 جزءًا تحتوي مقدمات وعروضًا إما من الناشر أو من مترجم النص من الهندية إلى الفارسية، كما يُصرَّح بذلك، أو مقدمة شكر لبرزويه المتطبب الذي خاطر بحياته ونقل النص من بلاد الهند إلى بلاد فارس، أو من مترجم النص من الفارسية إلى العربية، وهو ابن المقفع، كما يُصرح بذلك أيضًا.
ويبدأ سرد الحكايات، كما يراد أن يفهم، من الصفحة 68 في نسختنا المعتمدة[11]، أي من الجزء الأول من باب الأسد والثور. ويتم توزيع هذا المتن السردي على 13 حكاية كبرى يضاف إلى ذلك خاتمة الكتاب، وذلك من الصفحة 68 إلى الصفحة 224. وتدخل هذه الحكايات ضمن مسميات الأبواب، وإن كانت موزعة على أجزاء. ونمثِّل لذلك بحكاية الأسد والثور؛ فهي موزعة على ستة أبواب تحت اسم باب الأسد والثور رقم 1، وباب الأسد والثور رقم 2، وباب الأسد والثور رقم 3... إلخ.
ما نريد البحث عنه، من خلال هذا العرض الموجز لفهرس الكتاب، هو موقع الحكاية الإطار في النص. وللوصول إلى ذلك سنقسم الكتاب إلى قسمين نقصي منهما الزوائد المضافة من الناشر أو المضافة بغاية التمويه، من ابن المقفع، حول طبيعة النص ومؤلفه.
والزوائد هي العروض والمقدمات التي لا تدخل في تشكيل السرد، وغايتها توضيحية أو إضاءة متن الكتاب. وهي مقدمة الناشر عن حياة ابن المقفع ومؤلفاته، وباب بعثة الملك كسرى أنوشروان[12]، وباب برزويه المتطبب بجزأيه، وباب عرض الكتاب من قبل وزير كسرى بزرجمهر، وباب عرض الكتاب لابن المقفع. ويبقى، بعد ذلك الإقصاء، مقدمة الكتاب لعلي بن الشاه الفارسي، وهي من ثلاثة أجزاء:
1. المقدمة.
2. سبب وضع كتاب كليلة ودمنة.
3. عرض الملك على بيدبا تأليف الكتاب.
أما القسم الثاني فهو ما تبقى لدينا من الكتاب بأبوابه وأجزائه المشكلة للحكايات من الصفحة 68 إلى الصفحة 224.
تشكِّل مقدمة علي بن الشاه الفارسي، بأجزائها الثلاثة، الحكاية الإطار. وعلي بن الشاه هو الذي يبدأ بالرواية الاسترجاعية ليشكل السرد الأول بالقول: إن الإسكندر ذا القرنين الرومي...[13]

خطاب النص

تنقسم الحكاية الإطار كما سنلاحظ إلى ثلاثة مستويات هي: خطاب دبشليم الملك، وخطاب بيدبا الفيلسوف، والتماثل المتكافئ.

1. خطاب دبشليم الملك
تنصِّب الرعية أحد أبناء ملوكها ملكًا على البلاد بعد أن طردت المعيَّن من قبل الغازي؛ لأنه كما يقول الراوي:
لا يصلح للسياسة ولا ترضى الخاصة والعامة أن يملِّكوا عليهم رجلاً ليس منهم ولا من أهل بيوتهم، فإنه لا يزال يستذلهم ويستقلهم... ولما استوثق الأمر لدبشليم طغى وبغى وتجبر وتكبر وجعل يغزو مَن حوله من الملوك[14].
واستصغر أمر الرعية وأساء السيرة فيهم، ولم يأخذ بسيرة أجداده الحسنة في سياسة الرعية وإصلاح شأنها على الرغم من أنه لم يرتق العرش إلا لصلة نسبه بأسلافه الملوك.
بذلك السلوك في سياسة الرعية يتنكر الملك لأمرين: الأول، الرعية التي وثقت به وعينته ملكًا عليها. والثاني، سياسة أجداده في حسن تصرفها مع الرعية، أي إنه فقد شرعية تموضعه على كرسي السلطة مما خلق توترًا في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أساسه الافتقار إلى العدل في الحكم وبروز الجور والاستبداد. فطفت على السطح قضية قديمة ومعاصرة في الوقت ذاته، هي الصراع بين الحاكم والمحكوم ومتطلبات طرفي الصراع. يمثل الطرف الأول الملك دبشليم على رأس السلطة بجهازه السلطوي والتابوات التي يؤطر بها نفسه ضد الرعية. ويقود الطرف الثاني المثقف والحكيم والفيلسوف بيدبا.

2. خطاب بْيَدَبا الحكيم
يلاحظ بيدبا الفيلسوف سلوك الحاكم فيستشير تلامذته ويقرر نصح الملك دبشليم. أربع علامات تؤطر زاوية الرؤية لدور المثقف في مجتمعه. ويتمثل ذلك في إدراكه لمعاناة المحكومين، وأخذه بمبدأ المشورة، وإقدامه على تحمل المخاطر في قيادة الرعية، وعمله بمبدأ الحوار، فعلاً خلاقاً في التغيير، وسلاحًا ماضيًا في وجه قوة طاغية، لا قبل له بمواجهتها بنوعية أسلحتها.

أ. الإدراك والملاحظة: يقول الراوي:
كان في زمانه [أي زمان الملك دبشليم] رجل فيلسوف من البراهمة[15]، يُعرف بفضله ويُرجَع في الأمور إلى قوله، يقال له بيدبا. فلما رأى الملك وما هو عليه من الظلم للرعية فكر في وجه الحيلة في صرفه عما هو عليه وردِّه إلى العدل والإنصاف[16].
علامات بيدبا، كما هو ملاحظ في النص، التواجد الموضوعي والزمني المعاصر لدبشليم، فعلاً سرديًا إسناديًا بصيغة الماضي "كان" كما هو الشأن في الإسناد الخبري في بداية السرد، وهي ضرورة تخييلية؛ لأننا ما زلنا في إطار تشكيل الحكاية الأم، ومن ثم الصفات التي بوأته – أي بيدبا – موقع البيان القادم في خطابه كالفلسفة والفضل والمرجعية المعرفية الواسعة التي أهدته إلى الملاحظة وإدراك معاناة شعبه من الظلم والتفكير في إزالته.

ب. المشورة: جمع بيدبا تلامذته وقال لهم – سنعود إلى قوله كلما دعت مقتضيات البحث لأهميته في الكشف عن بيان خطابه :
- أتعلمون ما أريد أن أشاوركم فيه؟ قالوا: لا. قال: اعلموا أني أطلت الفكر في دبشليم وما هو عليه من الخروج عن العدل ولزوم الشر ورداءة السيرة وسوء العشرة مع الرعية، ونحن ما نروِّض أنفسنا لمثل هذه الأمور إذا ظهرت من الملوك إلا لنردهم إلى فعل الخير ولزوم العدل... وقد جمعتكم لهذا الأمر؛ لأنكم أسرتي ومكان سري وموضع معرفتي، وبكم أعتضد وعليكم أعتمد؛ فإن الوحيد في نفسه والمنفرد برأيه، حيث كان، فهو ضائع ولا ناصر له... فليشر كل واحد منكم بما يسنح له من رأي[17].
يعرض بيدبا في مقصورته على تلامذته هواجسه وأفكاره والإمكانات المتاحة له ضمن خصوصيته بوصفه فيلسوفًا وحكيمًا. ومن الحكمة الاعتقاد بأن المنفرد برأيه ضائع. وهي حكمة موجهة في خطاب بيدبا باتجاهين: الأول، إلى الملك دبشليم الذي يرفض اتِّباع سيرة أجداده ويبطش بمن نصبوه ملكًا؛ فهو ضائع في سياسته التي لا تجلب له غير الفساد داخل حاشيته وكره الرعية والملوك الذين غزا بلادهم. والثاني موجه إلى المتلقي النصي الممثل بتلامذته، وإلى المتلقي خارج النصي المقصود بالخطاب بصورته الكلية.
ولذلك فإن بيدبا يكرر استشارة تلامذته في موقع آخر، وذلك حين طلب منه الملك دبشليم تأليف كتاب كليلة ودمنة[18] وما ذلك إلا للتأكيد على إنكار الاستبداد في الرأي. يقول بيدبا:
أرى السفينة لا تجري في البحر إلا بالملاحين لأنهم يعدلونها[19].
إن المشورة في خطاب بيدبا قانون الحاكم السديد الذي يقود السفينة إلى اللجة، وبدونها ستغرق السفينة؛ لأنها تقع تحت سطوة التفرد والإنكار والاستصغار للملاحين الآخرين. وهذا ما فعله دبشليم الملك حين تفرد بالحكم، فطغى وتكبر واستصغر، فأصبح مكروهًا.

ج. المبادرة: كان بإمكان بيدبا، بوصفه واحدًا من الرعية، السكوت على ظلم دبشليم، ولكنه ليس فردًا عاديًا في الرعية، فهو ينتمي إلى الفئة المثقفة، وهو الحكيم والفيلسوف. تلك صفات تموضعه في موقع المسؤولية. وهنا يتوجه بخطابه إلى المتلقي النصي وخارج النصي مرة أخرى، كما فعل بموضوعة المشورة، ويعلل مبادرته بمجموعة من الاحتمالات. يقول:
ومتى أغفلنا ذلك وأهملناه [يقصد السكوت على ظلم دبشليم] لزِمَنا من وقوع المكروه منا وبلوغ المحظورات إلينا ألم الجهال. وبلغ إليهم أن كنا في أنفسهم أجهل منهم وفي عيونهم أقل منهم. وليس عندي الجلاء عن الوطن، ولا يسعنا في حكمتنا إبقاء الملك على ما هو عليه من سوء السيرة وقبح الطريقة، ولا يمكننا مجاهدته بغير ألسنتنا، ولو ذهبنا إلى أن نستعين بغيرنا لم تتهيأ لنا معاودته. وإن أحسَّ منا بمخالفته وإنكارنا سوء سيرته كان في ذلك بوارنا، وقد تعلمون أن مجاورة السبع والكلب والحية والثور على طيب الوطن ونضارة العيش غدر بالنفس[20].
إحساس بيدبا بالمسؤلية نابع من حكمته وثقافته وإدراكه، بوصفه نقيضًا للجاهل، حيث ثنائية التقابل بين العارف وغير العارف، ودوره في ذلك التقابل هو رفض التماثل مع نقيضه الجاهل لإصلاح الفساد وليس التناقض لتعميق الصراع والهوة بين الحاكم والمحكوم. ولذلك فهو لا يستطيع السكوت، فالصمت على الظلم جهل. والمثقف الساكت هنا يضع نفسه موضع الجاهل، لا هو انتفع بعلمه ولا نفع غيره ممن لا يعلمون. وعليه فإن السكوت على الظلم في خطاب بيدبا مستبعد لأنه يحطُّ من قدر العالم الساكت.
الحل الثاني الجلاء عن الوطن، وهو حلٌّ غير وارد في جهاز بيدبا النظري، ولذلك لا يناقشه لبدهية سلبيته. الحل الثالث، الاستعانة بالغير؛ ذلك يعني ضياع الوطن، فمن يأتي بالمحتل لايستطيع إخراجه، ولأن استعمال العنف ومجاهدة الملك به ليس من دأب العلماء. تبقى الكلمة هي السلاح الأمضى في بيان بيدبا، وعليها يراهن تلامذته ومتلقي الصورة الكلية للبيان. يقول له تلامذته:
إن السباحة في الماء مع التمساح تغرير، والذنب فيه لمن دخل عليه في موضعه. والذي يستخرج السم من ناب الحية فيبتلعه ليخبر به على نفسه فليس الذنب للحية. ومن دخل على الأسد في غابته لم يأمن وثبته[21].
وعلى الرغم من تلك المخاطر يبادر بيدبا لتحمل المسؤلية، ويقرر مقابلة دبشليم الملك لحواره ونصحه.
في ذلك الموقف موضوعة هامة يقرها بيدبا في خطابه، وهي أن مسؤولية المثقف في مجتمعه لا تقتصر على الإدراك والملاحظة والمعرفة، بل لا بدَّ من الإقدام والتضحية لكي يحظى بتقدير العامة والخاصة بوصفه مثقفًا وفيلسوفًا وحكيمًا. يقول:
رأيت أن أجود بحياتي فأكون قد أتيت فيما بيني وبين الحكماء بعدي عذرًا. فحملت نفسي على التغرير أو الظفر بما أريده... فإنه قيل في بعض الأمثال: إنه لم يبلغ أحد مرتبة إلا بإحدى ثلاث: إما بمشقة تناله في نفسه، وإما بوضيعة[22] في ماله أو بوكس[23] في دينه، ومن لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب[24].

د. الجدل: الجدل هو الركيزة الأساس في خطاب بيدبا، به يشكل السلاح الأمضى، ومن خلاله يفنِّد المواقف والآراء ليصل إلى الإقناع ثم التماثل المتكافئ بين المتصارعين. ولذلك نلاحظ ملامح تلك الموضوعة في كل المكونات الوظيفية في خطاب بيدبا. يبدأ بيان بيدبا بطلب بيدبا النصيحة لنفسه من تلامذته. وهي موضوعة هامة في الصورة الكلية. فهو العالم والفيلسوف والحكيم. ولكنه يدرك أن في الانفراد في الرأي نقص وضياع مهما كانت منزلة المتفرد في الرأي. وهي لا تأتي في بداية الخطاب ارتجالاً، بخاصة إذا علمنا أنها الموضوعة الصغرى التي ينتهي بها أيضًا خطابه مع الملك دبشليم حين يقابله:
الأمر الذي دعاني إلى الدخول على الملك وحملني على المخاطرة في كلامه والإقدام عليه نصيحة اختصصته بها من دون غيره[25].
وهي الموضوعة الكبرى في الصورة الكلية لكتاب كليلة ودمنة أو بيان بيدبا الكلي للمتلقي خارج النصي. وبذلك تمثل الإطار المعادل على مستوى الدلالة للحكاية الإطار، على مستوى البناء، وإليها تنتمي الوحدات الدلالية الجزئية إرجاعيًا، بوصفها مبدءًا قارًا. ولأن النصيحة إنجاز لفظي جاهز على مستوى المتن داخل النصوص الصغرى والحكاية الأم، فهي بحاجة إلى ممهدات متعددة الأنماط لإثبات صحة المنجز اللفظي دلاليًا، وذلك عبر سطوة العقل وهيمنته على الخطاب الدلالي. ومن ذلك تنبع أهمية تفنيد الأقوال والمواقف في خطاب بيدبا أمام تلامذته بوصفهم المتلقي الأول، وأمام الملك متلقيًا ثانيًا، وأمام المتلقي خارج النصي باعتباره البعد الثالث في بيان الصورة الكلية. تبرز أولى صور التفنيد في خطاب بيدبا من خلال لقائه مع تلامذته. ففي الاجتماع الأول يبين الآراء المتوقعة في آلية مواجهة ظلم الملك دبشليم، ثم يبين بطلانها ومواطن الخلل فيها ليصل إلى فسادها عبر سرد المتطلبات المتوجبة من الحكيم أمام الرعية ونتائج التخلي عن تلك الواجبات. وبالتالي، ما الذي يمكن عمله لظهور صورة الفيلسوف بأبهى أوجهها الأخلاقية والاجتماعية والتاريخية؟ ولا يتوانى بيدبا لإثبات ذلك عن الاستعانة بأقوال الفلاسفة السابقين. يقول:
إن الفيلسوف لحقيق أن تكون همته مصروفة إلى ما يحصن به نفسه من نوازل المكروه ولواحق المحذور. ويدفع المخُوف لاستجلاب المحبوب. ولقد كنت أسمع أن فيلسوفًا كتب إلى تلاميذه يقول: إن مجاورة رجال السوء والمصاحبة لهم كراكب البحر، إن هو سلم من الغرق لم يسلم من المخاوف. فإذا هو أورد نفسه موارد الهلكات ومصادر المخوفات عدَّ من الحمير التي لا نفس لها؛ لأن الحيوانات البهيمة قد خصت في طبائعها بمعرفة ما تكتسب به النفع وما تتوقى المكروه، وذلك أننا لم نرها تورد أنفسها موردًا فيه هلكتها وأنها متى أشرفت على مورد مهلك لها مالت بطباعها التي ركِّبت فيها شُّحًا بأنفسها وصيانة لها إلى النفور والتباعد عنه[26].
وحين ينجز بيدبا – لفظيًا – حكمة مجردة يسارع إلى توضيحها بحكاية، ومن ذلك قوله في خطابه لتلامذته:
على أن العقل قد يبلغ بحيلته ما لا يبلغ بالخيل والجنود[27]
فيوضح هذا القول بحكاية القبرة والفيل[28].
أما الصورة التفنيدية الثانية فقد جاءت أمام الملك دبشليم، مع الملاحظة في اختلاف منزلة المتخاطبين في الصورتين، مما يخلق تغيرًا في رتبة الحكيم بيدبا؛ ففي الصورة الأولى يتم التقابل بين (فوق/تحت) ويكون بيدبا في المعادلة في موقع "الفوق" الأقوى والأعلم، ولذلك يقول له تلامذته حين يسألهم: "أتعلمون ما أريد أن أشاوركم فيه؟ قالوا: لا "[29] وبعد أن طرح عليهم فكرته "قالوا أجمعهم:... أنت المقدم فينا... وما عسى أن يكون مبلغ رأينا عند رأيك وفهمنا عند فهمك"[30]، فبيدبا هنا يسأل ليختبر ويفند الآراء ثم يقرر.
ولكن بيدبا، في الصورة التفنيدية الثانية، في معادلة التقابل بين (الفوق = الملك/التحت = بيدبا والرعية) هو في موقع التابع وليس المتبوع، كما تنجزه الصورة البيانية وهذا يستدعي خطابًا، من بيدبا مع الملك لإنجاز القول، مختلفًا على مستوى الأسلوب والوحدات الجزئية، فرضه المقام (فوق/تحت) الجديد. فالمهمة أصعب من الأولى، لأن بيدبا يفتقر في هذه الصورة إلى سلطة (الفوق) التي يملكها دبشليم.
يدخل بيدبا على الملك دبشليم وعليه لباس البراهمة، وهي علامة تعويضية لتقوية المقام (تحت) لبيدبا، لأن البراهمة هم حكماء الهند تاريخيًا؛ وهي إشارة إلى تسلح بيدبا بالحكمة والفلسفة والعلم، وهو ما سيفرض على (الفوق = دبشليم) التفكير في طلب (التحت) وما عساه أن يكون، كما سنلاحظ. ويقدم بيدبا الفيلسوف لدبشليم الملك ما يفرضه تناقض الموقعين المتقابلين من واجب التبعية، وهو اعتراف صريح من بيدبا بوجوب طاعة الرعية للحاكم واحترامه، فـ "سجد له واستوى قائمًا، وسكت"[31].
لعلامة السكوت أكثر من وظيفة سينجز بعضها السرد على لسان بيدبا، وسينجز بعضها الآخر الراوي المتماهي بمرويه (علي بن الشاه الفارسي ودبشليم). الوظيفة الأولى أن السكوت جزء من صيغة احترام المقام الملكي وهيبته. يقول بيدبا: "إن ذلك لم يكن مني إلا لهيبته [أي الملك] والإجلال له"[32]. والوظيفة الثانية تقع في بنية السرد فعلاً تحفيزيًا لنموه من جهة، وعلامة دلالية من جهة أخرى. فهي فعل تحفيزي للسرد ينتقل من خلالها مستوى السرد من (التحت) إلى (الفوق) لرصد العالم الداخلي تجاه (التحت الحكيم) وما يمثله رصيده المعرفي والتاريخي، وهي علامة دلالية لرصد الصورة الشمولية لشخصية دبشليم. فبعد سكوت بيدبا الفيلسوف مباشرة يفكر دبشلييم الملك، أي إن الفعل ينتقل إلى (الفوق) بفعل التفكير، وهي سمة إيجابية في الصورة الشمولية لدبشليم الملك. يقول الراوي:
وفكر دبشليم في سكوته، وقال: إن هذا لم يقصدنا إلا لأمرين: إما أنه يلتمس منا شيئًا يصلح به حاله، أو لأمر لحقه فلم يكن له به طاقة. ثم قال: إن كان للملوك فضل في مملكتها فإن للحكماء فضلاً في حكمتها[33].
الحوار الداخلي لدبشليم يبين أن لباس البراهمة قام بوظيفته في تعديل المقام، أو على الأقل كان حافزًا للتفكير في أمر بيدبا الفيلسوف بأقل قدر ممكن من الاستصغار. ويتضح ذلك بشكل جلي حين يعلن الملك دبشليم جهرًا ما جاء في دخيلة نفسه. يقول لبيدبا:
إن الحكماء لا يشيرون إلا بالخير والجهال يشيرون بضده، وأنا قد فسحت لك في الكلام[34].
لا شك أن تعديل المقام والتخفيف من وطأة (التحت) كانا مشروطين من قبل دبشليم الملك بالقول الحكيم، المناقض لقول الجاهل؛ ولكنه فسح المجال أيضًا، أي إنه فتح الباب للحوار والإصغاء. وبيدبا لا يريد أن ينطق بقول الجاهل، ولا يريد أن يقول بغير الخير. وذلك أول بوادر التماثل الذي يحصل بين طرفي الصراع (الفوق/التحت).
الوظيفة الثالثة للسكوت ينجزها بيدبا الفيلسوف مقدمةً للإقناع. وهي المهمة الأصعب في الإنجاز اللفظي. ولذلك سيستجمع لها بيدبا الفيلسوف جلَّ ثقافته وحكمته، فيبدأ بتأكيد شرط دبشليم؛ إن الحكماء لا يشيرون إلا بالخير؛ الخير في الكلام إن كان لا بد منه وإلا فالسكوت فضيلة، كما يقول الحكماء والملوك في إشارة بيدبا الآتية:
قالت العلماء: الزم السكوت فإن فيه السلامة، وتجنب الكلام الفارغ فإن عاقبته الندامة. وحكي أن أربعة من العلماء ضمهم مجلس ملك، فقال لهم: ليتكلم كل منكم بكلام يكون أصلاً للأدب.
فقال أحدهم: أفضل خلة العلماء السكوت.
وقال الثاني: إن مِنْ أنفع الأشياء للإنسان أن يعرف قدر منزلته من عقله.
وقال الثالث: أنفع الأشياء ألا يتكلم بما لا يعنيه.
وقال الرابع: أروح الأمور للإنسان التسليم للمقادير[35].
تدعوا أقوال الحكماء إلى السكوت، ولكنه ليس سكوتًا مطلقًا أخرسًا، وإنما السكوت المجنب للندم والخطأ. أي لا بدَّ من الكلام، كلام العلماء والحكماء، الذي يدعو إلى الخير. وهذا تماثل آخر بين طرفي الصراع (بيدبا/دبشليم) وتحقيقٌ لشرط دبشليم الملك، وتقوية أخرى لموقع (التحت) في مواجهة (الفوق)، مما يفتح الباب ثانية لبيدبا الفيلسوف للكلام، بعد أن تحقق شرط الملك في قول الحكمة، وبخاصة أن بيدبا ربط الأقوال المأثورة بمعادل لطرفي الصراع أو المقام (فوق = أقوال الملوك/وتحت = أقوال الحكماء) ولذلك ربط بين الحكام والحكماء برابط الحكمة القائمة على دور الكلمة المتبادلة بينهما، مما لا يسمح لدبشليم الملك إلا بالإصغاء بفعل نوازع الفضول لسماع القول الحكيم. ولذلك يكرر دبشليم الملك قوله لبيدبا الفيلسوف: "يا بيدبا تكلم مهما شئت فإنني مصغ إليك"[36].
يبدأ بيدبا خطابه المباشر لدبشليم الملك بكلام الحكمة، فيقول:
إني وجدت أن الأمور التي اختص بها الإنسان من بين سائر الحيوان أربعة أشياء، وهي جماع ما في العالم. وهي: الحكمة والعفة والعقل والعدل. والعلم والأدب داخلة في باب الحكمة. والحلم والصبر والوقار داخلة في باب العقل، والحياء والكرم والصيانة والأنفة داخلة في باب العفة. والصدق والإحسان والمراقبة وحسن الخلق داخلة في باب العدل[37].
تبدأ الخصائص الأربع بالحكمة وتنتهي بالعدل. في باب الحكمة توجد الروية، وفي باب العدل يوجد الإحسان. الروية مطلب بيدبا من الملك دبشليم في اللحظة الراهنة، لكي يتم الإصغاء من قبل الملك، وينجز بيدبا مهمته. ولكن بيدبا لا يبقى في إطار المنجز من الكلام اللفظي، بل يتقدم خطوة أخرى في خطابه المباشر الممزوج بالدعاء للملك ببقاء ملكه، علامةً غير مباشرة على أنه لا يطلب زواله بل بقاءه وصلاحه. ثم ينتقل مباشرة إلى جوهر مطلبه، ولكن من خلال استرجاع ذكرى أجداد الملك دبشليم، مما لايفسح المجال لدبشليم بالإنكار أو الغضب، فهو ذم في صيغة مدح:
أيها الملك إنك في منزلة آبائك وأجدادك من الجبابرة الذين أسسوا الملك قبلك وشيدوه دونك، وبنوا القلاع والحصون، ومهدوا البلاد وقادوا الجيوش واستجاشوا العدة، وطالت لهم المدة، واستكثروا من السلاح والكراع[38] وعاشوا الدهور في الغبطة والسرور، فلم يمنعهم ذلك من استعمال الإحسان إلى من خولوه، والرفق بمن ولَّوه وحسن السيرة فيما تقلدوه[39].
في كل متوالية وظيفية يؤكد بيدبا في خطابه على الجدل. وها هو هنا يلصق، من خلال ضمير المخاطب، صفات الأجداد بدبشليم الملك "الجبابرة، أسس، شيَّد، القلاع والحصون، قادوا الجيوش،...إلخ" مما يستثير في نفس دبشليم الرغبة في التماهي بالأجداد مطلبًا للملك والرعية في الوقت نفسه. وفي ذلك تأكيد آخر على أن الرعية لا تريد زوال ملك دبشليم بل عدله وإنصافه. ولكن التماهي ناقص بفعل لفظتين في الخطاب أدخلهما بيدبا الفيلسوف في المتوالية، هما: "قبلك" و"دونك"؛ فعلى الملك، إذًا، استدراك النقص من خلال متابعة التشييد والبناء ليصبح جزءًا من تلك القوة "الجبابرة" بالإضافة إلى العدل والإحسان للرعية، لأن التشييد والبناء لم يمنع الأجداد من الإنصاف، كما يقول بيدبا الفيلسوف مستدركًا.
بعد ذلك لم يبق أمام بيدبا إلا التصريح بالنقص بدل التلميح إليه:
أيها الملك السعيد جده... قد ورثت أرضهم وأموالهم ومنازلهم [يريد أجداد الملك] ولم تقم بذلك بحق ما يجب عليك، طغيت وبغيت وعتوت[40].
لقد تخلى خطاب بيدبا في هذه المتوالية الوظيفية عن ذكر إنجازات الملك، وذلك للتركيز على النقص وتبيان خروج الملك عن الشرعية التي تحدثنا عنها سالفًا، والتي استمدها دبشليم الملك من طرفين: أجداده والرعية.
دبشليم الملك، إذًا، ورث الملك ولم يقم بواجبه. إن النفي هنا هو تصريح ضمني بنفي المقام الذي يحتله دبشليم في معادلة (فوق/تحت) لفقدانه شروط التربع في المقام. وأصبح من حق (التحت) أن يحاسب (الفوق)، وكأن المعادلة انقلبت رأسًا على عقب، فمن كان في (الفوق) أصبح في (التحت) والعكس صحيح. وهنا تنتفي سلطة (الفوق) وتبرز سلطة (التحت) ويصبح بيدبا هو الأقوى بسلطة العقل والحجة والحق.
بذلك تتوضح الصورة الكلية، في بيان بيدبا، التي تحرض على عمل العقل والحوار، وتركز على دور الكلمة ودور المثقف والحكيم والفيلسوف في مجتمعه. وتصبح تلك الصورة الكلية في البيان هي الأولى، وهي في معادلة الرتبة في (الفوق) مهما أبدت الصورة البيانية الظاهرية من تمويه.

3. التماثل المتكافئ "تحول الصراع":
يشكِّل "التماثل المتكافئ" حكمة بيدبا في بيانه الكلي[41]. فإيمانه بدور العقل والحوار يحيل الصراع بين طرفين، مهما كانا متناقضين، إلى التصالح والتماثل. ولكن الوصول إلى تلك النتيجة يحتاج من (التحت) إلى الحكمة والتضحية والخبرة، بالإضافة إلى كل ما لاحظناه من سمات في بيان بيدبا الشمولي.
وعلى الرغم من ذلك يبقى التماثل مشروطًا بالصورة الشمولية أيضًا للطرف النقيض (الفوق) وقبوله بمنطق (التحت). ولم يغب ذلك عن بيدبا الفيلسوف، أو بالأحرى عن ابن المقفع، ولذلك تظهر المتواليات الوظيفية الموحية بإمكانية التحول إلى التماثل المتكافئ مبكرة في الحكاية الإطار، من خلال الصورة الشمولية لدبشليم الملك. وسوف نمثل لذلك بمتواليتين: التفكير "التأمل" والفعل "الإنجاز".
أ‌. التفكير "التأمل": حين دخل بيدبا على الملك وسجد له واستوى قائمًا وسكت، فكر دبشليم الملك في سكوته. والتفكير علامة الحكماء. وبيدبا يدفع الملك إلى التفكير، أي إلى الأخذ بسلاح بيدبا في الصراع، وبالتالي يجرده من سطوة (الفوق) المتمثلة بقوة السلطة؛ فيتساوى طرفا المعادلة من حيث السطوة، ويصبح الحوار مهيمنًا على العلاقة، وبذلك تكون الغلبة للعقل والجدل، أي لبيدبا الفيلسوف.
يقول دبشليم الملك مفكرًا:
إن الحكماء أغنياء عن الملوك بالعلم، وليس الملوك بأغنياء عن الحكماء بالمال. وقد وجدت العلم والحياء إلفين لا يفترقان... ومن لم يستح من الحكماء ويكرمهم ويعرف فضلهم على غيرهم ويصنهم عن المواقف الواهنة وينزههم عن المواطن كان ممن حرم عقله وخسر دنياه وظلم الحكماء حقوقهم وعدَّ من الجهال[42].
التفكير المبكر من قبل دبشليم علامة موطئة لإمكانية حدوث التماثل بين الطرفين، خاصة أن دبشليم الملك ربط بين ظلم الحكماء والجهال، وهو الذي اشترط فيما بعد على بيدبا أن يتكلم بكلام الحكماء وليس الجهال.
ولا ينتفي التفكير، مع تقدم السرد، عن دبشليم الملك؛ فبعد أن يأمر بقتل بيدبا وصلبه، يميل إلى تخفيف الحكم إلى السجن، ثم يصاب بالأرق، ويعيد التفكير في كلام بيدبا الفيلسوف، ويسترجع أقوال العلماء:
أربعة لا يجب أن تكون في الملوك: الغضب فإنه أجدر الأشياء مقتًا، والبخل... والكذب... والعنف في المحاورة[43].
تبدأ السمات الأربع في قول العلماء بـ"الغضب" وتنتهي بـ"العنف في المحاورة"، وفي ذلك تركيز على ما بدر من الملك دبشليم تجاه بيدبا الفيلسوف، وعودة غير مصرح بها عن حكم القتل والصلب والسجن. فالغضب ممقوت، وهذا ما صدر منه. والعنف في المحاورة ليس من صفات الملوك، ودبشليم الملك لم يتقبل المحاورة وعاقب بيدبا؛ والمنطق الجدلي في ذلك يقضي بإنجاز العدل، والعدل هو مطلب بيدبا في بيانه الشمولي.
ب‌. الفعل "الإنجاز": أنجز بيدبا مهمته في الإقناع وأعاد دبشليم الملك إلى سماع صوت العقل والحكمة والعدل. وخرج بيدبا الفيلسوف من السجن منتصرًا بأمر الملك:
يا بيدبا إني قد استعذبت كلامك وحسُن موقعه في قلبي، وأنا ناظر في الذي أشرت به وعامل بما أمرت. ثم أمر بقيوده فحلَّت، وألقى عليه من لباس الملوك، وتلقاه بالقبول [وقال]: لقد وليتك في مجلسي هذا جميع أقاصي مملكتي، وأحببت أن تضع لي كتابًا بليغًا تستفرغ فيه عقلك، يكون ظاهره سياسة العامة وتأديبها على طاعة الملك، وباطنه أخلاق الملوك وسياستها للرعية[44].
تحول دبشليم الملك بذلك الفعل من ملك طاغية إلى ملك عادل، وتحقق حلم بيدبا في التماثل المتكافئ بين الحاكم والمحكوم، من خلال العلاقة التي أنشأها القول الحكيم بينهما بفعل العقل والحوار والإقناع والكلمة الفاعلة.

الوحدات البنائية في النص

أ‌. الوحدات الإسنادية:
تبدأ الحكاية الإطار بجملة استهلالية تحدد الراوي والفضاء والمسترجع زمنيًا: "قال علي بن الشاه الفارسي بن سجوان:... كان... أن الإسكندر ذا القرنين". الراوي محدد بثلاث سمات: الاسم: علي بن الشاه الفارسي، والجنسية: الفارسي، والزمن: ما بعد سنة 579 م لأن ملك الفرس كسرى أنوشروان، الذي أمر بنقل الكتاب من خزائن الهند، عاش ما بين عامي 531 – 579 م، ومن البدهي أن الراوي الذي يسترجع أحداث الماضي عاش بعد ذلك التاريخ، من دون تحديد دقيق، لأنه شخصية إسنادية إخبارية متخيلة، لا أثر على وجودها موضوعيًا، وحضورها ذو وظيفة تأطيرية استهلالية في البنية السردية لكي تدخل من خلاله الحكايةُ الإطار بوابة المتلقي ضمن إطار تقاليد الإسناد في فن الخبر، ليس في الثقافة العربية فحسب، بل عند جميع الشعوب التي أنتجت السرود الحكائية.
إن الجوهر المبدئي للسرد الذي يريد أن ينجزه ابن المقفع في كتابه كليلة ودمنة يكمن في الحكاية الإطار. أما الحكايات المضمَّنة أو المتفرعة منها ما هي إلا تنويعات و إبدالات لذلك المبدأ الجوهري في السرد. وبالتالي يكون لدينا حكاية كبرى عنوانها بيان بيدبا أو حكاية بيدبا والملك دبشليم، وحكايات متفرعة هي جزء تنويعي على مستوى الوظيفة والبناء والنمط، مهمتها استكمال الحكاية الإطار وإغناؤها.
"الحكاية الأم"، إذًا، هي المخولة بحمل جملة الاستهلال السردي ومبدأ الإسناد الخبري، فبها يبدأ السرد. ولا سرد من دون إسناد في ثقافة التخييل، لأنه حامل المشروعية السردية ورسالة التخييل؛ ما لا حقيقة له "قصة دبشليم وبيدبا" وما لا وجود له "الراوي علي بن الشاه الفارسي"[45].
ولكن أهمية وجود مبدأ الإسناد تتجاوز ذلك التوصيف الباحث عن الوقائع الموضوعية إلى توصيف المنجز نصيًا بغاية تصديقه إخبارًا قابلاً للحياة والتلقي والتأويل.
من هذا المنطلق، في الجوهر المبدئي للسرد في الحكاية الإطار ومن وظيفة التنويع والإبدال للحكايات المضمَّنة، يغدو منطقيًا أن تكتسب الحكايات المتفرعة مشروعيتها الإسنادية من خلال انتمائها التنويعي والإبدالي للحكاية الإطار، التي تقوم بدورها في تأطير المتفرعات وإكسابها الإسناد الخبري ومشروعيته، من خلال إسنادها إلى راوٍ وفضاء محددين. ولإنجاز تلك المشروعية بُدء بـ "قال علي بن الشاه" الذي أخبر بصيغة الماضي "كان" عما وقع في زمن الإسكندر من غزو لبلاد الهند، أتبعه ظهور الملك الطاغية دبشليم، حيث يبدأ تشكل خطابه في الوحدة الثانية من النص.

ب‌. التناسل:
بدأ التناسل، تفريعًا حكائيًا، بشكل مبكر داخل الحكاية الإطار، حين اجتمع بيدبا بتلامذته لاستشارتهم في أمر دبشليم الملك فطرح عليهم الحكمة الآتية:
المتفرد برأيه حيث كان، فهو ضائع، ولا ناصر له. على أن العاقل قد يبلغ بحيلته ما لا يبلغ بالخيل والجنود.
ومثل بيدبا لذلك بحكاية القبرة والفيل[46]. وهي حكاية تأخذ مشروعيتها الإسنادية من وظيفتها التفسيرية للمنجز اللفظي المجرد "الحكمة" الذي أطلقه بيدبا أمام تلامذته، وليس من صيغة الإسناد الخبري كما في الحكاية الإطار.

جـ. ثنائية التقابل:
تقضي ثنائية التقابل، كما لاحظنا في الوحدات الوظيفية، إلى انتصار العقل في الصورة الكلية، ممثلاً ببيدبا الفيلسوف (التحت). ويوازيه الإنجاز السردي على مستوى المساحة السردية المنجزة لفظيًا. فالمساحة التي يسودها الحديث عن دبشليم محدودة الأسطر بالقياس إلى المساحة التي سيملؤها فعل بيدبا الفيلسوف. وهي موازاة غير متكافئة من حيث الرتبة في الصورة البيانية للثنائية التقابلية، لأن موازاة المساحة بالرتبة تقتضي أن يحتل دبشليم الملك (الفوق) المساحة الأكبر في السرد. وهذا غير متناقض وإن بدا متناقضًا ظاهريًا، لأن المعادلة الثنائية قد انقلبت في تحول الصراع، وجُرِّد (الفوق) من سلطته القامعة، وأُفسِح المجال للحوار سلطةً فعَالة؛ ولأن العقل سلاح الحكيم (التحت) أصبح هو من يمتلك الفعل والمبادرة.
إن قلب الرتبة يمثل انتصارًا وظيفيًا وبنائيًا على مستوى السرد لبيدبا. وهذا يستوجب امتلاء السرد، إنجازًا لفظيًا، بخواصه وإمكاناته، من خلال ثنائية تقابلية موازية، يمثل قطبيها الفعل (الفوق) ورد الفعل (التحت). الفعل من إنجاز بيدبا، ورد الفعل من قبل دبشليم الملك. الفعل، ممثلاً ببيدبا، منفتح على الآخر، يشاور ويحاور ويسترجع المخزون الثقافي والتجربة السابقة للفلاسفة والملوك، ويبادر بالدخول على الملك، فعلاً إجرائيًا لكسر طوق الظلم. بينما نلاحظ أن رد الفعل، ممثلاً بدبشليم الملك، محاصر بنظامه وسلطته، منغلق على الآخر، لا يحاور، منقطع عن الماضي والتجارب السابقة، ولا يرتبط بعلاقة ما إلا من خلال سلطته، أي دائرته المغلقة، مما يخلق منه حالة ضعيفة، قابلة للاختراق، لايقوى إلا على رد الفعل؛ ولذلك لا مساحة له في السرد إلا في صورتين: التفكير الداخلي والإصغاء. والفعلان هما رد فعل على الفعل (الفوق) الذي سينجز الحكي بوصفه فعلاً خلاقًا، من خلال الإقناع، عبر الأمثلة والحكايات والخبرة الواسعة في شؤون السياسة.

د. الصورة البلاغية:
ثلاث صور بلاغية تشكل طبيعة السرد في الحكاية الإطار، هي:
1. السرد الإخباري: ينجزه علي بن الشاه الفارسي. ويتمثل بالوحدة الإسنادية، وفي مواقع التمفصل الحكائي بين الوحدات الوظيفية.
في الوحدة الإسنادية يهيمن الفعل الماضي على الخبر لوظيفته الترجيعية "كان... أن الإسكندر" و"كان على الهند" و"كان ذو القرنين". وبين مواقع الفعل "كان" تدخل مجموعة من الأفعال الماضية لتفصيل وقائع "كان" وملء الفراغ القصصي في السرد الإخباري: "وضع. فرغ. كانوا. سار. فلم يزل. ظهر. قهر. تغلب. عاداه. تفرقوا. تمزقوا. توجه... إلخ".
ولأن الراوي يروي سيرة فرد ملحمي بطولي أسطوري، فإنه يأخذ ببلاغة السرد الملحمي في الملاحم العربية، القائمة على محسنات المشابهة والمجاورة. ومن تلك الصور الوظيفية تصوير القادة العسكريين وإعداد العدة للحرب، وتصوير المعارك بما يدعم التخييل البطولي. يقول الراوي في وصف أفعال الإسكندر وتعاقبها وانتصاراتها الكبيرة: "فلم يزل يحارب من نازعه ويواقع من واقعه ويسالم من وادعه"[47] إنه يكثف الفعل الانتصاري من خلال التركيز على البنية الإيقاعية للجمل. ويقول في وصف ملك الهند المقابل للإسكندر في حربه:
كان على الهند في ذلك الزمان ملك ذو سطوة وبأس ومنعة ومراس... فلما أقبل [ذو القرنين] نحوه تأهب لمحاربته واستعد لمجاذبته... وجمع له العدة في أسرع مدة من... السيوف القواطع[48].
وكما في الملاحم الشعبية يلجأ الراوي إلى علامات ملحمية في فتح الحصون المنيعة على السيف ممثلة بالحيلة، وهذا ما يقوم به الإسكندر حين يعجز عن فتح حصون الهند. وكذلك المبارزة الفردية بين قادة الجيوش. فهنا تبرز الصورة البلاغية المثيرة لمتعة التلقي:
فبرز إليه الإسكندر، فتجاولا على ظهري فرسيهما ساعة من النهار ليس يلقى أحدهما من صاحبه فرصة ولم يزالا يتعاركان. فلما أعيا الإسكندرَ أمْرُه... أوقع ذو القرنين في عسكره صيحة ارتجت لها الأرض والعساكر، فالتفت "فَوْر" عندما سمع الزعقة وظنها مكيدة في عسكره فعاجله ذو القرنين بضربة أمالته عن سرجه، وأتبعها بأخرى فوقع إلى الأرض[49].
أما تدخُّل الراوي الإخباري في الربط بين الوحدات الوظيفية فهو بغاية تنسيق السرد وتنظيمه بحيث يؤدي إلى نموه واطراده وتنظيم الحوار. ويتدخل كذلك لوصف ما يجول في خاطر الملك من أفكار. وكذا في بداية اللقاء، بين بيدبا الفيلسوف ودبشليم الملك، وبعده.

2. الخطاب الإنشائي: يرتبط الخطاب الإنشائي، في السرد، بالملك دبشليم المحاصر بدائرته المغلقة على ذاته وسلطته؛ مما يؤكد الحيرة والتساؤل والتعجب من طارق بابه وخطابه، أي من خطاب (التحت). فاستصغار (الفوق) للـ(التحت) في ثنائية التقابل يولد المفارقة في شكل الخطاب، ويولد الغرابة والإنكار من سلطة (الفوق).
فكر دبشليم في نفسه بعد أن دخل عليه بيدبا، وقال:
إن هذا لم يقصدنا إلا لأمرين. إما أنه يلتمس منا شيئًا يصلح به حاله، أو لأمر لحقه فلم يكن له به طاقة... ثم رفع رأسه إلى بيدبا وقال له: نظرت إليك يا بيدبا ساكتًا لا تعرض حاجتك ولا تذكر بغيتك، فقلت: إن الذي أسكته هيبة ساورته أو حيرة أدركته. وتأملت فقلت: لم يكن لبيدبا أن يطرقنا على غير عادة إلا لأمر حركه إلى ذلك... فهلا نسأله عن سبب دخوله؟ فإن يكن...[50]
ويتكرر الخطاب الإنشائي ثانية مع دبشليم الملك. وهما الموقعان اللذان يشكلان في السرد المساحة المحدودة لدبشليم بعد أن يتكلم بيدبا ويفتح خطابه المختلف، المولد للمفارقة بين ما يطلبه (الفوق) من (التحت) موضوعيًا وبين ما ينجزه السرد. يقول دبشليم:
لقد تكلمت بكلام لا أظن أحدًا من أهل مملكتي يستقبلني بمثله، ولا يقدم على ما أقدمت عليه، فكيف أنت مع صغر شأنك وضعف منتك[51] وعجز قوتك؟! ولقد أثرت إعجابي في إقدامك علي وتسلطك بلسانك فيما جاوزت فيه حدك، وما أجد شيئًا في تأديب غيرك أبلغ من التنكيل بك[52].
ولكن خطاب دبشليم المنجز على سوية "رد الفعل" لا ينبتُّ بشكل مطلق عن خطاب بيدبا الحكيم؛ فالتحول المنجز على مستوى الوحدات الوظيفية في السرد ينعكس في أسلوب خطاب دبشليم على مستوى البناء. فالتفكير، علامةً دلالية في الصورة الشمولية لدبشليم، يدفع الملك إلى خطاب الحكماء؛ أي إلى خطاب بيدبا. وهو تواز في الوظيفة والبناء، واتساق مع التحول الذي حصل في ثنائية التقابل (الفوق-التحت).
يقول دبشليم، مفكرًا في سكوت بيدبا بعد أن أنهى خطابه الإنشائي:
إن كان للملوك فضل في مملكتها فإن للحكماء فضلاً في حكمتها أعظم[53].
وفي لحظة التفكير الثانية يقول:
لقد أسأت فيما صنعت... وقد قالت العلماء: أربعة لا ينبغي أن تكون في الملوك: الغضب فإنه...[54]
إن ذلك التداخل، في خطاب دبشليم، بين الإنشائية والتقريرية الموجزة والمكثفة، هو شكل من التماهي، ينجز، أسلوبيًا على لسان دبشليم، توازيًا مع التماهي الذي وقع على مستوى التقابل بين (الفوق) و(التحت). فعودة دبشليم من الخطاب الانفعالي ورد الفعل إلى الخطاب الحكمي، على مستوى الأسلوب، هو تجل وتجسيد لعودة دبشليم إلى صوت العقل والحوار والتماثل مع بيدبا الحكيم لتوازي القوى بين (الفوق) و(التحت) حيث تسود سلطة واحدة هي خطاب بيدبا الفيلسوف.

3. الخطاب الحجاجي: يتميز خطاب بيدبا بالوضوح والبيان، وبالتفصيل والشرح. تتداخل فيه الحكايات والأمثال والأقوال والعبر بغاية حجاجية تهدف الى الإقناع وسيلةً لإنجاز التماثل بين (الفوق) و(التحت)، إذ لا بدَّ من إغلاق دائرة الإقناع على (الفوق) لكي يسقط سلاحه السلطوي ويتبنى سلاح (التحت) كي يحصل التوازي فالتماثل.
من هذا المنطلق تتناسل الأقوال المأثورة في خطاب بيدبا، كما تتناسل الحكايات المضمَّنة، وتنجَز الحكمة، مكثفة ومفصلة أحيانًا، بلغة إخبارية مرة وبلغة إنشائية مموسقة مرة ثانية، لما لتلك الإيقاعات من وقعٍ على المستمع وقوة تأثير فيه.
ومن السؤال والجواب ينشأ جدل حجاجي لا يترك للمتلقي دبشليم سلطة غير السلطة المنجزة في الخطاب الحجاجي. ولذلك نلاحظ أن خطاب بيدبا وحده هو الذي يعاد استرجاعه بتفصيل وتأمل مرتين: الأولى في الحكاية الإطار، من خلال طلب دبشليم
يا بيدبا أعد علي كلامك كله ولا تدع منه حرفًا واحدًا. فجعل بيدبا ينثر كلامه والملك مصغ إليه[55].
والثانية من خلال الحكايات المضمنة التي سيحكيها بيدبا في كتابه فيما بعد على صورة الجدل الحجاجي؛ السؤال من قبل دبشليم والجواب من قبل بيدبا؛ أي عبر المعادلة ذاتها؛ بيدبا ينثر الكلام ودبشليم يصغي إليه.

الحكاية المضمَّنة في كليلة ودمنة

ذكرنا، سابقًا، أن القصة المضمنة هي تنويع وإبدال للقصة الإطار، تتناسل من رحمها لتكمل بناء الصورة الكلية عبر إعادة إنتاج مكوناتها السردية ومضمونها الدلالي، من دون أن تفقد خصوصيتها السردية المتموضعة في النمط والموضوع. يقول تودوروف:
إن القصة المتضمَّنة إنما هي قصة لقصة؛ فحين تحكي قصة قصة أخرى فإن الأولى تبلغ مضمونها الخفي، وتفكر في الوقت ذاته بنفسها في هذه الصورة[56].
ومن صفتي الإبدال والخصوصية تتشكل علاقة الحكاية المضمنة بالحكاية الإطار. فهي ليست نسحة أخرى منها، وإنما تتجاذب معها الأهمية بحيث لا تستطيع الحكاية المضمنة أن تلغي الحكاية الإطار والعكس صحيح. وأهمية كل منهما تنبع من رفدها الأخرى بمقومات الاكتمال؛ فالحكاية الإطار تشكل المحيط السردي الذي تنتمي إليه الحكاية المضمنة، والأخيرة تملأ الفراغ الجزئي المشكِّل، بإبدالاته، الصورة الكلية. ولكننا نبقى مع ذلك:
خارج الأصل ولا نقدر أن نفكر فيه. فالقصة المتمَّمة ليست أكثر أصالة من القصة المتمِّمة، ولا العكس. إذ كل واحدة تحيل على الأخرى وذلك في سلسلة من الانعكاسات التي لا تستطيع أن تأخذ نهاية إلا إذا أصبحت أبدية[57].

تبدأ الحكاية المضمنة في كليلة ودمنة من الصفحة الأولى بعد حصول التماثل المتكافئ بين دبشليم الملك وبيدبا الفيلسوف، حيث يضع بيدبا كتابه بناء على طلب الأول، ويقسمه إلى أبواب نوجزها بعد دمجها في حدود الحكاية المضمنة بـ14 حكاية كبرى، تتفرع منها 38 حكاية صغرى وجزئية وفرعية. فيكون مجموع الحكايات المضمنة في كليلة ودمنة 53 حكاية. نستثني من ذلك حكاية القبرة والفيل المضمَّنة داخل الحكاية الإطار؛ لأنها خارج الحكي الذي أنجزه بيدبا بعد طلب دبشليم، بالإضافة إلى أنها تشكل جزءًا من مكونات البناء السردي للحكاية الإطار. وعليه فإن الحكاية المضمنة تنجز على مستويات من التصنيف، هي:

1 - الحكاية المضمَّنة الكبرى، وعددها 14 حكاية.
الحكاية المضمنة الصغرى المتناسلة من الحكاية الكبرى، وعددها 32 حكاية.
2 - الحكاية المضمنة الجزئية المتفرعة من الصغرى، وعددها 6 حكايات.
3 - الحكاية المضمنة الفرعية المتناسلة من الحكاية الجزئية الصغرى، وهي حكاية واحدة. وفق ذلك فإن الصورة الكلية تتشكل من خمس مستويات سردية.



.../...



يتبع....
المادة 19
من الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.
رد مع اقتباس 
 
   

11-27-2010 06:01 PM
#3
نقوس المهدي 
عضو وفي



تاريخ التسجيل:
Nov 2008
المشاركات:
11,826
التفريع الحكائي وأنماط التخييل
في كليلة ودمنة
د. يوسف أحمد إسماعيل



تابع


قواعد ضبط التفرع الحكائي:

إن قواعد ضبط التفرع الحكائي هي واحدة في المستويات السردية الخمسة، وجميعها تتغذى من مكون سردي قار أنجزته الحكاية الإطار، وهو سؤال الملك دبشليم وجواب بيدبا الفيلسوف؛ أي البحث عن المعرفة. فبعد أن يحل التماثل المتكافئ – كما ذكرنا – بين الملك والفيلسوف يطلب دبشليم من بيدبا وضع كتاب كليلة ودمنة، وهو طلب مبني على الرغبة في المعرفة، وعلى طلب الحكمة من صاحبها؛ مما يستدعي طلب توضيح الغاية من ذلك الكتاب من قبل بيدبا الفيلسوف. وتوضيح الغاية يتكفل بها سؤال الملك دبشليم عن قضية من القضايا في كل جواب من أبواب الكتاب الذي ينجز حكاية من حكايات المستوى السردي الثاني. وهكذا يصبح السؤال وجوابه المحفز السردي التناسلي الذي يظهر مع كل تفريع حكائي في المستويات الأربعة بعد أن تشكله الحكاية الإطار مكونًا سرديًا محفزًا.
في المستوى السردي الثاني يطرح الملك دبشليم 14 سؤالاً، ويوجز بيدبا الجواب بحكمة أو قول أو نصيحة. ثم يبدأ بسرد الحكاية المضمنة الكبرى. ووصفناها بالكبرى لأنها تشكل حكاية إطارية من الدرجة الثانية، تتفرع منها حكايات المستوى السردي الثالث. فتسع حكايات منها – ذكرنا أن عددها 14 حكاية – تتفرع إلى حكايات صغرى في المستوى السردي الثاني، وكذا في بقية المستويات السردية. ونمثل لذلك بحكاية الحمامة المطوقة[58] في المستوى السردي الأول، لتفرعها حكائيًا في المستويات السردية الأربعة بعد الخروج من الحكاية الإطار.
نسجل بدايةً الحافز السردي (السؤال) في المستويات السردية الأربعة للحكاية ثم نحلله:
1. قال الملك دبشليم لبيدبا الفيلسوف:
حدثني، إن رأيت، عن إخوان الصفاء، كيف يبتدئ تواصلهم ويستمتع بعضهم ببعض... قال الفيلسوف: إن العاقل لا يَعدل بالإخوان شيئًا. فالإخوان هم الأعوان على الخير كله، والمؤاسون عندما ينوب من المكروه. ومن أمثال ذلك مثل الحمامة المطوقة والجرذ والظبي والغراب، قال الملك: وكيف كان ذلك؟ قال بيدبا: زعموا أنه كان...[59]
2. قالت السلحفاة للغراب: "ما ساقك إلى هذه الأرض؟"[60]. السؤال يمهد لسرد حكاية المستوى السردي الثالث، حكاية الجرذ والناسك[61].
3. قال الضيف للناسك: "لقد ذكرتني قول الذي قال: لأمرٍ ما باعت هذه المرأة سمسمًا مقشورًا. قال الناسك: وكيف كان ذلك"[62] السؤال يمهد لسرد حكاية المستوى السردي الرابع، حكاية المرأة والسمسم[63].
4. قال الرجل لزوجته: "لا تندمي على شيء أطعمناه وأنفقناه، فإن الجمع والادخار ربما كانت عاقبته كعاقبة الذئب. قالت المرأة: وكيف كان ذلك"[64]. السؤال يمهد لسرد حكاية المستوى السردي الخامس، حكاية الذئب ووتر القوس[65].
نشير أولاً إلى حضور وحدة قارة متكررة في تلك المحفزات، وهي السؤال المختصر: "وكيف كان ذلك؟" أي السؤال الذي يقتضي جوابًا أو تفرعًا حكائيًا، باعتبار أن الجواب الذي أنجزه بيدبا في بداية السرد كان حكائيًا.
بعد ذلك يظهر الاختلاف في المحفزات السردية. ففي الحكاية الإطار حكاية دبشليم الملك وبيدبا الفيلسوف ينتهي الصراع إلى فضول دبشليم في المعرفة. وتفرض طبيعة هذا الفضول على الفيلسوف الإفاضة في الشرح، كما يقتضي إقناع دبشليم بحسن سياسة الرعية من بيدبا أيضًا الشرح والتفصيل. وتتطلب الإفاضة والشرح والتفصيل، إلى جانب الرغبة في الإقناع، الإثبات والبرهان عبر الحكمة والحكاية والقول والتفسير. وهذا بمجمله يثير في نفس دبشليم أسئلة لامتناهية لعدم تناهي المعرفة، وإن كان كتاب كليلة ودمنة قد حصرها في 14 سؤالاً، يفرض على بيدبا سرد حكاية مضمنة كبرى تتضمن تفرعًا حكائيًا إلى حكايات صغرى. وذلك إلى جانب التعليق والشرح وإيراد الأقوال والأمثال؛ بخاصة أن سؤال دبشليم الملك، كما نلاحظ في المحفز رقم 1، لا ينجز سؤالاً مختصرًا عن أمر محدد وضيق، أو عن واقعة صغيرة تحدد حجم السرد، وإنما يشير إلى الرغبة في الإصغاء من قبل دبشليم الملك إلى حديث مطول في قضية كبرى، فيستعمل الفعل "حدثني"، و"حدث"، لغةً، تمتلك خواص الجديد والمبتدع والمسامرة[66] وتثير في الذهن مخزون الإرث الشفوي وما فيه من أسئلة تطالب الراوي بسرد حكاية عجيبة وغريبة.
ولكن السؤال يبقى ذا محدودية في حجم ما يتطلبه من سرد على الرغم من ذلك، قياسًا بالطلب المركزي في الحكاية الإطار؛ لأنه يتضمن سؤالاً تناسليًا غير منته إلا بانتهاء القضايا التي يمكن أن تطرح، وهذه مسألة غير متناهية، ولكن ابن المقفع حددها بكتاب فيه 14 سؤالاً وجوابًا.
ثم تتلاشى محدودية السؤال قياسًا بسؤال المستوى السردي الثالث على لسان السلحفاة للغراب وما ساقه إلى هذه الأرض. الإجابة هنا منوطة بالدوافع المحركة لانتقال الغراب، فنلاحظ محدودية الواقعة وإمكانية انفتاحها على أكثر من حكاية في الوقت نفسه، وإن اُنجزتْ ستكون مرتبطة بالسمة الأولى، أي المحدودية. ولذلك فإن حكاية الجرذ والناسك قابلة للتفرع الحكائي والانفتاح على المستوى السردي الرابع. وهذا ما يكون مع المحفز السردي الثالث حول لماذا باعت المرأة سمسمًا مقشورًا بغير مقشور. والسؤال هنا، بمكوناته الدلالية المحددة، يضيق السرد، بل يكاد يوقف التفرع الحكائي لولا الطبيعة التوالدية الفائقة للحكاية الشعبية التي أنجزت حكاية الذئب ووتر القوس في المستوى السردي الخامس، عبر حالة التداعي الداخلي. وإذا توقف التداعي توقف السرد، كما نلاحظ في الحكايات غير المتفرعة في المستوى السردي التالي لمستواها.
إن تكرار السؤال: "وكيف كان ذلك؟" الذي أطلقه دبشليم على بيدبا بصورة واسعة في الحكاية الإطار عبر طلبه المتمثل في وضع الكتاب، أو عبر أسئلة مباشرة في حكايات المستوى السردي الثاني، إن تكرار السؤال كان أول صور التحفيز على التنويع والإبدال، من خلال الحكاية المضمنة، بوصفهما وظيفتين مركزيتين في الحكاية المفرَّعة؛ لأن تكرار السؤال يعني أن بيدبا لم ينجز بعد مهمته أمام الملك دبشليم، بوصفه المروي له الأول. كما أن بيدبا لم ينجز بعد مهمته أيضًا أمام المتلقي خارج النصي بوصفه المروي له غير المتناهي وباعتباره الغاية القصوى من البيان بصورته الكلية.
وبذلك لا يكون السؤال "وكيف كان ذلك؟" مجرد عبارة تدرج الوظائف في السياق الحكائي، كما يرى البعض إذ يقول: "غالبًا ما تدرج [...] الوظائف في السياق الحكائي بعبارات من قبيل: وكيف كان ذلك؟"[67]. و إنما هي صيغة سردية وبنية محفِّزة تؤكد على وظيفتي التنويع والإبدال وتندرج عميقًا في البناء السردي لتمثل الصورة الكلية لنمط الحكاية المتفرعة. وهي، بنيويًا، أشمل من الوظائف الفرعية المنوطة بالتسلية والعبرة[68] أو تفسير السببية الحكائية. كذلك هي في بيان بيدبا، باعتباره نصًا تنجِز دلالتُه تحفيزًا للبحث عن المعرفة، وتولد بنيته تفرعًا حكائيًا غير منتهٍ.
ويؤكد هذا الدور البنيوي للسؤال، على مستوى البناء السردي، والدور المعرفي، على مستوى الدلالة، ما تقدمه الحكاية المضمَّنة، على مستوى التنويع والإبدال، من تنوُّع لمركزية الجدل أو العقل في بيان بيدبا عبر هيمنة إبدالات متنوعة، مثل "الحيلة" و"الحوار" وكل ما يفضي إلى انتصار العقل بدلالته. ويمثَّل ذلك بشكل جلي في حكايات المستوى السردي الثاني (انظر جدول المستويات السردية) المتناسل مباشرة من الحكاية الإطار؛ ففيه 14 سؤالاً يطلب الحكمة من بيدبا الفيلسوف، باستثناء ثلاث حكايات هي حكاية الملك والطير فنزة والناسك والضيف والحمامة والثعلب يستهلها بيدبا بالحكمة ثم يتبعها بسرد الحكاية. كما أن الحكايات جميعها تمجد دورًا للعقل والحكمة في التصرف والتدبر، فتنتصرلصاحب العقل وتهزم من يلغيه في تدبر شؤونه. ونمثل لتلك الدلالة بحكاية ابن الملك وابن الشريف وابن التاجر وابن الأكار[69] ففيها جماع أفرع الحكمة في التصرف على اختلاف الآراء والبيئة والفئة.

تنقسم الحكاية إلى ثلاثة أقسام:
1. السؤال: ينجَز على مستويين من قبل دبشليم الملك. في المستوى الأول يطلب حديثًا مفصَّلاً عن دور العقل في حياة الإنسان. وفي الثاني يوجز القول: "وكيف كان ذلك؟" طلبًا للحكاية.
2. جواب دبشليم: حكمة موجزة، ينجز فيها الدلالة مجردة من التشخيص.
3. نص الحكاية: زعموا أن...
ينهض (1) و(2) بإنجاز المحفز القار في الحكاية الإطار، وتتكفل (3) بالشرح والتفصيل والتشخيص. ولا ننسى أن السؤال كان عن دور العقل في حياة الإنسان؛ ولذلك مثل بيدبا بأربعة آراء من خلال أربعة مواقع اجتماعية:
1. ابن الملك: مؤمن بالقضاء والقدر، ولا يعني ذلك نفيه عن الآخرين، أو نفي دور العقل من إيمان ابن الملك.
2. ابن التاجر: مؤمن بأن العقل أفضل شيء.
3. ابن الأكَّار: يؤمن بأن الاجتهاد في العمل أفضل شيء.
4. ابن الشريف: يؤمن أن الجمال أفضل ما ذكر.
حين يبحث كل من الأربعة عن رزقه، يتمايز الأشخاص وفق ما جنوه، ويكون الترتيب على الشكل الآتي:
1. ابن الملك = القضاء والقدر.
2. ابن التاجر = العقل.
3. ابن الشريف = الجمال.
4. ابن الأكار = الاجتهاد في العمل.
إن الاختيارات الأربعة هي جماع ما يمكن أن يعتمد عليه الإنسان في حياته. وهذا يعني أن على الفرد أن يأخذ بها جميعًا؛ إذ لا يمكن الاستغناء عن اعتقاد من ذلك باعتباره خيارًا مذمومًا، فكل خيار من الخيارات (1، 3، 4) هو رديف العقل وإبدال له. فالإيمان بالقضاء والقدر ركيزة العاقل في إيمانه، والإيمان سمة العاقل، ولذلك قال الشيخ لابن الملك بعد تنصيبه ملكًا: "الذي بلغ بك ذلك وفور عقلك وحسن ظنك". وذلك يعني أن صاحب العقل كان صاحب الحظ الأوفر في الجني. وذلك بعد أن تماثل ابن الملك وابن التاجر في المحصلة، فقد أصبح ابن الملك ملكًا وابن التاجر وزيرًا له. وأما الجمال فهو حسن الحضور باعتباره معادلاً للحسن المعنوي. ونقيضه القبح المذموم، وهو معادل للقبح الداخلي كما تعكسه الحكايات الشعبية[70]. والاجتهاد صنو العاقل؛ لأن العاقل المؤمن لا يتكاسل ولا يتوانى عن الجد والعمل. بل إن العمل والإيمان علامتان للنجاح. فالخصال الثلاث: الإيمان بالقضاء والقدر والاجتهاد والجمال إبدالات للعقل، تتضافر معه لتشكل الكينونة الاجتماعية المثلى للإنسان.
إن الصراع بين الملك دبشليم وبيدبا الفيلسوف هو، في عمقه الدلالي، صراع بين الإصلاح والفساد، وبين التعاون والتفرقة، وبين المشورة وحسن التدبير والدفاع عن الحق من جهة والتفرد في الرأي والظلم من جهة أخرى، وبين الوفاء والغدر، وبين الغضب والحلم، وبين إعمال العقل وتعطيله... كل تلك ثنائيات تقابلية تشكل تنويعات وإبدالات لمركزية الصراع في الحكاية الإطار تنجزها الحكاية المضمنة.
وقد لا نجد في جميع الحكايات المضمنة صراعًا ينهض على ثنائية تقابلية مشخصة، كما في الحكاية الإطار؛ لأن التشخيص ليس غاية بحد ذاته في بيان بيدبا، وإنما وسيلة تخييلية لإنجاز البنية الدلالية القارة في الخطاب. وعليه يمكن أن ننزع التشخيص من الحكاية لننجز إبدالاً مستورًا للصراع بين دبشليم وبيدبا، طرفاه على الشكل الآتي:

= جدول التنويع والإبدال للثنائيات التقابلية

الطرف الأول: ما يمثله دبشليم من قيم سلبية
- صور التنويع والإبدال
- التجبر، التسلط، تعطيل العقل، الغدر، الإنكار، العنف، الاستصغار، البطش

= الطرف الثاني: ما يمثله بيدبا من قيم إيجابية
- العقل، المشورة، الحكمة، الجدل، الإقناع، الوفاء، الإحسان، الانتصار للحق، المبادرة، تحمَّل المسؤولية، المواجهة، مقاومة الظلم.

إن تجريد الثنائيات التقابلية عن تشخصاتها التخييلية لا يعود إلى افتقاد بعض الحكايات إلى التشخيص التقابلي، وإنما لإنجاز وظيفة ثنائية للحكاية المضمنة. الأولى هي إكمال الصورة الكلية في الحكاية الإطار "أي توالد الأفكار وإخصابها عبر الأصول والفروع"[71] وهو إكمال على المستوى الدلالي – وهذا ما لاحظناه في تنويعات الجدول السابق – والثانية هي نمو خصوصية الحكاية المضمنة، وذلك من سياقها الحكائي وموضوعاتها وأنماطها
إن الحكايات الفرع ليست بالضرورة من نفس نوع الحكايات الأصل، كما أنها لا تشابه فيما بينها؛ فقد تكون الأولى عجيبة بينما الثانية خرافية أو شطارية[72] مما يخرق أي مخطط لاستبطان التداعي الصوري في نظامه المجازي، كما يعطل أي استقراء لوجه الامتداد الأسلوبي بين الأصل والفرع، ويحصر التعدي في نطاق المضامين[73].

دوال النظم والأنماط التخييلية:

لم يتفق المؤرخون والنقاد العرب، القدماء والمعاصرون، على تحديد دلالة المصطلحات المرتبطة بالحكاية، مثل "الحكاية الشعبية، والحكاية الخرافية، والحكاية السحرية، والحكاية العجيبة، وحكاية الجان... إلخ" فقد استخدموا جميع هذه المصطلحات من دون الدلالة على النمط.
وقديمًا، وتحديدًا في القرن الثاني الهجري حين بدأ السرد يفارق مكونه الدلالي الاعتباري الديني، نشأ قصٌّ من رحمه لا يهتم بالدقة الموضوعية وصحة الخبر وصدقه[74] وبقي الجذر اللغوي لكلمة "خرافة"، يضاف الى ذلك التناول الديني للمصطلح، يحدد ماهية الحكاية عند النقاد المعاصرين. وهذا ما نقرؤه عند بطرس البستاني إذ يقول:
إن الخرافة تدل على اعتقاد أمور منافية للدين الصحيح [وإن كل خرافة] تستلزم فساد التصورات في الأمور الدينية، وإن الخرافة تنشأ من أوهام وتصورات باطلة[75].
ولأن الأوهام والتسلية خارج نطاق الاعتبار، تُنجَز الحكاية في فضاء مظلم، ويكون الليل موطن الخرافة[76]. ولكن ذلك لا يحدد أنواع السرد الحكائي وأنماطه، فتبقى بذلك مفارقة الحكي للقيمة الاعتبارية مجالاً لتحديد فضاءات القص من دون تحديد الأنماط. فنرى تسميات عدة لدلالة واحدة. ومن ذلك أن تحديد النمط القائم على الخارق تتجاذبه مجموعة من التسميات؛ فنبيلة إبراهيم وعز الدين إسماعيل وعبد الملك مرتاض يسمونه بـ"الحكاية الخرافية"[77] ويسميه التكريتي بـ"الحكاية السحرية"[78] ويسميه عبد الحميد يونس بـ"حكاية الجان"[79]. بينما يربط آخرون بين الحكاية الخرافية والحيوان. فابن النديم يختم الفن الأول من كتابه الفهرست بقوله: " كانت الأسمار والخرافات على ألسنة الحيوان وغيره"[80]. فيقرن الخرافاتِ والأسمار بالحيوان، وإن لم يحددها به فقط. في حين نجد محمد رجب النجار يقرنها ويحددها بالاسم، فيقول: "حكايات الحيوان في التراث العربي"[81] في حين يربط صاحب بيان شهرزاد بين الخرافة والحيوان "نقصد بالخرافة [...] حكاية الحيوان"[82].
هذا التباين في تحديد المصطلح لم يطل النقد العربي، بل أيضًا النقد الأجنبي. ففي تمييز فون دير لاين للحكاية الشعبية من الحكاية الخرافية لا يخرج بنتيجة واضحة تحدد النمط، وإنما بآراء انطباعية لا تقوم على تحديد المكونات السردية. يقول: إن الحكاية الخرافية
ذات بعد واحد، وأنها مسطحة، ذات أسلوب تجريدي، وأن الباعث منعزل عنها، كما أنها لا تتضمن أي موضوع نفسي. الحكاية الخرافية لا ترتبط بالآلهة والأرواح العلوية بالطريقة التي ترتبط بها الحكاية الشعبية. إن الحكاية الشعبية تعرف كائنات العالم الآخر من شياطين ومردة وسحرة إلى غير ذلك وباستطاعة الإنسان فيها أن يتصل بشخوص العالم الآخر. في حين أن الأمر في الحكاية الخرافية على خلاف ذلك، فهي، وإن كانت تحكي كذلك عن المردة والسحرة والأقزام فإنها لا تنشئ علاقة مع عالمنا الممكن إدراكه، إذ إنها ذات بعد واحد. وهي كذلك لا تعرف التركيب المنطقي الدقيق، كما أن شخوصها غير منسجمة، وبلا عالم داخلي أو خارجي، بل ينقصها كذلك عالم المشاعر، حتى العنصر الزمني لا تعرفه الحكاية الخرافية. كما أن الحكاية الخرافية لا تتحمل أي تصوير وزخرفة أو تعليق ينتشر في أثنائها، وكلما ازداد سرد الحكاية الخرافية وضوحًا كان ذلك ضمانًا لوصولها الى هدفها وتأكيدًا لأصالتها[83].
لعل سببب ذلك التباين وعدم التحديد الدقيق يعود إلى تداخل الأنماط الحكائية في كثير من الحكايات أولاً، وإلى مفارقتها المنطقي والموضوعي ثانيًا، وإلى تحميل بعض الكائنات الحيوانية الطاقة الرمزية لمقابلها الإنساني ثالثًا، وإلى غياب الدراسات العلمية المتخصصة التي تبحث في المكونات السردية لكل نمط من الأنماط الحكائية رابعًا.
وكان من نتائج ذلك أن الدارسين للحكاية صنفوها وفق ملاحظاتهم الانطباعية؛ فكان من قال بـ " حكاية الحيوان" لهيمنة الشخوص الحيوانية، ومن قال بـ " الحكاية الخرافية" ويقصد حكاية الحيوان لتحميل الحيوان قدرة خارج طبيعته الحيوانية كالحكمة، ومن قال بـ" الحكاية الخرافية" أو " العجيبة" أو " الخارقة" لمفارقتها الممكن والمنطقي... إلخ.
ويمكن الخروج من ذلك، كما نرى، إلى تصنيف ثلاثي:
1. الحكاية الشعبية: وتمثل العنوان العام لكل الأصناف والأنماط الحكائية لارتباطها بالعامة من دون أن تشير إلى نمط محدد، كما جاء في تصنيف شوقي عبد الحكيم[84].
2. الحكاية الشعبية الخرافية: تتكون شخوصها من الإنسان والحيوان، أو من الإنسان والحيوان والجن والعفاريت، وكل الكائنات التي تخرج في نطاق حركتها عن الواقعي والممكن، وضمن إطار النوع.
3. الحكاية الشعبية الواقعية: تتكون شخوصها من الإنسان. وتتشكل دائرة حركتها ضمن حدود الطاقة البشرية، وترتبط بما هو واقعي وممكن. وتهتم بالقضايا اليومية لحياة البشر.
إن الغاية من هذا العرض الموجز لمسألة تصنيف الحكاية الشعبية الدخول إلى تصنيف الحكاية المضمنة في كتاب كليلة ودمنة، باعتبار أن خصوصيتها تتشكل من نموها الداخلي، على مستوى الموضوعات المفارقة لموضوع الحكاية الإطار، وعلى مستوى النمط أيضًا. فالحكاية الإطار تبحث في موضوع ظلم دبشليم لرعيته، وعمل بيدبا على تقديم النصيحة له؛ أي إنها من حيث تصنيفنا السابق حكاية شعبية واقعية؛ شخوصها من البشر، وحركتهم تدور ضمن الواقعي والممكن، ولا توجد فيها مفارقات خارقة. أما الحكاية المضمنة المتناسلة من الحكاية الإطار، فهي، وإن كانت كما ذكرنا تنويعًا وإبدالاً على مستوى المضمون للحكاية الإطار، فإنها مختلفة عنها على مستوى الموضوع والنمط، وسنلاحظ ذلك في هذا التصنيف للحكاية المضمنة في كتاب كليلة ودمنة:
1. حكاية شعبية خرافية. العدد 32 حكاية.
2. حكاية شعبية واقعية. العدد 20 حكاية.
تهيمن الحكاية الشعبية الخرافية على الحكاية المضمنة في كتاب كليلة ودمنة. وهذا التناسل النمطي غير مرتبط بنمط الحكاية الإطار في المستوى السردي الأول، كما أنه غير مرتبط بالحكاية المضمنة الكبرى (الحكاية الإطار في الدرجة الثانية) في المستوى السردي الثاني أيضًا، أو أي مستوى سردي تناسلي آخر.

النمط الواقعي (بلاغة الممكن)

نعرف الحكاية المضمنة في النمط الواقعي بأنها وحدة سردية مستقلة بذاتها، تجسد فعلاً أو حادثًا ما، تنجزه شخصيات تتحرك ضمن الفعل الممكن باختلاف أشكال التنظيم، إن كانت بسيطة أو مركبة، وباختلاف أطوال الوحدات السردية؛ لأنها جميعا تُنجِز وظيفة أو وظائف إبدالية للحكاية الإطار.
ولتحليل تلك الوحدات السردية سوف نستعين بما طورته المدرسة البنيوية للنقد الأدبي في مجال الأبنية السردية[85] من حيث فعل الحكاية، والعمل على فحصها داخليًا ووظيفيًا، لكي نبتعد عن التقديرات الذاتية والمسائل البلاغية والتوصيف الشكلي. ومن أجل الوصول إلى دراسة نسقية نقرأ الحكاية المضمنة بوصفها وحدة مستقلة ووحدة كلية مع مجموع نص كليلة ودمنة في إطار التنويع والإبدال.
ووفقًا لتلك الغاية، علينا القيام باختيار وتكييف الأساليب المنهجية المعاصرة وفقًا لخصوصية الحكاية التي نريد تحليلها ووضعناها تحت بند "النمط الواقعي – بلاغة الممكن" ولكي نطبق تلك المفاهيم المنهجية على النمط الواقعي في حكايات كليلة ودمنة سيكون من الضروري ملاحظة أن حكايات ذلك النمط تعرض مجموعة من الحوادث، ولكنها تتضمن وظيفة واحدة، وفي أقصاها ثلاث وظائف، إلا أن كل وظيفة تأخذ دلالتها من السياق الحكائي الخاص بها.
وقد سمح تماثل الوظائف ومحدوديتها بتصنيف الحكايات في فئتين وظيفيتين كبيرتين، يمكن تشعبهما داخليًا، وهما: حكايات الاعتلال القيمي وحكايات الإيجاب القيمي.

1. حكايات الاعتلال القيمي:
تمثل حكايات الاعتلال القيمي الدال على النقص والاختلال في السلوك الإنساني 10 حكايات من أصل 15 حكاية، أي مايعادل 69% من مجموع حكايات النمط الواقعي. ويمكن إدراجها تحت ثلاث وحدات وظيفية، هي 6 حكايات في السرقة، و3 حكايات في مكر المرأة، وحكاية واحدة في التواكل. وكل حكاية تحكي وظيفة أو أكثر. وسوف نمثل لذلك بحكايتين، هما حكاية الخب[86] والمغفل[87] وحكاية المرأة والمصور والعبد[88].
تقول حكاية الخب والمغفل: وجد المغفل والخب كيسًا من المال وقررا دفنه تحت شجرة في الطريق، ثم يعودان إليه سوية عندما يحتاجان إلى شيء من المال. ولكن الخب عاد وحده فيما بعد وأخذ الدنانير كلها. وجاء المغفل بعد ذلك إلى الخب، وقال له: احتجت إلى نفقة فانطلقْ بنا إلى مكان الدنانير لنأخذ منها حاجتنا، فذهب معه الخب. وحين حفرا تحت الشجرة لم يجدا المال، فاتَّهم الخب المغفل بسرقة المال في غيابه، فأنكر المغفل ذلك وحلف الأيمان، ولكن الخب أصر على اتهامه، ورفع الخلاف إلى القاضي. وكان الخب قد اتفق مع والده على الاختباء في الشجرة لكي يجيب عن سؤال القاضي بدلاً من الشجرة عن سرقة المال. ولكن القاضي حين حضر، وسأل الشجرة شك، وقرر حرقها لقطع الشك باليقيم، فخرج والد الخب مذعورًا واعترف بخديعة ولده وسرقته.
لا تحدد الحكاية سمات شخصية الفاعل بغير السمات العامة لمواصفات الفعل الذي ينجزه. فالخب هو الغشاش والمخادع؛ وهي إبدالات لمظاهر النقص في سلوك الإنسان يقابله المخدوع والمغفل. أي إن الحكاية تُنجَز من خلال حضور قطبين في السلوك، هما الخادع والمخدوع، ولا بد من حضورهما لتحقيق الاعتلال القيمي. غير أن تناقضهما وظيفيًا لا يعني إكسابهما سمتين متناقضتين: سلبية (الخب) وإيجابية (المغفل)؛ لأن صفة الغفلة ليست إيجابية، ولكنها في الوقت نفسه تفتح المجال للخب لمارسة غشه وخداعه. والقطبان يحققان بذلك شرط حضور الاعتلال في السلوك الاجتماعي. إلا أن هذه الوظيفة لا تأخذ أهميتها في صورة السرد الكلي للنمط الواقعي إلا من خلال تكرارها الوظيفي عبر حكايات الاعتلال بصور متباينة ودلالات مختلفة، وضمن السياق الحكائي. وهي في الوقت ذاته تقدم، على مستوى البناء الداخلي، أكثر من وظيفة؛ فالفعل الواقع في الحكاية منجز على ثلاثة مستويات وظيفية:
1. خيانة الشراكة التجارية.
2. خيانة الأمانة.
3. السرقة.
تقول حكاية المرأة والمصور والعبد: كان هناك تاجر لديه خازن مال، وكان بجانب دكان التاجر مصور ماهر هو صديق الخازن. فاتفق المصور والخازن على سرقة التاجر بالحيلة؛ وهي أن يلبس المصور ملاءة امرأة ويمر في الظلام بجانب كوة من المخزن تطل على الطريق، فإذا رآه الخازن رمى له بشيء من البضاعة المخزنة. وهكذا تتكرر السرقة في كل ليلة إلى أن رآهما يومًا صديق خادم المصور، فطلب منه الملاءة، وقام بتجربة ما رآه، فاكتشف السرقة.
كذلك لا نجد في الحكاية سمات نوعية محددة للشخصيات، وإنما سمات مهنية توطئ للوظيفة أو الفعل الذي سينجزه السرد؛ التاجر = المال. الخازن = الأمانة على المال. المصور = الاحتيال. فأركان الفعل تتحقق عبر التوطئة لحدوث الاعتلال القيمي، عبر أكثر من وحدة وظيفية تقدمها الحكاية، ويمكن رصدها في وظيفتين:
1. خيانة الشراكة التجارية.
2. السرقة.
وهما وظيفتان إبداليتان لـ"1" و"2" في الحكاية الأولى. يضاف إلى ذلك حضور وسائل جوهرية واحدة للبناء الوظيفي في الحكايتين، تتكرر في حكايات الاعتلال القيمي بشكل عام، وتتمثل في الحيلة واكتشاف فعل النقيصة (اليقظة).
ففي حكاية الخب والمغفل يلجأ الخب إلى الحيلة مرتين: الأولى حين يرفض اقتسام المال بحجة حرصه على قيم الشراكة، والثانية حين يقنع والده بالتواري داخل الشجرة. وفي الحكاية الثانية المرأة والمصور والعبد تهيمن الحيلة على النص، ولكنها لا تشكل وحدة وظيفية، وإنما تبقى في إطار الوسيلة للبناء الحكائي عبر شخصية المصور بوصفه "المحرك للفعل" وفق تصنيف بريمون[89] ولذلك فهو مصور ماهر لاحظ وجود كوة في جدار المخزن، كما أنه أوجد حيلة "ملاءة" المرأة.
ولأن الانتصار للقيمة وليس لاعتلالها تُكتشَف السرقة في الحكايتين؛ مرة بحضور القاضي اليقظ، ومرة بحضور صديق خادم المصور اليقظ أيضًا. والشخصان يحملان صفة تقع على نقيض الاعتلال القيمي، مما يحيل النص الحكائي بشكل عام، ومرة ثانية، إلى ثنائية تقابلية أخرى تتشكل من طرفين: السارق↔الأمين. أو إبدالهما: الاعتلال↔الإيجاب. أو الخطأ↔الصواب.

3. حكايات الإيجاب القيمي:
تمثل حكايات الإيجاب القيمي في النمط الواقعي خمس حكايات، أي بنسبة 34% من مجموع حكايات النمط. ويمكن تصنيفها في فئتين وظيفيتين:
1. حكايات الحكمة وإبدالاتها في المشورة والتدبر وإعمال العقل والخضوع للمنطق.
2. حكاية القدر عبر إبدالاته الوظيفية في الإيمان به سمةً من سمات العقل.
ونمثل لذلك بحكايتين: حكاية التاجر وبنيه[90] وحكاية إيلاذ وبلاذ وإيراخت[91].
تقول حكاية التاجر وبنيه إنه كان بأرض دستاوند رجل شيخ له ثلاثة بنين، فلما بلغوا أشدهم أسرفوا في مال أبيهم، ولم يكونوا قد احترفوا حرفة يكسبون منها لأنفسهم خيرًا، فلامهم أبوهم ووعظهم على سوء فعلهم. وكان من قوله لهم: يا بنيَّ إن صاحب الدنيا يطلب ثلاثة أمور لن يدركها إلا بأربعة أشياء أما الثلاثة التي يطلب: فالسعة في الرزق، والمنزلة بين الناس، والزاد للآخرة. أما الأربعة التي يحتاج إليها، فهي اكتساب المال من أحسن وجه يكون، ثم حسن القيام على ما اكتسب منه، ثم إنفاقه فيما يصلح المعيشة ويرضي الأهل والإخوان، فيعود عليه نفعه في الآخرة. فاتعظ الأبناء من قول أبيهم وعملوا به.
لا حدود أو سمات تبين شخصيات الحكاية. والعبارة الوصفية في " رجل شيخ" هي سمة توطئ للفعل أو الوظيفة المتمحورة في الحكاية. فالرجل الشيخ يمتلك خبرة الحياة بحكم سنه، وبالتالي فهو يوجز الحكمة في السلوك الإنساني. أما متلقو الحكمة فلا توجد علامة ما تدل على شخصياتهم سوى أنهم أبناء الشيخ الحكيم، مما يبين أن العلاقة بين الطرفين (الحكيم × غير الحكيم، أو الشيخ الكبير الخبير × الابن الصغير المفتقر إلى الخبرة) هي التي ستخلق فضاء الوظيفة-الحكمة، من خلال المساحة التي تباعد بينهما؛ وهي مساحة التجربة التي أدى افتقادها عند الأبناء إلى الإسراف في المال، وأدى حضورها عند الشيخ إلى توليد الحكمة المنجزة نظريًا بوصفها خطابًا مهيمنًا بتفصيلاته على النص الحكائي.
تقول حكاية إيلاذ وبلاذ وإيراخت كان في قديم الزمان ملك يدعى بلاذ وله وزير يدعى إيلاذ كان متعبدًا ناسكًا. نام ذات ليلة فرأى في منامه ثمانية أحلام أفزعته، هي: 1. سمكتان حمراوان قائمتان على ذنبيهما. 2. وزتان طائرتان من خلف ظهره. 3. حية تدب على رجله اليسرى. 4. دم خُضِّب به جسدُه. 5. غسل جسده بالماء. 6. وقف على جبل أبيض.7. على رأسه شيء شبيه بالنار. 8. طائر ضرب رأسه بمنقاره. استيقظ الملك فزعًا، فجمع نسَّاك البراهمة ليفسروا له رؤياه. وكان البراهمة يكرهونه. فطلبوا منه التخلص من أصدقائه وزوجته وابنه لكي ينجو بنفسه، كما تقول الرؤيا، حسب تفسيرهم. فاغتمَّ الملك لذلك، ولكن زوجته نصحته بسؤال كباريون الحكيم. فامتثل لرأيها، وجاء له كباريون بتفسير مخالف يحمل في طياته الخير والاطمئنان وبعد سبعة أيام جاءت البشائر بقدوم رسل الملوك محملين بالهدايا مؤكدين صحة تفسير كباريون.
على الرغم من أنها حكاية "حلمية"[92] وفيها العبارة الموطئة للحلم: "نام الملك ذات ليلة فرأى في منامه" ثم حضور الحلم وتفسيره، إلا أن الحُلُم ليس هو الوظيفة التي تريد الحكاية إنجازها، وإنما "الحِلْم" بكسر الحاء وتسكين اللام؛ أي الحكمة في التصرف، فلولاها لقضى الملك على المخلصين له، وتغلب عليه أعداؤه. غير أن صبره وتدبره وتفكيره في العاقبة أهدوه إلى شاطئ النجاة على يد الحكيم المخلص ذي العلم الواسع.
تنجز الحكايتان، إذًا، وظيفة واحدة عبر أحداث مختلفة، ولكن بحضور الرجل الحكيم في كلتيهما. "الرجل الشيخ" في الأولى، و"كباريون" في الثانية. في الأولى هيمنت خبرة الشيخ على الحكاية وفي الثانية هيمنت أيضًا خبرة كباريون الحكيم، فأصبح العنصر المشترك هو الحكمة بإبدالاتها وتنوعاتها (الخبرة، العلم، العقل... إلخ).
بقي أن نشير إلى أن حكايات "النمط الواقعي – بلاغة الممكن" تنجز بلاغتها من واقع الحياة اليومية وتفاصيلها في السلوك الإنساني بذلك تشكل حكايات الإيجاب القيمي في النمط الواقعي الطرف الآخر في ثنائية التقابل للصورة الإيجابية في الحكاية الإطار، بعد




توقيع ( mohi )
يارب .هئ فسحــــــــةً للعمر كي يرتاح من عطش التجارب...
من غبار البحث في الأحداق.... والأسباب..


(مواضيع مشابهة)

  لسانيات النص والمتلقي ل أ . د . عبد الجليل غزالة

  محمد شكري: السرقة مشروعة في عشيرة اللصوص! دانييل روندو

  ميمي احمد قدري بين الشعر والقصة.. بقلم وجدان عبدالعزيز

  محمود درويش قصيدة الحبّ والنداء الملحميّ ل صبحي حديدي

  حوار مع الشاعر الإيطالي إميليو بيكُّلو: لا جدوى من الشعر لكنه يستطيع تكثيف غبطتنا بالوجود

رد : كليلة ودمنة وخطاب التأويل ل د. يوسف أحمد اسماعيل
mohi
مدير الموقع

غير متصل حالياً
رقم العضوية : 1
عدد المشاركات : 1270
تاريخ التسجيل :
الخميس 23-09-2010
 
مراسلة الموقع الشخصي

 حرر في السبت 12-03-2011 11:18 صباحا || رقم المشاركة : 580  



كليلة ودمنة
وخطاب التأويل
د . يوسف أحمد إسماعيل



مما لاشك فيه أن كتاب كليلة ودمنة هو أحد الكتب التي حظيت بالانتشار وديمومة التلقي والقراءة عبر توالي العصور ، مثله مثل المقامات الرائدة ( مقامات الهمذاني والحريري ) وألف ليلة وليلة ورسالة الغفران والحكايات الشعبية .
إن هذه النصوص الأدبية تجاوزت كينونتها الزمانية والمكانية إلى فضاء إنساني رحب تعالى على الخصوصية الضيقة . ولكل نص من تلك النصوص سماته التي عززت انتشاره وديمومته عبر التلقي المتنامي . إلا أن ذلك لا يعني ، بالضرورة ، تنوعا في أشكال تلقيها ، و إن تعددت القراءات ؛ لأن القراءة الغنية والمتنوعة مرتبطة بنوعية القارئ وموسوعته الثقافية وخلفياته النصية والأدوات المنهجية التي يتسلح بها ، وليس بالموضوع المتلقى فقط. وفي أشكال تلقي كليلة ودمنة ، موضوع بحثنا ما يوضح ذلك .
نشير بدءا إلى أن ديمومة تلقي كتاب كليلة ودمنة ، وحضوره المتعالي يرجع إلى مجموعة من الخصائص نجملها بما يلي :
1 ـ يرتبط الكتاب بالحكاية الشعبية ، و إن ظهر مكتوبا لدى العرب في القرن الثاني ا لهجري . لأن الحكاية المضمنة فيه هي تراث إنساني تمتد جذوره في الثقافة الإنسانية الفولكلورية الهندية واليونانية والفارسية والعربية . وهذه الخاصية تثير الجدل بشكل دائم حول جذورالحكاية المضمنة وأصولها ومؤلفها ومدلولاتها .
2ـ يعد كتاب كليلة ودمنة من النصوص المركبة ، فتنظيمه قائم على الاستطراد من حكاية إلى أخرى عبر التوالد المفضي إلى نص جديد قابل ، هو بدوره ، إلى توالد آخر، مثله مثل حكايات ألف ليلة وليلة في التراث الإنساني .
3ـ يقرأ كتاب كليلة ودمنة بوصفه نصا متكاملا ، تتداخل أجزاؤه لتغذي البؤرة الدلالية المركزية عبر التنويع والإبدال . كما يمكن أن يقرأ نصوصا منفصلة ومستقلة ومبتورة عن سياقها النصي لتغذي دلالة جزئية خاصة بها .

4 ـ إن فكرة الكتاب المتمثلة في الصراع بين الفوق (دبشليم الملك ) والتحت ( بيدبا الفيلسوف ) ومعالجتها بالتماثل المتكافئ ، أي قبول دبشليم الملك بنصيحة بيدبا وتنازله عن استبداده والأخذ بدور بيدبا في الحياة السياسية ، مما حقق توازيا في العلاقة بين الفوق والتحت ، إن هذه الفكرة هي فكرة متعالية على الزمان والمكان والثقافة المجتمعية الخاصة بشعب من الشعوب ، مما يجعل منها فكرة إنسانية شاملة ومخترقة لأي فضاء يحاول تحديدها و تأ طيرها .
إن تلك العناصر المشكلة لديمومة النص و عالميته ، ليصبح جزءا من التراث الإنساني وليس العربي أو الهندي أو الفارسي ، دفعت به إ لى التلقي بنمط واحد من القراءة تناسخ عبر القراء كتابا أو نقادا أو قراء مطالعين ، مع الاحتفاظ ببعض التمايز المحدود لكل قراءة . وسنوضح فيما يلي ذلك النمط من القراءة :
إن أغلب القراءات التي تطرقت إلى كليلة ودمنةـ قديما (1) وحديثا (2) ـ تلقت النص بوصفه مجموعة من الحكايات الشعبية ، بخاصة حكايات الحيوان ، أي بوصفه مجموعة من النصوص المنفصلة عن بعضها . ويجب قراءتها في البعد الرمزي لما ينطق به الحيوان في مقابل الدلالة الإنسانية .
يضاف إلى ذلك أ ن تلك القراءات بحثت ـ إيجازا أو تفصيلا ـ عن الأصول الهندية أو الفارسية أ و العربية لتلك الحكايات المنفصلة . وهو ترهين غير مجد ٍ؛ لأن الحكاية الشعبية هي ثقافة إنسانية شاملة ، ولا يمكن تأصيلها و إن توافرت القرائن البيئية والاجتماعية والجغرافية ، بحكم التناقل الشفوي وتشابه الأصول البشرية البدئية وطريقة توالد الحكايات . وحتى إ ن توصل باحث (3) إلى القطع ـ كما يرى ـ بأصل المادة الحكائية في كليلة ودمنة ، فإ ن القراءة بذلك المنحى ترهن المادة الحكائية بزمن ما ، وتغلقها على أصولها ؛ مما يمنع انفتاح النص على الحاضر والمســـتقـبــل والتلقي المتعدد الدلالات والحمولات التي تولد نصوصا جديدة .

وفي إطار هذا الشكل الوصفي في التلقي هناك القراءة السلبية المغلقة التي ظهرت شذراتها في كتب الموسوعيين والمصنفين العرب أمثال ابن النديم والحاجي خليفة وغيرهما . فقد رأوا في قصص كليلة ودمنة خرقا للمعيار الاعتباري الذي يجب أن يأخذ به المتن القصصي ، انطلاقا من أن الفن القصصي في العصر الإسلامي نشأ في بدايته في المساجد والحلقات الدينية بغاية اعتبارية . ويقوم على الإسناد الخبري والتوثيق التاريخي . ومع ظهور فئة القاصين المحدثين ابتعد القص عن الاعتبار الديني والأخلاقي وأخذ بأسباب المتعة والتسلية ،وتخلى عن الإسناد ومقولة الصدق ؛ مما دفع ا لخاصة إلى مقاومته وملاحقة القاصين ، واعتبار تلك القصص فنا هابــطا غايته عقل العامة والجمهــــور العريض ؛ مما أفسد الأخلاق وأســـاء إلى الدين (4) . وفي هذا النسق الثقافي قال ابن النديم :(وكان من يعمل الأسمار والخرافت على ألسنة الناس والطير والبهائم جماعة منهم عبد الله بن المقفع ) (5) .

وبتوسع أكبر في التوصيف ، مع التقييم الإيجابي لكليلة ودمنة بعد الانعتاق من تقييم النص على أساس قيم الاعتبار الديني ، نقرأ في الدراسات المعاصرة موقفا ينم عن الإعجاب بالنص ، ولكنه إ عجاب لا يخرج عن عباءة التوصيف ليصب في التحليل والتأويل ، و إن كانت تلك الدراسات تحض ـ لفظيا ـ بشكل دائم على ضرورة القراءة التأويلية . ونمثل لذلك بقراءة عزة غنام ( 6 ) التي نرصدها من خلال المحطات الآتية :
• رصدت الدراسة المواقف والآراء المتصلة بتأصيل الحكايات المضمنة ( حكايات الحيوان ) دون أن تبحث عن موقف من ذلك ، ودون الانتباه إلى أن تلك الحكايات المضمنة هي ليست أكثر من تنويع و إبدال للقصة الإطار .
• الإشارة إلى أن حكايات الحيوان في كليلة ودمنة جاءت على لسان الحيوان بديلا عن تمثيلها الإنساني تجنبا لقمع الحاكم وبطشه . مما يعني أن التأويل لا يتناول ـ في رأيها ـ الحكاية الإطار وما فيها من رموز دلالية ، مع العلم أن تجنب بطش الحاكم يرتبط بتفسير القصة الإطار .
• الإشارة إلى أن كليلة ودمنة قصة توالدية تقوم على التركيب الحكائي . وهذه رؤية إيجابية إلا أنها لم تعط ثمارها ؛ لأنها لم تتجاوز توصيف الإطار التنظيمي للنص إلى القراءة التأويلية الكلية له .
• الإشادة بالدور الريادي الذي تكتسبه كليلة ودمنة بوصفها قصة رمزية متكاملة على مستوى النثر العربي المنقول ، آخذة ـ الدراسة ـ بمقولة النقل مع التحفظ بحدوده ومستوياته .
إن هذه القراءة هي قراءة وصفية إيجابية ؛ ولكنها مغلقة أيضا على الحكاية المضمنة ، وتسير بالتوازي مع القراءات التي تقدم عرضا لمحتويات الكتاب وأهميته . أما الحض ـ
المنصوص عليه في الدراسة ـ على التأويل ، فهو لا يتجاوز الحض اللفظي ، لأننا لا نرى ما يجسده فعلا منجزا. ومبرر غيابه أنه لو أنجز سيكون من النتائج البدهية باعتباره يقصد سلوك الحيوانات وأقوالها في المقابل الإنساني ، وهذا ليس بجديد ؛ لأن كل حكايات الحيوان في الثقافة تحمل تمثيلا رمزيا للتحقق في عالم الإنسان.




إن ماهو ملفت للانتباه في أشكال تلقي نص ابن المقفع التي أشرنا إليها أو التي لم نفصل في طبيعتها أنها جميعا تصرح بضرورة القراءة التأ ويلية . ويقصد من وراء ذلك ، تحديدا ، أقوال الحيوانات وسلوكها باعتبار ذلك بديلا رمزيا للفعل الإنساني . وفي ذلك مجموعة من الملاحظات
1 ـ إننا لم نقع على دراسة تنجز ذلك التأويل للسبب المذكور سابقا . يضاف إلى ذلك أن إنجاز تأويل للحكاية المضمنة ينم عن خطأ فادح في فهم النص وتلقيه ؛ لأنه يفصل الحكاية المضمنة عن سياقها النصي المتكامل ، بوصفها جزءا إبداليا ، ويضعنا في سياق تأويلي للمدلول الرمزي في حكاية منفصلة ومفردة ، وبالتالي فإن التأويل لا يحمل خصوصية نص ابن المقفع بوصفه نصا واحدا . ونكون بذلك أمام تفسير للرموز الحيوانية بشكل عام ، إن كانت في كليلة ودمنة أو في غيرها ، وقراءة مسطحة لا تنتج نصا موازيا لنص كليلة ودمنة . كما أنها ستكون قراءة هيمنت عليها فكرة سابقة على النص للاعتقاد بأن كليلة ودمنة قصة جاءت على لسان الحيوان . وهذا خطأ شائع في فهم النص .
2 ـ إن تلك القراءات جاءت قراءات كسولة ، لم تخرج في مجمل آرائها وملاحظاتها عن القراءة الظاهرة للنص ، إن كان من حيث فكرة التركيب الحكائي أو من حيث رمزية حكاية الحيوان . ولم تستطع الانتباه إلى علامات ظاهرة تحتاج إلى التأويل ، إن كانت تلك العلامات مخلة في البناء التنظيمي الخارجي ، مثل موقع مقدمة ابن المقفع في الكتاب ، أو إن كانت تلك العلامات ذات وظيفة دلالية على مستوى البناء الداخلي كالمفارقات الزمنية الواقعة بين زمن القصة (قصة دخول ذي القرنين بلاد الهند) وزمن الحكي . ولذلك انصب اهتمام القراءات الوصفية على أمرين لا ثالث لهما . الأول تأصيل النص تاريخيا ، والثاني تأويل الرموز الحيوانية في مقابلها الإنساني .
وكان من نتائج ذلك القصور أن تصريح ابن المقفع في مقدمته حول ضرورة فهم نصه والتمعن فيه لم يتم تلقيه كما أراده ابن المقفع حتى الآن ، وبقي سر ابن المقفع مغلقا ، ولم يخرج إلى النور بعد .
يقول ابن المقفع : ( ينبغي للناظر في هذا الكتاب ومقتنيه أن يعلم أنه ينقسم إ لى أربعة أقسام وأغراض . إ حداها ما قصد من وضعه على ألسن البهائم غير الناطقة ليتسارع إلى قراءته واقتنائه أهل الهزل من الشبان فيستميل به قلوبهم ، ولأن هذا هو الغرض با لنوادر من حيل الحيوانات . والثاني : إظهار خيالات الحيوانات بصنوف الألوان والأصباغ ليكون أنسا لقلوب الملوك ، ويكون حرصهم أشد للنزهة في تلك الصور . والثالث : أن يكون على هذه الصفة فيتخذه الملوك والسوقة فيكثر بذلك انتسابه ولا يبطل فيخلـُــق على مرور الأيام ، ولينتفع بذلك المصور والناسخ أبدا . والغرض الرابع هو الأقصى مخصوص بالفيلسوف خاصة ) (7)

يصنف التصريح القراء إ لى أربعة أنماط نلاحظها على الشكل الآتي :

●النمط الأول ( القارئ الأول )
" ما قــُــصد فيه إلى وضعه على ألسنة البهائم غير الناطقة من مسارعة أهل الهزل من الشبان إلى قراءته فتستمال به قلوبهم ؛ لأن هذا هو الغرض بالنوادر من حيل الحيوان "
يحدد ابن المقفـــع القارئ الأول ـ الرتبة هنا ليست قيمة ـ بأهل الهزل من الشبان ، وليس كل الشبان أيضا ، و إنما أهل الهزل منهم ؛ لأنهم متسارعون في القراءة بقرينة لفظة " مسارعة " الواردة في النص . فهم غير قادرين على القراءة المتأنية التي تنم على الصبر و إعمال العقل والفكر . وهؤلاء تستميل قلوبهم ما وضعه على " ألسنة البهائم غير الناطقة " لما فيه من النوادر من حيل الحيوانات .
ولفهم القول يجب أن نسأل : ماذا وضع على ألسنة البهائم غير الناطقة ؟ والجواب أنه وضع البديل الرمزي للتمثل الإنساني . وأهل الهزل من الشبان هم الذين سيهتمون بتأويل ذلك البديل الرمزي الوارد في الحكايات المضمنة ( حكايات الحيوان ) المنزوعة من سياقها النصي والمجردة من وظيفتها الإبدالية . ويؤكد ذلك ما جاء في أسباب وضع كتاب " البنشاتنترا " و هو ( أن أحد ملوك الهند العظام كان له ثلاثة أبناء في منتهى البلادة ، فلما احتار في أمر تعليمهم أشاروا عليه بتسليمهم إ لى برهمي يدعى " وشنو شرما " فهو كفيل بذلك ، فأشرف البرهمي على تعلمهم ووضع لهم هذا الكتاب ليحببهم في المعرفة بطريقة مشوقة ) (8) ونقرأ من النص أن الأستاذ البرهمي وضع كتابا على ألسنة الحيوانات ليحبب التلميذ البليد في العلم والمعرفة . وهذا التلميذ هو ذاته القارئ الأول عند ابن المقفع ، وهو القارئ المتسارع الذي سينتبه إلى البديل الرمزي لسلوك الحيوان وقوله . أي أنه سيهتم بتأويل ما يرد في حكايات الحيوان وتمثلها الإنساني .
وهذا ما فعلته القراءات السابقة لكليلة ودمنة ،كما لاحظنا حتى الآن .أي أ ننا أمام قراءات لم تتعد القارئ الأول ، كما حدده ابن المقفع . وقرينة ذلك أن ابن المقفع في جزئه الأول من التصريح ذكر قصص الحيوان تحديدا " ما وضع على ألسنة البهائم ... الغرض بالنوادر من
حيل الحيوانات " فهو قد نص على نطق الحيوان بمقابله الإنساني ، كما نص على الحكاية المضمنة .

• النمط الثاني ( القارئ الثاني )
" والثاني إظهار خيالات الحيوانات بصنوف الأصباغ والألوان ليكون أنسا لقلوب الملوك ... ويكون حرصهم عليه أشد للنزهة في تلك الصور " . يقصد بالغرض الثاني الملوك بغاية النزهة في الصور التخييلية للحيوانات . ولكنه لايريد الملوك كلهم ، و إنما الباحثين عن التسلية والمسرة والمتعة ، وليس الباحثين عن التفكير والتأمل . فالنمط الأول من الملوك لا يؤمنون بدور المعرفة والحوار ، و إنما يقلبون الكتاب بحثا عن الصور التخييلية . وهم غير مقصودين بالفكرة العامة للكتاب أو ما سميناه بالتماثل المتكافئ الناتج من طبيعة الصراع بين دبشليم الملك وبيدبا الفيلسوف . فهم لايشبهون دبشليم الملك ، لأن من سمات خطاب دبشليم التأمل والتفكيـر . وهذا ما أحاله في أكثر من موقع إلى تمثل أقوا ل الحكماء كما دفعه إلى التماهي ببيدبا إذ أخذ بنصيحته وطلب منه تأ ليف الكتاب .

• النمط الثالث ( القارئ الثالث )
" الثالث أن يكون على هذه الصفة فيتخذه الملوك والسوقة فيكثر ا نتساخه ولا يبطل فيخلق على مرور الأيام . ولينتفع بذلك المصور والناسخ أبدا " . في هذا الغرض ـ وتأكيدا لمفهوم القارئ الثاني ـ يربط بين الملوك والسوقة من حيث النزهة في الصور التخييلية لألوان الحيوان ، مما يدفع إلى ا نتساخه وبقائه حيا متداولا .

●النمط الرابع ( القارئ الرابع )
"والغرض الرابع هو الأقصى المخصوص بالفيلسوف خاصة " . يحدد ابن المقفع هنا نوعية القارئ بالفيلسوف ، ويؤكد على الخصوصية " مخصوص بالفيلسوف خاصة " ولا يصرح بالفضاء القابل للتأويل ، كما فعل في الأغراض الثلاثة الأول ؛ ففي الأول حدده بما وضع على ألسنة البهائم ، وفي ا لثاني والثالث حدده بالصور التخييلية ، أما في الرابع فقال الغرض الأقصى . وهو فضاء إشاري لايكشف عن نفسه إلا بالقراءة التأويلية . ولايستطيع ابن المقفع التصريح به ؛ لأنه سره والجوهر الذي حاول بوسائل متعددة ستره وتغطيته ، و إيهامنا بغيره لحماية نفسه وديمومة خطابه . إلا أنه في الوقت ذاته دفع إلى قراءته مرات عدة . ولكن من ذا الذي يستطيع التوصل إليه ؟ لقد خصه ابن المقفع بصفة الفيلسوف المتأمل ، إنه المؤول الذي يستطيع إ نجاز نص جديد ، و إنه الحاكم الذي يستطيع أن يتماهى مع المثقف ، كما تماهى دبشليم الملك مع بيدبا الفيلسوف في معادلة ( الفوق × التحت ) لتكون العلاقة في إطار التماثل المتكافئ المؤدي إلى العدالة الاجتماعية .

نحن ، إذاً ، أمام أربعة أنماط من القراءة تتسق تراتبيا على الشكل الآتي :
1 ـ قراءة الفلاسفة والملوك المتماثلين معهم
2 ـ قراءة أهل الهزل من الشبان .
3 ـ قراءة الملوك الباحثين عن التنزه في الصور التخييلية
4ـ قراءة الملوك والسوقة المهتمين با قتنائه ونسخه.

وفق ذلك فإن التلقي السابق لنص ابن المقفع ـ على الرغم من تأكيد الدارسين على ضرورة التأويل ـ ينتهي في القارئ الثاني " أهل الهزل من الشبان " ظنا أن المراد بالتأويل ما وضع على ألسنة البهائم قصد التماثل مع البديل الإنساني لإنجاز الحكمة . ولكن ابن المقفع قال : إن هذا مخصوص بأهل الهزل . ولم ينتبه متلقو النص إلى ذلك ، وخلطوا بين القارئ الثاني والقارئ الأول ( الفيلسوف ) ونسبوا إلى القارئ الأول تفسير ما وضع على ألسنة البهائم باعتباره حكمة رمزية يجب تفسيرها ، وجردوا القارئ الثاني من تلك المهمة منجرفين وراء كلمة " الهزل " ومدلولها السلبي .
المعنى الأقصى
قبل أن نتلمس المعنى الأقصى علينا التعرف إلى موقعه أولا . وفي ذلك نقول إن كتاب كليلة ودمنة ينطوي بشكل عام ، وبعيدا عن التفصيل ـ لأن المقام لا يسمح به ـ على مستويين سرديين . الأول الحكاية الأم أو ما يسمى بالحكاية الإطار . والثاني الحكاية المضمنة أو المفرعة ، وتتمثل بالحكايات الداخلية ، وتسمى بحكايات الحيوان وإن لم تجر جميعها على ألسنة الحيوانات. ومن خلال قراءتنا السابقة لقراءات كليلة ودمنة وملاحظة مستويات القراءة عند ابن المقفع يتبين لنا ضرورة استبعاد الحكاية المضمنة من التأويل الطامح إلى المعنى الأقصى إلا في إطار الحديث عن التنويع والإبدال بوصفهما وظيفتين منوطتين بالحكاية المضمنة
في الحكاية الأم حدث تاريخي تخييلي يعود إلى فتوحات ذي القرنين لبلاد الهند ثم تعيين دبشليم ملكا على البلاد من قبل الشعب الهندي الذي طرد الحاكم المعين من قبل الإسكندر، ولكن الملك دبشليم طغى في حكمه وظلم الناس واستبد برأيه ، مما دفع الفيلسوف البرهمي المعاصر له بيدبا إلى العمل على الدخول عليه لنصحه وتقويم سلوكه مع عامة الناس . وحين ينصحه تلامذته بالعدول عن ذلك خوفا عليه من بطش دبشليم يرى في رأيهم جبنا يجب أن يبتعد عنه الفيلسوف الحكيم ، لما يتحلى من ثقافة ووعي وإقدام وتضحية وواجب أخلاقي تجاه عامة الناس . وحين يقدم على الملك دبشليم يغضب الأخير ويأمر بسجنه ثم قتله . وحين يعيد التفكير في كلام بيدبا يندم على تسرعه في الحكم ويعفو عنه ويقربه منه بل ويشاركه بالحكم من خلال وضعه كتاب كليلة ودمنة.
إن النص التخييلي الذي أنشأه ابن المقفع ولم يلتفت إليه النقاد والقراء من بعدهم ، وهو النص المتمثل بحكاية دبشليم الملك وبيدبا الفيلسوف غير موجود في نص البنشاتنترا الهندي ، كما أن فكرته لم يتطرق إليها المؤلَف . يضاف إلى ذلك أن الحض على التأويل غير مصرح به أيضا. ولأن كل ذلك من اختراع ابن المقفع فإن خطاب التأويل الذي يحض عليه مرتبط بنصه التخييلي المحمل بدلالات العلاقة بين المثقف والسلطة ؛ تلك العلاقة المشوبة تاريخيا بالأخذ والرد والقبول والرفض والتسامح والملاحقة والقتل . وهو الثمن الذي دفعه ابن المقفع على يد قاتله والي البصرة ؛ لأن الخليفة المنصور وصل إلى المعنى الأقصى في نص ابن المقفع التخييلي وأدرك أن ابن المقفع لا يكتب قصصا تدور على ألسنة الحيوان وإنما يكتب في أدبيات السياسة والسلطة ، ويحض المثقف على القيام بواجبه تجاه الناس في مناقشة السلطان ومحاسبته وحثه على العدل في شؤون الرعية .

الهوامش والمراجع

1 ـ راجع كشف الظنون عن أسلس الكتب والفنون . حاجي خليفة . بغداد القاهرة سنة 1940 ج 2 ص 1508 والفهرست . ابن النديم ، محمد بن إسحاق . مطبعة الاستقامة . القاهرة . د. ت ص 304
2ـ راجع : الأدب المقارن . غنيمي هلال . القاهرة . مطبعة الأنجلو 1962 ص 183ـ 191 . وكذلك الحياة ` الأدبية في البصرة إلى نهاية القرن الثاني الهجري . أحمد كمال زكي . دار المعارف بمصر سنة 1971 . ص109 . وكليلة ودمنة في الأدب العربي . دراسة مقارنة. .ليلى سعد الدين . دار المعارف . دمشق .د . ت .ص 235
3 ـ ـ عبد الله بن المقفع . محمد غفراني الخراساني القاهرة القومية للطباعة والنشر 1963 ص 13
4 ـ السردية العربية . عبد الله إبراهيم ط1 . الدار البيضاء 1992 ص143
5 ـ الفهرست ص 304
6 ـ الفن القصصي العربي القديم.. عزة غنام . القاهرة . الدار الفنية للطباعة والنشر والتوزيع 1990 ص63 ـ 73
7 ـ كليلة ودمنة . ابن المقفع مؤسسة الكتب الثقافيةط1 / 2002 ص 67
8 ـ عن عبد الله بن المقفع ص 248

------------------------------------
عن منتدى مطر /



توقيع ( mohi )
يارب .هئ فسحــــــــةً للعمر كي يرتاح من عطش التجارب...
من غبار البحث في الأحداق.... والأسباب..
 


رد : الرّائعة الشّرقيّة
mohi
مدير الموقع

غير متصل حالياً
رقم العضوية : 1
عدد المشاركات : 1270
تاريخ التسجيل :
الخميس 23-09-2010
 
مراسلة الموقع الشخصي

 حرر في السبت 12-03-2011 11:20 صباحا || رقم المشاركة : 581  



الرّائعة الشّرقيّة " كليلة ودمنة"
وتجلّياتها العالميّة
سمير فهمي كتاني



يعتبر الأدب الميدان الواسع للمعارف والاهتمامات الإنسانيّة على اختلافها، ويمكن لنا أن نلاحظ بجلاء تلك الشّموليّة الّتي يتميّز بها الأدب في مضامينه المتنوّعة في القرون الخمسة الأولى للهجرة. ويعدّ " الأدب القصصيّ " أحد أهمّ فنون الأدب العربيّ الكلاسيكيّ ،رغم الجدل الّذي احتدم بين بعض الباحثين حول مدى فنّيّة أنواع القصص والحكايات الّتي يزخر بها الأدب العربيّ القديم، ومدى توافر "السّرد" فيما يعتبر ضروبًا أدبيّة قصصيّة، كالمقامات، والحكايات، والخرافات،والأسمار، وأحاديث الأعراب، والشّعر القصصيّ، وما إلى ذلك. وتعتبر قصص كليلة ودمنة من أ ول النصوص النثرية القصصّية المدّونه لدى العرب، التي تعتمد على الخيال، والمنطويه على الحكمة في إطار من التورية والرمزية.إذ يعود ظهورها في الأدب العربي إلى القرن الثاني الهجري. ولقد أجمع الباحثون على اعتبار قصص كليلة ودمنة " خرافات". والخرافة حكاية رمزيّة ذات طابع خلقيّ وتعليميّ، تظهر فيها شخصيّات وأحداث ما هي إلاّ سواتر للشّخصيّات والأحداث الحقيقيّة المقصودة. من أجل ذلك يكون القناع الّذي تتستّر من ورائه هذه الشّخصيّات والأحداث غير سميك، حتّى لا تنطمس الغاية الرّمزيّة من القصّة. والخرافة تحكى على لسان الحيوان أو النّبات أو الجماد، ويلعب هذا " الكائن" غير الإنسانيّ دور البطولة فيها، وتعتمد على السّرد المباشر المؤدّي إلى الإقناع والتّأثير في النّفوس، بغية إيصال المغزى إلى القارىء. فالغاية التّعليميّة هي ما يطمح الرّاوي إلى تحقيقها بشكل أساسيّ. ويتّخذ الرّاوي من المغامرات العجيبة والأشياء الخياليّة موضوعًا له، دامجًا في ذلك بين خياله وإحساسه من ناحية، ومواقفه من الحياة من ناحية أخرى. ويرى البعض أنّ الخرافة " الفابولا " تشمل أنواعًا من الخرافات، منها القصّة الحيوانيّة الّتي لا مغزى لها، والقصّة الحيوانيّة ذات المغزى والموازية " للموعظة "، والقصّة الخياليّة بوجه عام ،وإن لم تحو العنصر الحيوانيّ. هذا وتتماثل " الخرافة " و" الموعظة " في الغاية التّعليميّة والتّهذيبيّة الّتي تهدف إليها كلّ منهما. ولا فرق بينهما سوى كون الخرافة أقلّ تعقيدًا وتركيبًا من الموعظة، واحتوائها على السّرد القصصيّ كأساس فنّيّ للرّواية، وإن كان هذا السّرد يختلف عنه في كلّ من أدب الرّواية والأقصوصة، من حيث أنّه يحاول التّحرّر من الواقع اعتمادًا على الخوارق والأحداث غير الواقعيّة. هذا ويمكن لنا أن نلمح " للفابولا " وجهين اثنين: الأوّل مادّيّ، يتضمّن الظّاهر من القصّة فيما يتعلّق بالأقوال والأفعال المسلّية المعزوّة إلى الحيوان، والثّاني معنويّ روحانيّ، يتجلّى في المغزى أو الموعظة الّتي يريد الرّاوي أن يلفت انتباه المرويّ له إليها. ولقد اختلفت الآراء في البيئة الّتي نشأ فيها الأدب الخرافيّ العالميّ، فرأى بعض الباحثين أنّ منشأ هذا النّوع الأدبيّ غربيّ، إذ يعزو أصوله إلى الأدب اليونانيّ، الّذي أثّر في الأدب الّلاتينيّ في هذا الجنس من الأدب، وقد تمّ التّعرّض بالدّراسة والمقارنة لأعمال أدبيّة متعدّدة، من أبرزها:
1. خرافات وضعها الشّاعر" هيزيودس " في القرن الثّامن قبل الميلاد.
2. خرافات " إيسوبس " الموضوعة في القرن السّادس قبل المبلاد.
3. خرافات " باريوس " المنظومة شعرًا في القرن الأوّل الميلاديّ.
4. خرافات " فيدروس " المنظومة شعرًا أيضًا، في القرن الأوّل الميلاديّ.
5. لافونتين ( 1621-1695) الفرنسيّ، الّذي يعدّ من أكبر وأشهر واضعي الخرافات في الأدب العالميّ.
أمّا غالبيّة الباحثين، فقد ذهبوا إلى أنّ منشأ هذا النّوع الأدبيّ إنّما هو شرقيّ، واختُلف بينهم في تحديد الحضارة الشّرقيّة ذات السّبق في هذا المضمار. فهناك من رأى أنّ منشأ هذا الفنّ مصريّ فرعونيّ، حيث وجدت بعض هذه الحكايات على أوراق البردي، أو صوّرت على جدران المعابد والقبور. وهناك من يرى أنّ منشأ هذه الحكايات هنديّ - وهو رأي كان له حظّ وافر من الرّواج بين أوساط الباحثين - وأنّ هناك آثارًا خرافيّة هنديّة قديمة تدلّ على ذلك، ومنها:
1. كتاب "جاتاكا"، ويعدّ أقدم ما وصل من الحكايات الخرافيّة الهنديّة، يعود وضعه إلى القرن السّابع، أو التّاسع الميلاديّ. وهو يحكي تاريخ تناسخ "بوذا" في أنواع مختلفة من الحيوانات والطّيور، قبل وجوده الأخير مؤسّسًا للدّيانة البوذيّة .
2. كتاب "تانترا خياييكا"، ويعود وضعه إلى ما بين القرنين الثّاني والخامس الميلاديّين.
3. كتاب "بنج تانترا" ( أي الأسفار أو القصص الخمس)، ويعود وضعه أيضًا إلى ما بين القرنين الثّاني والخامس الميلاديّين. ويبدو أنّه كان الأصل الأوّل لكتاب "كليلة ودمنة"، إذ أنّ مبناه ومضمونه يشبهان مبنى ومضمون كتاب كليلة ودمنة إلى حدّ كبير.
4. كتاب "هتوباديسيا"، ويعود تدوينه إلى ما القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديّين، وهو أقدم كتاب هنديّ قلّد كتاب "بنج تانترا" المذكور أعلاه، إذ اقتبس منه خمسًا وعشرين قصّة .
وهناك من الباحثين من يرى أنّ أصل الخرافات فارسيّ، إلاّ أنّ أغلبيّة الشّواهد تدلّ على أنّ الفرس قد نقلوا الكتاب عن الهند، ومنها وجود كتاب "البنج تانترا" ذي الأصل الهنديّ، وفكرة تناسخ الأرواح الّتي كانت سائدة في الهند، ووفقها لا يستنكر أن يُبعث الإنسان متقمّصًا شخصيّة حيوان أو طائر ويتحدّث بلسانه. كما أنّ "أدب الحكمة" قد أثر عن الهند في غير موضع من كتب أصول الأدب. سبب وضع كتاب " كليلة ودمنة": لقد قلنا آنفًا إنّ أصل الكتاب هندي فيما يرجّح، وهو كتاب " البنجتانترا" المذكور. وقد وضع الكتاب فيلسوف هنديّ هو " بيدبا"، من أجل ملك الهند " دبشليم" ، وقد ورد ذلك في مقدّمة كتاب كليلة ودمنة، الّتي وضعها عليّ بن محمّد بن شاه الظّاهريّ، وكان رجلا أديبًا " طيّبًا غاية في الظّرف واللّطافة ". وهذه المقدّمة الطّويلة تتضمّن بعض الأساطير الّتي خلّفتها فتوحات الإسكندر المقدونيّ في بلاد الشّرق، وقد قصد مؤلّفها تبيان سبب وضع كتاب كليلة ودمنة، ويذكر أنّ " دبشليم" قد ملك الهند بعد فتح الإسكندر، وقد ظلم العباد، وكان في قصره رجل حكيم فاضل من " البراهمة " يدعى " بيدبا "، لم يرضه ما يصنع الملك مع النّاس، فنصحه، فعاقبه الملك بالسّجن، ولكنّه ما عتم أن ندم على ذلك، فأطلق سراحه واتّخذه وزيرًا له، فوضع " بيدبا " سنن العدل في البلاد، فاستقام الحكم، وأمن النّاس الظّلم. ولمّا رأى " دبشليم" حسن سياسة " بيدبا " أمره بوضع كتاب في سياسة الرّعيّة وتهذيب الأخلاق، يتضمّن ضروب الحكمة والمثل، ويجعله على لسان الحيوان، فقام " بيدبا" بوضع الكتاب مستعينًا بتلامذته، مستغرقًا في ذلك حولا كاملاً، فأراد الملك مكافأته، إلاّ أنّ " بيدبا " رفض ذلك طالبًا من الملك أن يأمر بتدوين كتابه والحرص على الحافظة عليه، فأمر الملك أن يحفظ الكتاب في خزائنه، حتّى مرّت ثمانية قرون، قبل أن يطّلع عليه الفرس. يتجلّى لنا إذن أنّ الغايتين من دعوة " دبشليم" " بيدبا" إلى وضع الكتاب هما :
1. تربية العامّة على طاعة الملك.
2. بيان حسن سياسة الملك للرّعيّة.
أمّا عن كيفيّة وصول الكتاب إلى الفرس، فإنّ " ابن المقفّع" يحدّثنا في مقدّمة " كليلة ودمنة" أنّ " كسرى أنوشروان" كان محبًّا للعلم والأدب، وحدث أن سمع بأمر كتاب الهند في الحكمة، فأنفذ " برزويه" رأس أطبّاء فارس إلى الهند لاستنساخ الكتاب، فقضى " برزويه" سنتين متواليتين في تلك البلاد يبحث عن الكتاب متلطّفًا باذلاً لحكماء الهند حتّى وجد ضالّته المنشودة في خزانة الملك، وذلك بمساعدة خازنه، فنقله متحايلاً، ثمّ عاد به إلى كسرى، فأعجب به إعجابًا شديدًا، وأمر بإقامة حفل دعا إليه خواصّ حاشيته وأشراف مملكته، وأجلس " برزويه" على سريره، وأمر أن تفتح له خزائن الياقوت والمرجان يأخذ منها ما شاء، ولكنّ " برزويه" يأبى أن يأخذ مكافأة ماليّة، ويرجو أن تكون مكافأته أن يكتب وزيره الفيلسوف " بزرجمهر" ترجمة لحياته يجعلها بابًا من أبواب الكتاب تخليدًا لذكراه. ولا يخفى على القارىء هذا التّشابه بين رفض كلّ من " بيدبا " الهنديّ و" برزويه " الفارسيّ للمكافأة المادّيّة، وهذا يقودنا إلى استنتاجين:
1. أنّ "بهنوذ بن سحوان" واضع المقدّمة الأولى للكتاب قد اقتبس من ابن المقفّع هذه الفقرة عن مكافأة " برزويه".
2. أنّ الحكمة والمعرفة هي خير من المادّة والمال، ويظهر ذلك من خلال تأكيد الحكيم على هذه الفكرة، سواء أكان الحكيم هو " بيدبا" أم "برزويه" أم " ابن المقفّع".
ولكن يذكر الباحثون أنّ هناك رواية أخرى لقصّة نقل الكتاب إلى الفارسيّة، مستندين إلى رواية الفردوسيّ في كتابه " الشّاهنامه"، مفادها أنّ "برزويه" كان طبيبًا كثير الاطّلاع على كتب الطّبّ، فقرأ أنّ بالهند جبلاً ينمو عليه عشب يحيي الموتى، فسارع إلى " كسرى أنوشروان " يبلغه بالأمر، فأنفذه إلى الهند، وهناك يعلمه ملوكها أنّ المعنى هو مجازيّ، إذ المقصود أنّ إحياء الموتى إنّما يتمّ عن طريق قراءة وتدبّر كليلة ودمنة، ويسمح له الملوك بالاطّلاع على الكتاب ونسخه. وقد نتساءل: لماذا لجأ " بيدبا" ( سواء كان وجوده حقيقيًّا أم لا) إلى استخدام الرّمز على ألسنة الحيوان في تأليفه " كليلة ودمنة"؟ والإجابة عن هذا التّساؤل تدور حول عدد من الافتراضات، من أهمّها:
1. انعدام الحرّيّة والشّعور بالأمان لدى المؤلّف. والظّاهرة معروفة، إذ لا يجرؤ المؤلّف على التّعبير عن نفسه بصراحة إذا ما خاف من جور السّلطان، فيلجأ إلى الكناية والرّمز.
2. ترغيبًا للعامّة في قراءة الكتاب وفهم معانيه، إذ يغلب على العامّة طابع السّذاجة والبعد عن الحكمة والرّويّة. وهم غالبًا ما ينفرون من قراءة الكتب الجادّة.
3. إظهار خيالات الحيوانات بصنوف الأصباغ والألوان ، ليكون أنسًا لقلوب الملوك، ويكون حرصهم عليه أشدّ للنّزهة في تلك الصّور.
4. رغبةً في إحياء التّراث الفارسيّ، إذ من المعلوم أنّ " ابن المقفّع" كان يعدّ من الشّعوبيّين الّذين تباهوا بحضارة آبائهم وأجدادهم، ولعلّه ذهب إلى نشر وتمجيد حكايات الحيوان كجزء من حضارة الفرس القائمة على فنون القصّ والخيال.
5. رغبةً في الوصول بالمتعلّم إلى جادّة الصّواب والحكمة، فلا بدّ من أجل ذلك من تبسيط الأسلوب أمام المتعلّم، وجعله قريبًا من نفسه. فطريقة التّعليم تقوم في العادة على أساس الشّرح والتّوضيح التّفصيليّين للأشياء، وقد يكون من المناسب استخدام التّورية والرّمز والتّمثيل.
ويقودنا الحديث إلى التّساؤل الجديد: لمن وضع الكتاب بالتّحديد؟ هل وضع للعامّة من النّاس أم للخاصّة؟ ونجد الإجابة في باب عرض الكتاب، ويذكر فيه " ابن المقفّع" أنّ العلم في حدّ ذاته غاية يجب أن يصل إليها الإنسان، وهنا يمكن أن نفهم أنّ الإنسان المقصود هو أيّ إنسان، من العامّة كان أم من الخاصّة، ولكنّه يذكر بعد ذلك، أنّ العلم وحده لا ينفع الإنسان، فلا بدّ له من العمل بما يعلم، وهنا يعترف " ابن المقفّع " بأنّ القلّة من النّاس " العالمين" تعمل بما تعلم، وهذه الفئة القليلة هي الفئة النّيّرة الّتي تحظى بالسّعادة حتمًا. ويمكن لنا أن نستشفّ نظرة " ابن المقفّع" إلى القارىء - قارىء كليلة ودمنة-، فهو يصنّف القرّاء إلى ثلاثة مستويات :
" القارىء " البدائيّ" الّذي يتوقف عند السّرد – أسلوب الهزل والّلهو-، أي عند الأحداث السّرديّة في حدّ ذاتها .
والقارىء الفطن الّذي يتجاوز مرحلة السّرد ويهتدي إلى الحكمة ويتوقّف عندها.
والقارىء العاقل الّذي يستوعب الحكمة ويخضع سلوكه لأوامرها ونواهيها.
إذن، من الواضح أنّ الكتاب إنّما أعدّ للغرض التّعليميّ التّربويّ، والتّعليم والتّربية ليسا حكرًا على طبقة دون طبقة، وإن كانت طبقة الخاصّة أسرع وصولاً إلى التّربية والثّقافة والكتاب، بحكم المكانة الاجتماعيّة والمادّيّة الّتي تتمتّع بها. أسلوب وفنّيّة كتاب " كليلة ودمنة": يمكننا تبيان مبنى كتاب كليلة ودمنة بشيء من الإيجاز - رغم أنّ هذا الجانب من النّقاش يحتاج إلى بحث مستقلّ-، فنقول إنّه يتميّز من ناحية المبنى بما يلي:
1. وجود قصّة إطار تحوي القصص الدّاخليّة جميعها، وتجمع بينها. وهذه القصّة هي قصّة " دبشليم" الملك " وبيدبا" الفيلسوف، اللّذين نصادفهما في مطلع كلّ قصّة جديدة. هذه القصّة الإطاريّة الثّابتة المستندة إلى الحوار تشكّل بمثابة نظام يجمع بين القصص المتنوّعة، ذات الشّخصيّات والأحداث المتعدّدة والمتغيّرة.
2. استخدام لفظة " زعموا" في مطلع أغلب القصص . وهذه اللّفظة من شأنها أن تدلّ على ما يلي:
أ. أنّ الرّاوي ( "بيدبا" أو "ابن المقفّع") يظهر أنّ مصدر الرّواية- وهي رواية تنطوي على الحكمة- مجهول، فهو غير مسمًّى. ويفترض أن يكون حكيمًا، ومدعاة إلى ثقة الرّاوي، لأنّه يستشهد به دائمًا .
ب. أنّ مصدر الحكمة هو جماعة من النّاس، ومن شأن الجماعة أن يكونوا أقوى تأثيرًا من الفرد في المجتمع. وبما أنّ المجتمع الّذي ينشده واضع الرّوايات هو المجتمع الفاضل المثاليّ، كان من المنطق نسبة الرّوايات إلى ضمير الجمع الغائب.
ج. ومصدر الرّواية هذا قديم، ولعلّه موغل في القدم، إذ أنّ الفعل المستخدم هو الماضي، مسندًا إلى ضمير الجمع الغائب، والحكمة الّتي يوثق بها أكثر من غيرها، هي تلك الدّارجة على الألسن، منسوبة إلى حكماء مجهولين. والسّلوك المحمود هو الّذي يكرّر النّماذج السّالفة المحمودة .
د. وهذا الجهل بالرّاوي قد يكون مقصودًا، إذ أنّ التّورية غاية في حدّ ذاتها هدف إليها واضع الكتاب، والرّاوي المجهول قناع يتستّر خلفه مؤلّف الرّواية الحقيقيّ.
هـ. ولعلّه من غير المهمّ معرفة هويّة الرّاوي، بقدر ما هي مهمّة معرفة الحكمة المرويّة وفهمها.
3. تداخل الحكايات: فكلّ حكاية رئيسيّة تحوي حكايات فرعيّة، كلّ منها قد يحوي حكاية أو أكثر متداخلة فيها. وينتج عن ذلك دخول شخصيّات جديدة إلى المتن الحكائي بلا انقطاع، ولأدنى مناسبة.
4. تناسي الكاتب للرّمز، فيسهب في الحديث عن المرموز إليهم من النّاس في الحكاية، غافلاً عن شخصيّاته الرّمزيّة الحيوانيّة أو غير الحيوانيّة.
5. بساطة الأسلوب، ووضوح الفكرة، والبعد عن التّزويق والتّرصيع المعروفين عن الكتّاب الفرس بصورة عامّة، رغم الأصل الفارسيّ " لابن المقفّع"، ولعلّ ذلك عائد إلى نشأته بين أحضان بني تميم ، القبيلة العربيّة ذات الطّبع اللّغويّ، فابتعد عن التّصنّع والتّكلّف، (حتّى في مؤلّفاته الأخرى: الأدب الكبير والأدب الصّغير، ورسائله المختلفة). وقد صرّح " ابن المقفّع" نفسه أنّ البلاغة قد تكون في سهولة الألفاظ أحيانًا، وتكون في الإيجاز دائمًا.
6. تعليقات " ابن المقفّع" أو " بيدبا" الختاميّة على الأحداث، وهذه التّعليقات تتراوح بين كونها تدخّلاً صريحًا أو تلميحًا من خلال إحدى الشّخصيّات الرّمزيّة.

تأثير " كليلة ودمنة" على الأدب العربيّ:

لقد فتح ابن المقفع بكتابه "كليلة ودمنة "الباب على مصراعيه أمام هذا الضرب القصصي المعتمد على شخصيات من عالم الحيوان، فسرعان ما ظهرت محاولات عديدة في هذا المضمار، مضمار المثل الخرافيّ " الفابولا" نظما ونثرا، تحاكي كليلة ودمنة وتسير على منواله. ونحاول ههنا بشيء من العجالة تتبّع أبرز هذه المحاولات، حتّى يتسنّى للقارىء الاطّلاع على أهمّيّة كتاب " كليلة ودمنة" في الأدب العربيّ من حيث تأثيره فيه. أمّا أبرز محاولات المحاكاة فهي:
1. نظم كليلة ودمنة لأبان بن عبد الحميد اللاّحقي (ت 200هـ/815م)، فقد نظم الكتاب في خمسة آلاف بيت من الشّعر . ويبدو أنّ نظم الكتاب يشير إلى رواج سوق الشّعر وقوّة سلطانه في القرن الثّاني الهجريّ، حيث اختار الشّاعر إعادة سرد الحكايات الواردة في كليلة ودمنة شعرًا، بعد أن وردت نثرًا مطلقًا .
2. " كتاب ثعلة وعفراء"، الّذي وضعه " سهل بن هارون" (215هـ/815م)، ولم يصلنا هذا الكتاب .
3. " كتاب النّمر والثّعلب"، وهو منسوب إلى " سهل بن هارون" أيضًا.
4. " رسالة الصّاهل والشّاحج " لأبي العلاء المعرّيّ (449هـ/1057م)، الّتي تعدّ من أعلى مؤلفات المعرّيّ قيمة. 4. كتاب" القائف" وكتاب " منار القائف"، وهما كتابان للمعرّيّ لم يصلانا.
5. كتاب " مضاهاة أمثال كتاب كليلة ودمنة بما أشبهها من أشعار العرب "، وهو كتاب لليمنيّ ( 400هـ/ 1015)، وهو ينزع فيه نحو التّعصّب للعرب في معركتهم ضدّ الشّعوبيّة، في وقت انبرى فيه العلماء العرب ينفون ما يزعمه الفرس من أنّ مصدر الحكمة والأمثال في الأدب العربيّ هو الحضارة الفارسيّة السّاسانيّة .
6. كتاب " فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظّرفاء "، وضعه " ابن عرب شاه" ( 854هـ/ 1450م)، وهو آخر كتاب في التّراث العربيّ وضع على لسان الحيوان، ويعود تأليفه إلى ما يعرف بفترة الأدب المملوكي، أي ضمن العصر الّذي يطلق عليه اسم " عصر الانحطاط". والكتاب ترجمة حرّة عن الفارسيّة لكتاب " مرزبان نامه"، الموضوع في القرن الرّابع الهجريّ. ويتناول الكتاب مجموعة من الحكايات التّعليميّة على ألسنة الحيوانات، وفيه إلى جانب ذلك نصائح للملوك، وحديث عن العدل والعقل ..
7. نظم " ابن الهبّاريّة" ( 509 هـ/ 1015م) لكليلة ودمنة، ضمن كتابه المسمّى: " نتائج الفطنة في نظم كليلة ودمنة".
8. كتاب" الصّادح والباغم" لابن الهبّاريّة، وهو أرجاز تدور حول الحيوانات وبعض الشّخصيّات الإنسيّة الرّمزيّة.
9. رسالة تداعي الحيوان على الإنسان، وهي رسالة فلسفيّة "لإخوان الصّفّا" ، إحدى رسائلهم الإحدى والخمسين، وتضمّ خمسة وستين فصلا. وقد تأثر واضعوها بكليلة ودمنة، ولكنهم في الوقت ذاته حاولوا ملاءمة الرسالة مع مبادئهم الفلسفية الخاصة بهم. وتسمية "إخوان الصّفا" بهذا الاسم مقتبس فيما يبدو من إحدى حكايات كليلة ودمنة، حيث ورد الاسم فيها .
10. كتاب الأسد والغوّاص"، وهو لمؤلّف مجهول ربّما لم يصرّح باسمه خوفًا من بطش السّلطة)، والكتاب يهدف إلى نقد الأوضاع السّياسيّة والدّينيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، ويبدو أنّ تأليفه يعود إلىفترة حكم البويهيّين في العراق. والغوّاص اسم لابن آوى. والقصّة الإطاريّة متأثّرة بحكاية الأسد والثّور في كليلة ودمنة.
11. كتاب "سلوان المطاع في عدوان الأتباع"، وهو كتاب "لابن ظفر الصّقلّيّ (ت565هـ)، وأهداه إلى أحد قادة صقلّيّة، وفيه حكايات متعدّدة على ألسنة الحيوان، ذات مغزى سياسيّ وأخلاقيّ وتربويّ.
12. "كشف الأسرار عن حكم الأطيار والأزهار"، وهو كتاب لعزّ الدّين بن عبد السّلام (ت678). ينطوي الكتاب على مواعظ وعبر على ألسنة الحيوانات .
13. حكايات ألف ليلة وليلة، الّتي تدور على ألسنة الحيوان، حيث نجد عدّة حكايات كهذه، يلعب فيها الحيوان دور البطولة.

ولا يسعنا في هذا المقام الاستفاضة في تعداد المؤلّفات المتأثّرة بكليلة ودمنة في الأدب العربيّ، وذلك نظرًا لكثرتها. هذا وقد أثّر كتاب كليلة ودمنة في الأدب الفارسيّ، بعد أن تُرجم الكتاب عدّة ترجمات إلى اللّغة الفارسيّة، من أبرزها ترجمة: الكاشفي المعروفة باسم " أنوار سهيلي"، وترجمة " أبي المعالي نصر" المعروفة باسم" كليلة ودمنة بهرامشي". ومن ثمّ توالت الكتب الفارسيّة المتّصلة بكليلة ودمنة، سواء كانت شروحًا للنّصّ العربيّ، أو كانت تهذيبًا للتّرجمة الّتي قام بها أبو المعالي نصر الله، أو تهذيبًا "لأنوار سهيلي". يمكننا إذن أن ندرك ما لكتاب " كليلة ودمنة " من أهمّيّة في الدّراسات الأدبيّة المقارنة من جهة، وفي الأدب العربيّ بشكل خاصّ من جهة أخرى. وربّما يشير الكتاب إلى التّرابط الفكريّ الحضاريّ بين الشّعوب، الّذي يتجلّى في نقل الموروث من جيل إلى جيل، ومن مكان إلى مكان.


قائمة المراجع:

1. ابن قتيبة، أبو محمّد عبداللهّ، المعارف، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1992.
2. ابن المقفّع،عبد اللهّ، كليلة ودمنة، المكتبة الثّقافيّة، د.ت.
3. كليلة ودمنة، تحقيق: لويس شيخو، بيروت، 1923.
4. ابن النّديم، الفهرست، دار المعرفة، بيروت، د.ت.
5. إبراهيم، مجدي محمّد شمس الدّين، كليلة ودمنة بين الأصول القديمة والمحاكاة الشّرقيّة، دار الفكر العربيّ، القاهرة، د.ت.
6. البيرونيّ، تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، دائرة المعارف العثمانيّة، حيدر أباد، الهند، 1958.
7. جمعة، بديع محمّد، دراسات في الأدب المقارن، دار النّهضة العربيّة، بيروت، 1980.
8. الحصريّ، زهر الآداب وثمر الألباب، المكتبة العصريّة، صيدا، 2001.
9. حمد اللهّ، محمّد عليّ، الأسلوب التّعليميّ في كليلة ودمنة، دار الفكر، دمشق، 1970. 10. حميدة، عبد الرّزّاق، قصص الحيوان في الأدب العربيّ، الأنجلومصريّة، القاهرة، 1951.
11. الخراسانيّ، محمّد غفرانيّ، عبد اللهّ بن المقفّع، الدّار القوميّة للطّباعة والنّشر، القاهرة، د.ت.
12. درويش، أحمد، نظريّة الأدب المقارن وتجلّياتها في الأدب العربيّ، دار غريب للطّباعة النّشر، القاهرة، 2002.
13.ذهني، محمود، القصّة في الأدب القديم، مكتبة الأنجلو المصريّة، القاهرة، 1973. 14. سعد الدّين، ليلى، كليلة ودمنة في الأدب العربيّ، مكتبة الرّسالة، عمّان، د.ت.
15.سعيد، نفوسة زكريّا، خرافات لافونتين في الأدب العربيّ، مؤسّسة الثّقافة الجامعيّة، الإسكندريّة، 1976.
16. سويدان، سامي، في دلاليّة القصّ وشعريّة السّرد، دار الآداب، بيروت، 1991.
17. الشّهرستانيّ، الملل والنّحل، المكتبة العصريّة، صيدا، 2000.
18. ضيف، شوقي، العصر العبّاسيّ الأوّل، دار المعارف، القاهرة، د.ت.
19. عابدين، عبد المجيد، الأمثال في النّثر العربيّ القديم، مصر، 1956.
20.عبد النّور، جبّور، المعجم الأدبيّ، دار العلم للملايين، بيروت، 1984.
21. كيليطو، عبد الفتّاح، الأدب والغرابة، دار الطّليعة للطّباعة والنّشر، بيروت، 1982. 22. الحكاية والتّأويل- دراسات في السّرد العربيّ، دار توبقال للنّشر، الدّار البيضاء، 1988.
23. المسعوديّ، أبو الحسن عليّ بن الحسن، مروج الذّهب ومعادن الجوهر، المكتبة الإسلاميّة، بيروت، د.ت.
24.النّجّار، محمّد رجب، التّراث القصصيّ في الأدب العربيّ، منشورات ذات السّلاسل، الكويت، 1995.
25. ندا، طه، الأدب المقارن، دار المعرفة الجامعيّة، ( مصر)، 1996.
26. هلال، محمّد غنيمي، الأدب المقارن، دار العودة، بيروت، 1999.
27. اليمنيّ، أبو عبد اللهّ محمّد بن حسين، كتاب مضاهاة أمثال كتاب كليلة ودمنة بما أشبهها من أشعار العرب، دار الثّقافة، بير وت، د.ت.
28. شاخت، وبوزورث، تراث الإسلام، ترجمة: حسين مؤنس وزميليه، عالم المعرفة، الكويت، 1978.
29. Grunebaum, G. E. Von, “ The Spirit of Islam as Shown in Its Literature”, Studia Islamica, vol 1,( 1953),pp 110-119. 30. Kramers, J.H., “ Marzban-nama”, EI, New Edition, vol 6, pp:632-633.

--------------------------
عن منتدى مطر



توقيع ( mohi )
يارب .هئ فسحــــــــةً للعمر كي يرتاح من عطش التجارب...
من غبار البحث في الأحداق.... والأسباب..
 


رد : تقريظ الحيلة(في الأدب العربي الكلاسيكي) عبد الفتاح كيليطو / ت: نورالدين بوخصيبي
mohi
مدير الموقع

غير متصل حالياً
رقم العضوية : 1
عدد المشاركات : 1270
تاريخ التسجيل :
الخميس 23-09-2010
 
مراسلة الموقع الشخصي

 حرر في السبت 12-03-2011 11:23 صباحا || رقم المشاركة : 582  



تقريظ الحيلة
(في الأدب العربي الكلاسيكي)
عبد الفتاح كيليطو
ت: نورالدين بوخصيبي




تلعب الحيلة دورا بالغ الأهمية في كتاب ” كليلة ودمنة” المنسوب لبيدبا. إنها تقابل القوة بالطبع، والضعيف هو الذي يلجأ إليها، بوصفها أداة في يد من هو في وضعية نقص، وهي بهذا المعنى لا تشتغل إلا حيث تنعدم القوة. إن الأسد ليس له من مبرر، سواء في خرافات بيدبا أو في غيرها، للجوء إلى الحيلة، ما دامت قوته تضعه فوق هذا الإجراء. و مع ذلك، فهو حين يجد نفسه مهددا بأسد يخمن أنه أقوى منه أو يكاد، مستضعفا بعامل السن، غير قادر على تدبر وجوده كما يشاء، عندها لا يستطيع فعل شيء آخر غير التسلح بالحيلة، الوسيلة الوحيدة للبقاء. ولكن في هذه اللحظة، هل ما يزال أسدا بالفعل؟
تفترض الحيلة خطابا مزدوجا: أو إذا شئنا القول، فجوة بين الوجود و مظهر الوجود. و نجد أيضا، في حكايات “ألف ليلة و ليلة” عدة إحالات للثعبان، هذا الحيوان المنشطر… إن الخطاب، باعتبار الموقف الذي يحتله من يتلفظ به، ليست له نفس القيمة. وإذا كانت الشخصية المختلفة لا تكف عن الكلام، والجدال، والحجاج، وقياس الحجة وضدها، فإن ما يفرض نفسه على الملاحظة بقوة أن الأسد هو الأقل ثرثرة بين سائر الحيوانات الأخرى. إن كلام هذا الأخير يستمد قوته من ندرته. عندما يرغب الأسد في مواجهة مشكل معين، يدفع المحيطين به إلى الكلام. إنه سيد الخطاب، ولكن بمعنى أنه يثير الخطاب، يأذن به ويلزمه.
و بصفة عامة، فإن الخطاب يهدف إلى إقرار صحة وجهة نظر معينة، أو قضية ما، وإلى إقناع المخاطب بصلاحية عمل ما.
و من المفروض أيضا أن تكون للمخاطب رغبة في الاستماع. كيف بالإمكان إرغامه على الاستماع؟ باستعماله الحيلة، والحيلة التي تفرض نفسها هنا هي المحكي. المحكي فخ منصوب، حسب تعبير لويس ماران. (2) إنه الحيلة بامتياز. في “كليلة و دمنة” يتجاور التأكيد مع السرد. إن الخطاب الاستدلالي غير كاف لوحده، إنه عاجز عن التدخل بفعالية قصوى إلا إذا كان مرفوقا، ومدعوما بخطاب غير مباشر: المحكي.
لكن من يحكي؟ يمكن تصور موقفين بهذا الصدد: في الموقف الأول يكون الخصمان متساويين ( ابنا آوى مثلا) يرويان حكايات بشكل تعاقبي، ومن يمتلك أكبر حظوظ للفوز هو من يقدم المحكي الأكثر إقناعا.
و في الموقف الثاني، يتموقع المتخاطبان في علاقة تراتبية، أحدهما في مرتبة عالية و الثاني في مرتبة سفلى، أحدهما قوي والثاني ضعيف، أسد وابن آوى مثلا. من يستشعر عندئذ الحاجة لأن يحكي؟ إنه الضعيف بطبيعة الحال . القوي، النافذ، لا يحكي. وإذا كان الأسد، ملك الحيوانات يسمع الحكايات، فهو لايرويها قط. ما ذا هو بحاجة إلى حكيه ، وإلى السعي إلى الإقناع به، في الوقت الذي يستطيع فيه، بضربة قدم واحدة، أن يقضي على مخاطبه؟ إن المحكي، تماما مثل الحيلة، هو سلاح المحتاج. ونحن نجد موقفا مماثلا لهذا في حكايات “ألف ليلة و ليلة” حيث الخليفة لا يروي قط حكاية، إلا إذا خارت قواه، وصار فاقدا لسلطته، ولم يعد أسدا.
والآن، ماذا عن “كليلة و دمنة” بوصفه كتابا، بوصفه مؤلفا مركبا و مرسلا ؟… لمن؟ لأسد. إنه مكتوب بالفعل لملك هو من طلبه. إذ لا ينبغي أن ننسى أن الأسد هو الذي يأذن بالكلام أو يأمر به. و " كليلة و دمنة” ألفه عالم هو بيدبا لأجل دبشليم ملك الهند. وليس من المستغرب أن تكون العلاقة بين الرجلين علاقة جد معقدة.
ومن التيمات الأكثر رواجا في هذا المؤلف، تيمة الخطر الملازم للكلام. ينبغي مراقبة اللسان، والأفضل السكوت. مع هذه المفارقة التي تسجل مع ذلك، وهي أنه للنصح بالصمت من الضروري المرور عبر الكلام.
ليس من الجيد قول الحقيقة. أو إن الحقيقة لا يمكن أن تقال إلا من خلال احترام بعض الشروط القبلية. ذلك ما تعلمه بيدبا الحكيم بالرغم منه. عندما لاحظ أن دبشليم، ملك الهند، يتصرف كمستبد وظالم إزاء الخاضعين له، قصد قصره ذات يوم وأنبه بصرامة ( تيمة كلاسيكية للتأنيب الموجه للأمير). صرح له، بتعبير آخر بحقائقه الأربع. والعاقبة كانت سيئة، فقد رمي به في السجن على الفور، ولم يفلت من الموت إلا بإحكام. كان خطأه ( أو شجاعته، حسب السياق) هو أنه تكلم بشكل مباشر، دون لف أو دوران، مهملا حيلة المحكي. تكلم بلسان واحد عوض اللسان المزدوج للثعبان.
بيد أن الأمير كان بحاجة إلى رجل حكيم، وفي حالة ملك الهند، هناك – و هذا أمر يستحق التسجيل- الحاجة إلى الكتاب، كتاب يظل مرتبطا باسمه ويحتفي بملكه. أعطى الأمر لبيدبا لتحرير كتاب لأجله. ومرة أخرى نلاحظ أن الخطاب تابع للأمير، الخطاب الشفوي والخطاب الكتابي في نفس الآن. في حكايات “ألف ليلة و ليلة” احتالت شهرزاد كي يعبر شهريار عن رغبته في سماع حكايات، أي لكي يأذن لها بالكلام.
ألف بيدبا إذن كتابا لدبشليم. شرع من جديد في تصحيح الأمير وإصلاحه، ولكنه بدأ بتصحيح موقفه الخاص. إنه لن يخاطب الأمير مباشرة، مثلما فعل ذلك حين قام بتأنيبه، ولكنه سيخاطبه بشكل غير مباشر، بوساطة المحكي. إنه يخفي تعليمه خلف الخرافات. هاهنا، كما سجل ذلك ابن المقفع، إحدى الحيل المبتكرة من العلماء الهنود ” ليفهمهم الآخرون” و“للتعبير عن ذواتهم بكل حرية”. ذلك يعني أن الكتاب مزدوج، بمظهرين اثنين، أحدهما بارز للعيان والآخر خفي، وأنه يستدعي بالتالي قراءتين، إحداهما “ للعقول المتسرعة”، والثانية لـ” الفلاسفة”. يتعلق الأمر هنا بفن الكتابة في علاقة بالظلم، إذا نحن استعرنا عبارات ليو ستروس. (3) في سياق يكون فيه الظلم، واقعيا كان أو افتراضيا، فاعلا تغدو الحيلة فنا. والخرافة إحدى المظاهر.
والتحكم في هذا الفن لا يقي مع ذلك دائما ضد التعسف. فابن المقفع، مترجم “ كليلة ودمنة” ومؤلف عدة كتب يبسط فيها قواعد التصرف مع الأمراء، تم إعدامه سنة 757، بأمر من الخليفة العباسي المنصور.
——————

(1) On sait que cet ouvrage, d’origine hindoue, a d’abord été traduit en persan, avant d’être
traduit en arabe par Ibn al-Mugaffà , au Ville siècle. Je me réfère ici à la traduction française
d’André Miquel, Le Livre de Kalita et Dimna , Paris, éditions Klincksieck, nouvelle édition 1980.
(2) Le Récit est un piège, Paris, édifions de Minuit, 1978.
(3) La Persécution et l’art d’écrire , traduction française par O. Berrichon-Sedeyn, Press
Pocket, 1989.
المادة



توقيع ( mohi )
يارب .هئ فسحــــــــةً للعمر كي يرتاح من عطش التجارب...
من غبار البحث في الأحداق.... والأسباب..
 


رد : الحكايات على ألسنة الطير والحيوان { نظرة مقارنة }يسري عبد الغني عبد الله
mohi
مدير الموقع

غير متصل حالياً
رقم العضوية : 1
عدد المشاركات : 1270
تاريخ التسجيل :
الخميس 23-09-2010
 
مراسلة الموقع الشخصي

 حرر في السبت 12-03-2011 11:26 صباحا || رقم المشاركة : 583  



الحكايات على ألسنة الطير والحيوان
{ نظرة مقارنة }
يسري عبد الغني عبد الله




في الأدب العالمي :-
يحلو للبعض أن يطلق على فن الحكايات التي ترد على ألسنة الطير والحيوان اسم الخرافة أو الخرافات، مثلما فعل الكاتب الفرنسي الشهير (لافونتين) حيث سمى ما كتبه من حكايات على ألسنة الطير والحيوان (خرافات).
والخرافة في اللغة: الكلام المستملح المكذوب، لذلك يقال: هذا حديث خرافة .
ونجد هذه الحكايات في الآداب العالمية نثراً وشعراً، وإن كان طابع الشعر أكثر بروزاً في هذا الجانب .
ويرجع تاريخ الأدب نشأة الحكاية على ألسنة الطير والحيوان إلى اليونانيين القدماء، وكان هذا اللون من الأدب ذائع الشهرة على أيام أرسطو، وقيل أن (بابريوس) نظم 123 حكاية شعرية على ألسنة الطير والحيوان .
ثم انتقل هذا اللون الأدبي من اليونان إلى الأدب الروماني، فالشاعر اللاتيني هوراس يكتب العديد من الحكايات على ألسنة الحيوان مقتفياً بذلك أثر اليونان، مع ما كان له من اتجاه أصيل يتفرد به .
وقد حاكى الشاعر الروماني فيدروس الذي توفي سنة 44 ميلادية، الشاعر اليوناني أيوبس في نظم الحكايات شعراً ونظماً، وقد انتقل هذا التأثير من اليونانية واللاتينية إلى الآداب الأوربية في العصور الوسيطة .
وممن نظم في تلك الحكايات الشاعر الفرنسي لافونتين، ولكنه جدد في الجوانب الفنية لهذا اللون من الأدب، ووضع له الكثير من القواعد التي جعلته مثالاً يحتذي في الآداب العالمية .
وكما ازدهر هذا اللون في الغرب الأوربي فإننا نجده أيضاً قد برز في بلاد الشرق ، فيقال إن بلاد الهند سبقت اليونان في الحكاية على ألسنة الطير والحيوان، كما عرفت بعض الحكايات المصرية القديمة في هذا المجال مما يرجع تاريخه إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد ، مثل قصة (السبع والفأر) التي وجدت مكتوبة على أحد أوراق البردي بمصر .

عند العرب :-
وفي الأمثال العربية القديمة، وفي مناسبات قولها، ما يشير إلى معرفة العرب بالحكايات على ألسنة الطير والحيوان، كذلك نجد حوارات كثيرة عندما نقرأ عن مناسبات هذه الأمثلة، حيث نجد حواراً بين الإنسان والحيوان، أو الإنسان والطير .
ومع بروز هذا الفن في بلاد الهند وفي مصر، فالمقطوع به أن أدب المشرق وأدب الغرب قد تبادلا عملية التأثير والتأثر في هذا النوع الأدبي .
وفي الأدب الإيراني القديم وجدت الحكاية على لسان الطير والحيوان منذ عهد خسرو أنو شروان في القرن السادس الميلادي ، فقد ترجم في عهده أحد الكتب التي تحكي قصصاً من هذا النوع ، وهناك ترجيح أن تكون قد ترجمت عن اللغة الهندية .

عن كليلة ودمنة نتحدث :-
وعلى إثره ظهر كتاب كليلة ودمنة الذي عربه الكاتب العباسي عبد الله بن المقفع من اللغة البهلوية إلى العربية، وذلك في منتصف القرن الثامن الميلادي، وقد أحدثت ترجمة هذا الكتاب أثراً كبيراً في الأدب العربي في العصر العباسي، وما بعده من عصور .
والواقع أن حكايات كليلة ودمنة ليست حكايات فارسية الأصل فقط، بل إنها تضم حكايات من بلاد الهند والصين واليونان ومصر وبلاد العرب.. أي أنها حصاد لبعض ما روي على ألسنة الطير والحيوان في العالم كله، فهذه النوعية من الحكايات المحببة إلى الناس جميعاً من السهل أن تنتقل من مكان إلى مكان، يحكيها الناس ويصغون إليها ، وهذه سمة التراث الإنساني الذي لا وطن له .
نعود لنقول: إن تأثير كليلة ودمنة بما ضمه من حكايات عالمية حدا ببعض العرب أو غيرهم أن يقلدونه، فألف الكاتب العباسي سهل بن هارون كتاباً سماه (ثعلة وعفراء)، وألف علي بن داود كتاباً سماه (النمر والثعلب) .
وبالنسبة لكتاب كليلة ودمنة الذي عربه ابن المقفع فقد أضاف إليه حكايات لم تكن موجودة في أصله، كما أنه صبغها بالجو العربي والإسلامي ، أضف إلى ذلك أسلوبه المحكم المميز .
ولعل أهم ملاحظة يلاحظها القارئ على هذا الكتاب أنه وضع نهجاً قويماً إذا اتبعه الحاكم استطاع أن يسير بدفة بلاده نحو الأمام، ويكفل لرعيته الخير والرخاء والسعادة والهناء، فبين له المواضع التي يشتد فيها إذا احتاج الأمر إلى الشدة ، ووضح له المواقف التي يلجأ فيها إلى اللين، كما طالبه بأن يكون حليماً لا يستأثر به الغضب، ولا تدركه العجلة فلا يتنبه إلى عواقب الأمور، لأن الغضب يغشي العقل بغشاوة كثيفة لا يستطيع معها الإنسان أن يتبين حقائق الأمور واضحة جلية.. فإذا تحلى الحاكم بهذه الصفات وتلك الأخلاق تجنب الفوضى التي قد تدب في بلاده.. كما طالب ابن المقفع الحكام أن يكونوا أصحاب عهد ووفاء: فإذا عاهدوا وفوا بعهدهم، وإذا قالوا صدقوا في قولهم ..

أثر كليلة ودمنة :-
ويمتد أثر هذا الكتاب المهم حيث نجد إبان اللاحقي الشاعر العباسي يكتب كتاب كليلة ودمنة بالشعر، ثم نظمه شاعر آخر هو الشريف بن الهبارية في كتاب (الفطنة)، ويقول ابن الهبارية في ترجمته : إنها خير من ترجمة إبان اللاحقي .
ولهذه الحكايات نظم ثالث أسمه (درر الحكم في أمثال الهنود والعجم) أكمله عبد المؤمن بن حسن الصاغاني ، كما ألف ابن الهبارية على غراره كتاب (الصادح و الباغم) الذي طبع في بيروت والقاهرة .
وكذلك ألف أبو عبد الله محمد بن القاسم القرشي، المعروف بابن ظفر ، كتاباً بعنوان (سلوك المطاع في عدوان الطباع)، وذلك على غرار كليلة ودمنة .
وكثر المتأثرون بهذه الحكايات إلى أن ألف المؤرخ ابن عرب شاه، أحمد بن محمد بن عبد الله، المتوفى سنة 884 هـ كتابه (فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء) على ألسنة الحيوان .
كما ذكر صاحب كتاب (كشف الظنون) أن أبا العلاء المعري ألف كتاباً اسمه (القائف) على منوال كليلة ودمنة، وهو يقع في 60 كراسة ، لم يتمه، كما أن له كتاباً آخر يسمى (منار القائف) يتضمن تفسيراً للقائف في 10 كراسات .
وفي ( رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا ) نجد قصة (الإنسان والحيوان أمام محكمة الجان) لا تخلو من لون كتاب كليلة ودمنة الذي عرفه إخوان الصفا جيداً واطلعوا عليه وتأثروا به .
يقول المستشرق (جولد تسيهر): إن اسم إخوان الصفا نفسه قد يكون مقتبساً من كتاب كليلة ودمنة، إذ ورد هذا الاسم في صدر باب(الحمامة المطوقة).
وقد ألف كثير من الكتاب بعد ذلك عديد من القصص التي نسجت على منوال كليلة ودمنة وعلى غرار قصص: الأسد والثور، والبوم والغربان، والقرد والغيلم، والناسك وابن عُرس.. وغيرها ..
ونحب أن نشير هنا إلى أن طه حسين نشر كتاباً سنة 1950 م، في 146 صفحة ، سماه (جنة الحيوان)، وجعل الأسلوب في هذا الكتاب يجري على لسان ما فيه من حيوان، والواقع أن طه حسين لم يكن يقصد بحديثه حيواناً معيناً، أو نوعاً من الطير، وإنما كان يقصد غرضاً سياسياً في نفسه يكمن وراء قصته والحكمة التي تستخلص منها .
وكذلك يمكن أن نقول بالقياس إلى ابن المقفع، فالحرية السياسية لم تكن متوافرة في زمنه، وهو بذلك لا يستطيع أن ينقد الخليفة وبطانته نقداً صريحاً، وكان الخليفة أبو جعفر المنصور مشهوراً في ذلك الوقت بالبطش والشدة وإعمال السيف في رأس كل من تحدثه نفسه بخروج عليه، حتى كان من ضحاياه من قتل بالظن، وتذرع المنصور في قتلهم بالزندقة، وكان ابن المقفع نفسه أحد هؤلاء الضحايا في نهاية الأمر، فلعله رأى أن موقفه مع المنصور العباسي يشبه إلى حد كبير موقف بيدبا الفيلسوف مع دبشليم الملك الطاغية، ووجد بينهم وبين بيدبا كثيراً من المشابهة التي يمكن أن يجلوها هذا الكتاب، ويعبر عن دخيلة نفسه .
ولكتاب كليلة ودمنة أثره أيضاً في اللغة الفارسية الحديثة، فقد ترجم إلى الفارسية على أساس تعريب عبد الله بن المقفع له، وممن نقله إلى الفارسية أبو المعالي نصر الله، حوالي عام 1144 م، وحسين واعظ كاشفي في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، ولهذا الكتاب أثره أيضاً في الأدب الأوربي، كما يبدو لنا من تأثر لافونتين الفرنسي الكبير به .
وغني عن البيان أن الحكاية على ألسنة الطير والحيوان تقوم بالتعبير عن شخصيات أخرى إنسانية عن طريق المقابلة والمناظرة، وتعبر عن حوادث وأمور عن طريق الرمز .
وينظر إلى خصائص الشخصيات الرمزية بحيث تكون كالقناع الشفاف تظهر من ورائه الشخصيات المفقودة، وذلك كما فعل لافونتين الذي اقتبس نحو عشرين حكاية من الآداب الفارسية والهندية واليونانية وحكاها على ألسنة الطير والحيوان، وذلك في الجزء الثاني من خرافاته أو حكاياته .

شوقي متأثراً بكليلة ودمنة :-
وقد ترجم الكاتب المصري محمد عثمان جلال، المتوفى سنة 1898 م، كثيراً من حكايات لافونتين، في كتاب له سماه (العيون اليواقظ في الحكم والأمثال والمواعظ) في شعر عربي مزدوج القافية .
وسار على درب لافونتين الكاتب المصري إبراهيم العرب في كتابه (آداب العرب)، وفيه خرافات جرت على لسان الحيوان شعراً .
ومن هنا يبدو تأثر الأدب العربي الحديث بهذا النوع الأدبي منقولاً عن أدباء الغرب، إلى جانب ما عرف عن كتاب كليلة ودمنة في صورته العربية .
ويعد أمير الشعراء أحمد شوقي من البارعين في فن الحكاية على لسان الحيوان متبعاً لافونتين في طريقته التي ورثها أثناء دراسته في فرنسا.
ويمكن للقارئ أن يعقد مقارنة بين حكايات لافونتين وحكايات شوقي من ناحية المضمون، والتي جاءت في ديوان شوقي، وذلك كالحكاية على لسان الدجاج، التي تمثل أهل عصره .
والحق يقال أنه لا يصح لنا أن نتجاهل أثر حكايات كليلة ودمنة في حكايات شوقي الشعرية، رغم أن أحمد شوقي لم يعترف بذلك ، فواقع الأمر يقول غير ذلك، مع الأخذ في الاعتبار أن لافونتين الفرنسي الذي تأثر به شوقي في حكاياته تأثر دون شك بحكايات كليلة ودمنة .

وأحب أن أشير في هذا السياق إلى أنه من الموضوعات أو الفنون التي ابتكرت وشاعت في العصر العباسي الأول (751 م ـ 945 م ) فن القصص والحكايات على ألسنة الطير والحيوانات، وقد بدأ هذا الفن نتيجة للترجمة والازدهار العلمي والتقدم الفكري والحضاري في هذا العصر، وكان هدفه هو التأديب والتهذيب، وهذا واضح فيما صنعه الشاعر العباسي إبان اللاحقي من نظمه لحكايات كليلة ودمنة
.

---------------------------------
عن منتدى مطر // مع خالص الامتنان للأستاذ نقوس المهدي



توقيع ( mohi )
يارب .هئ فسحــــــــةً للعمر كي يرتاح من عطش التجارب...
من غبار البحث في الأحداق.... والأسباب..
 


رد :
mohi
مدير الموقع

غير متصل حالياً
رقم العضوية : 1
عدد المشاركات : 1270
تاريخ التسجيل :
الخميس 23-09-2010
 
مراسلة الموقع الشخصي

 حرر في السبت 16-04-2011 10:42 صباحا || رقم المشاركة : 635  





إقتباس
الكاتب :mohieesaeed
الرّائعة الشّرقيّة " كليلة ودمنة"
وتجلّياتها العالميّة
سمير فهمي كتاني



يعتبر الأدب الميدان الواسع للمعارف والاهتمامات الإنسانيّة على اختلافها، ويمكن لنا أن نلاحظ بجلاء تلك الشّموليّة الّتي يتميّز بها الأدب في مضامينه المتنوّعة في القرون الخمسة الأولى للهجرة. ويعدّ " الأدب القصصيّ " أحد أهمّ فنون الأدب العربيّ الكلاسيكيّ ،رغم الجدل الّذي احتدم بين بعض الباحثين حول مدى فنّيّة أنواع القصص والحكايات الّتي يزخر بها الأدب العربيّ القديم، ومدى توافر "السّرد" فيما يعتبر ضروبًا أدبيّة قصصيّة، كالمقامات، والحكايات، والخرافات،والأسمار، وأحاديث الأعراب، والشّعر القصصيّ، وما إلى ذلك. وتعتبر قصص كليلة ودمنة من أ ول النصوص النثرية القصصّية المدّونه لدى العرب، التي تعتمد على الخيال، والمنطويه على الحكمة في إطار من التورية والرمزية.إذ يعود ظهورها في الأدب العربي إلى القرن الثاني الهجري. ولقد أجمع الباحثون على اعتبار قصص كليلة ودمنة " خرافات". والخرافة حكاية رمزيّة ذات طابع خلقيّ وتعليميّ، تظهر فيها شخصيّات وأحداث ما هي إلاّ سواتر للشّخصيّات والأحداث الحقيقيّة المقصودة. من أجل ذلك يكون القناع الّذي تتستّر من ورائه هذه الشّخصيّات والأحداث غير سميك، حتّى لا تنطمس الغاية الرّمزيّة من القصّة. والخرافة تحكى على لسان الحيوان أو النّبات أو الجماد، ويلعب هذا " الكائن" غير الإنسانيّ دور البطولة فيها، وتعتمد على السّرد المباشر المؤدّي إلى الإقناع والتّأثير في النّفوس، بغية إيصال المغزى إلى القارىء. فالغاية التّعليميّة هي ما يطمح الرّاوي إلى تحقيقها بشكل أساسيّ. ويتّخذ الرّاوي من المغامرات العجيبة والأشياء الخياليّة موضوعًا له، دامجًا في ذلك بين خياله وإحساسه من ناحية، ومواقفه من الحياة من ناحية أخرى. ويرى البعض أنّ الخرافة " الفابولا " تشمل أنواعًا من الخرافات، منها القصّة الحيوانيّة الّتي لا مغزى لها، والقصّة الحيوانيّة ذات المغزى والموازية " للموعظة "، والقصّة الخياليّة بوجه عام ،وإن لم تحو العنصر الحيوانيّ. هذا وتتماثل " الخرافة " و" الموعظة " في الغاية التّعليميّة والتّهذيبيّة الّتي تهدف إليها كلّ منهما. ولا فرق بينهما سوى كون الخرافة أقلّ تعقيدًا وتركيبًا من الموعظة، واحتوائها على السّرد القصصيّ كأساس فنّيّ للرّواية، وإن كان هذا السّرد يختلف عنه في كلّ من أدب الرّواية والأقصوصة، من حيث أنّه يحاول التّحرّر من الواقع اعتمادًا على الخوارق والأحداث غير الواقعيّة. هذا ويمكن لنا أن نلمح " للفابولا " وجهين اثنين: الأوّل مادّيّ، يتضمّن الظّاهر من القصّة فيما يتعلّق بالأقوال والأفعال المسلّية المعزوّة إلى الحيوان، والثّاني معنويّ روحانيّ، يتجلّى في المغزى أو الموعظة الّتي يريد الرّاوي أن يلفت انتباه المرويّ له إليها. ولقد اختلفت الآراء في البيئة الّتي نشأ فيها الأدب الخرافيّ العالميّ، فرأى بعض الباحثين أنّ منشأ هذا النّوع الأدبيّ غربيّ، إذ يعزو أصوله إلى الأدب اليونانيّ، الّذي أثّر في الأدب الّلاتينيّ في هذا الجنس من الأدب، وقد تمّ التّعرّض بالدّراسة والمقارنة لأعمال أدبيّة متعدّدة، من أبرزها:
1. خرافات وضعها الشّاعر" هيزيودس " في القرن الثّامن قبل الميلاد.
2. خرافات " إيسوبس " الموضوعة في القرن السّادس قبل المبلاد.
3. خرافات " باريوس " المنظومة شعرًا في القرن الأوّل الميلاديّ.
4. خرافات " فيدروس " المنظومة شعرًا أيضًا، في القرن الأوّل الميلاديّ.
5. لافونتين ( 1621-1695) الفرنسيّ، الّذي يعدّ من أكبر وأشهر واضعي الخرافات في الأدب العالميّ.
أمّا غالبيّة الباحثين، فقد ذهبوا إلى أنّ منشأ هذا النّوع الأدبيّ إنّما هو شرقيّ، واختُلف بينهم في تحديد الحضارة الشّرقيّة ذات السّبق في هذا المضمار. فهناك من رأى أنّ منشأ هذا الفنّ مصريّ فرعونيّ، حيث وجدت بعض هذه الحكايات على أوراق البردي، أو صوّرت على جدران المعابد والقبور. وهناك من يرى أنّ منشأ هذه الحكايات هنديّ - وهو رأي كان له حظّ وافر من الرّواج بين أوساط الباحثين - وأنّ هناك آثارًا خرافيّة هنديّة قديمة تدلّ على ذلك، ومنها:
1. كتاب "جاتاكا"، ويعدّ أقدم ما وصل من الحكايات الخرافيّة الهنديّة، يعود وضعه إلى القرن السّابع، أو التّاسع الميلاديّ. وهو يحكي تاريخ تناسخ "بوذا" في أنواع مختلفة من الحيوانات والطّيور، قبل وجوده الأخير مؤسّسًا للدّيانة البوذيّة .
2. كتاب "تانترا خياييكا"، ويعود وضعه إلى ما بين القرنين الثّاني والخامس الميلاديّين.
3. كتاب "بنج تانترا" ( أي الأسفار أو القصص الخمس)، ويعود وضعه أيضًا إلى ما بين القرنين الثّاني والخامس الميلاديّين. ويبدو أنّه كان الأصل الأوّل لكتاب "كليلة ودمنة"، إذ أنّ مبناه ومضمونه يشبهان مبنى ومضمون كتاب كليلة ودمنة إلى حدّ كبير.
4. كتاب "هتوباديسيا"، ويعود تدوينه إلى ما القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديّين، وهو أقدم كتاب هنديّ قلّد كتاب "بنج تانترا" المذكور أعلاه، إذ اقتبس منه خمسًا وعشرين قصّة .
وهناك من الباحثين من يرى أنّ أصل الخرافات فارسيّ، إلاّ أنّ أغلبيّة الشّواهد تدلّ على أنّ الفرس قد نقلوا الكتاب عن الهند، ومنها وجود كتاب "البنج تانترا" ذي الأصل الهنديّ، وفكرة تناسخ الأرواح الّتي كانت سائدة في الهند، ووفقها لا يستنكر أن يُبعث الإنسان متقمّصًا شخصيّة حيوان أو طائر ويتحدّث بلسانه. كما أنّ "أدب الحكمة" قد أثر عن الهند في غير موضع من كتب أصول الأدب. سبب وضع كتاب " كليلة ودمنة": لقد قلنا آنفًا إنّ أصل الكتاب هندي فيما يرجّح، وهو كتاب " البنجتانترا" المذكور. وقد وضع الكتاب فيلسوف هنديّ هو " بيدبا"، من أجل ملك الهند " دبشليم" ، وقد ورد ذلك في مقدّمة كتاب كليلة ودمنة، الّتي وضعها عليّ بن محمّد بن شاه الظّاهريّ، وكان رجلا أديبًا " طيّبًا غاية في الظّرف واللّطافة ". وهذه المقدّمة الطّويلة تتضمّن بعض الأساطير الّتي خلّفتها فتوحات الإسكندر المقدونيّ في بلاد الشّرق، وقد قصد مؤلّفها تبيان سبب وضع كتاب كليلة ودمنة، ويذكر أنّ " دبشليم" قد ملك الهند بعد فتح الإسكندر، وقد ظلم العباد، وكان في قصره رجل حكيم فاضل من " البراهمة " يدعى " بيدبا "، لم يرضه ما يصنع الملك مع النّاس، فنصحه، فعاقبه الملك بالسّجن، ولكنّه ما عتم أن ندم على ذلك، فأطلق سراحه واتّخذه وزيرًا له، فوضع " بيدبا " سنن العدل في البلاد، فاستقام الحكم، وأمن النّاس الظّلم. ولمّا رأى " دبشليم" حسن سياسة " بيدبا " أمره بوضع كتاب في سياسة الرّعيّة وتهذيب الأخلاق، يتضمّن ضروب الحكمة والمثل، ويجعله على لسان الحيوان، فقام " بيدبا" بوضع الكتاب مستعينًا بتلامذته، مستغرقًا في ذلك حولا كاملاً، فأراد الملك مكافأته، إلاّ أنّ " بيدبا " رفض ذلك طالبًا من الملك أن يأمر بتدوين كتابه والحرص على الحافظة عليه، فأمر الملك أن يحفظ الكتاب في خزائنه، حتّى مرّت ثمانية قرون، قبل أن يطّلع عليه الفرس. يتجلّى لنا إذن أنّ الغايتين من دعوة " دبشليم" " بيدبا" إلى وضع الكتاب هما :
1. تربية العامّة على طاعة الملك.
2. بيان حسن سياسة الملك للرّعيّة.
أمّا عن كيفيّة وصول الكتاب إلى الفرس، فإنّ " ابن المقفّع" يحدّثنا في مقدّمة " كليلة ودمنة" أنّ " كسرى أنوشروان" كان محبًّا للعلم والأدب، وحدث أن سمع بأمر كتاب الهند في الحكمة، فأنفذ " برزويه" رأس أطبّاء فارس إلى الهند لاستنساخ الكتاب، فقضى " برزويه" سنتين متواليتين في تلك البلاد يبحث عن الكتاب متلطّفًا باذلاً لحكماء الهند حتّى وجد ضالّته المنشودة في خزانة الملك، وذلك بمساعدة خازنه، فنقله متحايلاً، ثمّ عاد به إلى كسرى، فأعجب به إعجابًا شديدًا، وأمر بإقامة حفل دعا إليه خواصّ حاشيته وأشراف مملكته، وأجلس " برزويه" على سريره، وأمر أن تفتح له خزائن الياقوت والمرجان يأخذ منها ما شاء، ولكنّ " برزويه" يأبى أن يأخذ مكافأة ماليّة، ويرجو أن تكون مكافأته أن يكتب وزيره الفيلسوف " بزرجمهر" ترجمة لحياته يجعلها بابًا من أبواب الكتاب تخليدًا لذكراه. ولا يخفى على القارىء هذا التّشابه بين رفض كلّ من " بيدبا " الهنديّ و" برزويه " الفارسيّ للمكافأة المادّيّة، وهذا يقودنا إلى استنتاجين:
1. أنّ "بهنوذ بن سحوان" واضع المقدّمة الأولى للكتاب قد اقتبس من ابن المقفّع هذه الفقرة عن مكافأة " برزويه".
2. أنّ الحكمة والمعرفة هي خير من المادّة والمال، ويظهر ذلك من خلال تأكيد الحكيم على هذه الفكرة، سواء أكان الحكيم هو " بيدبا" أم "برزويه" أم " ابن المقفّع".
ولكن يذكر الباحثون أنّ هناك رواية أخرى لقصّة نقل الكتاب إلى الفارسيّة، مستندين إلى رواية الفردوسيّ في كتابه " الشّاهنامه"، مفادها أنّ "برزويه" كان طبيبًا كثير الاطّلاع على كتب الطّبّ، فقرأ أنّ بالهند جبلاً ينمو عليه عشب يحيي الموتى، فسارع إلى " كسرى أنوشروان " يبلغه بالأمر، فأنفذه إلى الهند، وهناك يعلمه ملوكها أنّ المعنى هو مجازيّ، إذ المقصود أنّ إحياء الموتى إنّما يتمّ عن طريق قراءة وتدبّر كليلة ودمنة، ويسمح له الملوك بالاطّلاع على الكتاب ونسخه. وقد نتساءل: لماذا لجأ " بيدبا" ( سواء كان وجوده حقيقيًّا أم لا) إلى استخدام الرّمز على ألسنة الحيوان في تأليفه " كليلة ودمنة"؟ والإجابة عن هذا التّساؤل تدور حول عدد من الافتراضات، من أهمّها:
1. انعدام الحرّيّة والشّعور بالأمان لدى المؤلّف. والظّاهرة معروفة، إذ لا يجرؤ المؤلّف على التّعبير عن نفسه بصراحة إذا ما خاف من جور السّلطان، فيلجأ إلى الكناية والرّمز.
2. ترغيبًا للعامّة في قراءة الكتاب وفهم معانيه، إذ يغلب على العامّة طابع السّذاجة والبعد عن الحكمة والرّويّة. وهم غالبًا ما ينفرون من قراءة الكتب الجادّة.
3. إظهار خيالات الحيوانات بصنوف الأصباغ والألوان ، ليكون أنسًا لقلوب الملوك، ويكون حرصهم عليه أشدّ للنّزهة في تلك الصّور.
4. رغبةً في إحياء التّراث الفارسيّ، إذ من المعلوم أنّ " ابن المقفّع" كان يعدّ من الشّعوبيّين الّذين تباهوا بحضارة آبائهم وأجدادهم، ولعلّه ذهب إلى نشر وتمجيد حكايات الحيوان كجزء من حضارة الفرس القائمة على فنون القصّ والخيال.
5. رغبةً في الوصول بالمتعلّم إلى جادّة الصّواب والحكمة، فلا بدّ من أجل ذلك من تبسيط الأسلوب أمام المتعلّم، وجعله قريبًا من نفسه. فطريقة التّعليم تقوم في العادة على أساس الشّرح والتّوضيح التّفصيليّين للأشياء، وقد يكون من المناسب استخدام التّورية والرّمز والتّمثيل.
ويقودنا الحديث إلى التّساؤل الجديد: لمن وضع الكتاب بالتّحديد؟ هل وضع للعامّة من النّاس أم للخاصّة؟ ونجد الإجابة في باب عرض الكتاب، ويذكر فيه " ابن المقفّع" أنّ العلم في حدّ ذاته غاية يجب أن يصل إليها الإنسان، وهنا يمكن أن نفهم أنّ الإنسان المقصود هو أيّ إنسان، من العامّة كان أم من الخاصّة، ولكنّه يذكر بعد ذلك، أنّ العلم وحده لا ينفع الإنسان، فلا بدّ له من العمل بما يعلم، وهنا يعترف " ابن المقفّع " بأنّ القلّة من النّاس " العالمين" تعمل بما تعلم، وهذه الفئة القليلة هي الفئة النّيّرة الّتي تحظى بالسّعادة حتمًا. ويمكن لنا أن نستشفّ نظرة " ابن المقفّع" إلى القارىء - قارىء كليلة ودمنة-، فهو يصنّف القرّاء إلى ثلاثة مستويات :
" القارىء " البدائيّ" الّذي يتوقف عند السّرد – أسلوب الهزل والّلهو-، أي عند الأحداث السّرديّة في حدّ ذاتها .
والقارىء الفطن الّذي يتجاوز مرحلة السّرد ويهتدي إلى الحكمة ويتوقّف عندها.
والقارىء العاقل الّذي يستوعب الحكمة ويخضع سلوكه لأوامرها ونواهيها.
إذن، من الواضح أنّ الكتاب إنّما أعدّ للغرض التّعليميّ التّربويّ، والتّعليم والتّربية ليسا حكرًا على طبقة دون طبقة، وإن كانت طبقة الخاصّة أسرع وصولاً إلى التّربية والثّقافة والكتاب، بحكم المكانة الاجتماعيّة والمادّيّة الّتي تتمتّع بها. أسلوب وفنّيّة كتاب " كليلة ودمنة": يمكننا تبيان مبنى كتاب كليلة ودمنة بشيء من الإيجاز - رغم أنّ هذا الجانب من النّقاش يحتاج إلى بحث مستقلّ-، فنقول إنّه يتميّز من ناحية المبنى بما يلي:
1. وجود قصّة إطار تحوي القصص الدّاخليّة جميعها، وتجمع بينها. وهذه القصّة هي قصّة " دبشليم" الملك " وبيدبا" الفيلسوف، اللّذين نصادفهما في مطلع كلّ قصّة جديدة. هذه القصّة الإطاريّة الثّابتة المستندة إلى الحوار تشكّل بمثابة نظام يجمع بين القصص المتنوّعة، ذات الشّخصيّات والأحداث المتعدّدة والمتغيّرة.
2. استخدام لفظة " زعموا" في مطلع أغلب القصص . وهذه اللّفظة من شأنها أن تدلّ على ما يلي:
أ. أنّ الرّاوي ( "بيدبا" أو "ابن المقفّع") يظهر أنّ مصدر الرّواية- وهي رواية تنطوي على الحكمة- مجهول، فهو غير مسمًّى. ويفترض أن يكون حكيمًا، ومدعاة إلى ثقة الرّاوي، لأنّه يستشهد به دائمًا .
ب. أنّ مصدر الحكمة هو جماعة من النّاس، ومن شأن الجماعة أن يكونوا أقوى تأثيرًا من الفرد في المجتمع. وبما أنّ المجتمع الّذي ينشده واضع الرّوايات هو المجتمع الفاضل المثاليّ، كان من المنطق نسبة الرّوايات إلى ضمير الجمع الغائب.
ج. ومصدر الرّواية هذا قديم، ولعلّه موغل في القدم، إذ أنّ الفعل المستخدم هو الماضي، مسندًا إلى ضمير الجمع الغائب، والحكمة الّتي يوثق بها أكثر من غيرها، هي تلك الدّارجة على الألسن، منسوبة إلى حكماء مجهولين. والسّلوك المحمود هو الّذي يكرّر النّماذج السّالفة المحمودة .
د. وهذا الجهل بالرّاوي قد يكون مقصودًا، إذ أنّ التّورية غاية في حدّ ذاتها هدف إليها واضع الكتاب، والرّاوي المجهول قناع يتستّر خلفه مؤلّف الرّواية الحقيقيّ.
هـ. ولعلّه من غير المهمّ معرفة هويّة الرّاوي، بقدر ما هي مهمّة معرفة الحكمة المرويّة وفهمها.
3. تداخل الحكايات: فكلّ حكاية رئيسيّة تحوي حكايات فرعيّة، كلّ منها قد يحوي حكاية أو أكثر متداخلة فيها. وينتج عن ذلك دخول شخصيّات جديدة إلى المتن الحكائي بلا انقطاع، ولأدنى مناسبة.
4. تناسي الكاتب للرّمز، فيسهب في الحديث عن المرموز إليهم من النّاس في الحكاية، غافلاً عن شخصيّاته الرّمزيّة الحيوانيّة أو غير الحيوانيّة.
5. بساطة الأسلوب، ووضوح الفكرة، والبعد عن التّزويق والتّرصيع المعروفين عن الكتّاب الفرس بصورة عامّة، رغم الأصل الفارسيّ " لابن المقفّع"، ولعلّ ذلك عائد إلى نشأته بين أحضان بني تميم ، القبيلة العربيّة ذات الطّبع اللّغويّ، فابتعد عن التّصنّع والتّكلّف، (حتّى في مؤلّفاته الأخرى: الأدب الكبير والأدب الصّغير، ورسائله المختلفة). وقد صرّح " ابن المقفّع" نفسه أنّ البلاغة قد تكون في سهولة الألفاظ أحيانًا، وتكون في الإيجاز دائمًا.
6. تعليقات " ابن المقفّع" أو " بيدبا" الختاميّة على الأحداث، وهذه التّعليقات تتراوح بين كونها تدخّلاً صريحًا أو تلميحًا من خلال إحدى الشّخصيّات الرّمزيّة.

تأثير " كليلة ودمنة" على الأدب العربيّ:

لقد فتح ابن المقفع بكتابه "كليلة ودمنة "الباب على مصراعيه أمام هذا الضرب القصصي المعتمد على شخصيات من عالم الحيوان، فسرعان ما ظهرت محاولات عديدة في هذا المضمار، مضمار المثل الخرافيّ " الفابولا" نظما ونثرا، تحاكي كليلة ودمنة وتسير على منواله. ونحاول ههنا بشيء من العجالة تتبّع أبرز هذه المحاولات، حتّى يتسنّى للقارىء الاطّلاع على أهمّيّة كتاب " كليلة ودمنة" في الأدب العربيّ من حيث تأثيره فيه. أمّا أبرز محاولات المحاكاة فهي:
1. نظم كليلة ودمنة لأبان بن عبد الحميد اللاّحقي (ت 200هـ/815م)، فقد نظم الكتاب في خمسة آلاف بيت من الشّعر . ويبدو أنّ نظم الكتاب يشير إلى رواج سوق الشّعر وقوّة سلطانه في القرن الثّاني الهجريّ، حيث اختار الشّاعر إعادة سرد الحكايات الواردة في كليلة ودمنة شعرًا، بعد أن وردت نثرًا مطلقًا .
2. " كتاب ثعلة وعفراء"، الّذي وضعه " سهل بن هارون" (215هـ/815م)، ولم يصلنا هذا الكتاب .
3. " كتاب النّمر والثّعلب"، وهو منسوب إلى " سهل بن هارون" أيضًا.
4. " رسالة الصّاهل والشّاحج " لأبي العلاء المعرّيّ (449هـ/1057م)، الّتي تعدّ من أعلى مؤلفات المعرّيّ قيمة. 4. كتاب" القائف" وكتاب " منار القائف"، وهما كتابان للمعرّيّ لم يصلانا.
5. كتاب " مضاهاة أمثال كتاب كليلة ودمنة بما أشبهها من أشعار العرب "، وهو كتاب لليمنيّ ( 400هـ/ 1015)، وهو ينزع فيه نحو التّعصّب للعرب في معركتهم ضدّ الشّعوبيّة، في وقت انبرى فيه العلماء العرب ينفون ما يزعمه الفرس من أنّ مصدر الحكمة والأمثال في الأدب العربيّ هو الحضارة الفارسيّة السّاسانيّة .
6. كتاب " فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظّرفاء "، وضعه " ابن عرب شاه" ( 854هـ/ 1450م)، وهو آخر كتاب في التّراث العربيّ وضع على لسان الحيوان، ويعود تأليفه إلى ما يعرف بفترة الأدب المملوكي، أي ضمن العصر الّذي يطلق عليه اسم " عصر الانحطاط". والكتاب ترجمة حرّة عن الفارسيّة لكتاب " مرزبان نامه"، الموضوع في القرن الرّابع الهجريّ. ويتناول الكتاب مجموعة من الحكايات التّعليميّة على ألسنة الحيوانات، وفيه إلى جانب ذلك نصائح للملوك، وحديث عن العدل والعقل ..
7. نظم " ابن الهبّاريّة" ( 509 هـ/ 1015م) لكليلة ودمنة، ضمن كتابه المسمّى: " نتائج الفطنة في نظم كليلة ودمنة".
8. كتاب" الصّادح والباغم" لابن الهبّاريّة، وهو أرجاز تدور حول الحيوانات وبعض الشّخصيّات الإنسيّة الرّمزيّة.
9. رسالة تداعي الحيوان على الإنسان، وهي رسالة فلسفيّة "لإخوان الصّفّا" ، إحدى رسائلهم الإحدى والخمسين، وتضمّ خمسة وستين فصلا. وقد تأثر واضعوها بكليلة ودمنة، ولكنهم في الوقت ذاته حاولوا ملاءمة الرسالة مع مبادئهم الفلسفية الخاصة بهم. وتسمية "إخوان الصّفا" بهذا الاسم مقتبس فيما يبدو من إحدى حكايات كليلة ودمنة، حيث ورد الاسم فيها .
10. كتاب الأسد والغوّاص"، وهو لمؤلّف مجهول ربّما لم يصرّح باسمه خوفًا من بطش السّلطة)، والكتاب يهدف إلى نقد الأوضاع السّياسيّة والدّينيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، ويبدو أنّ تأليفه يعود إلىفترة حكم البويهيّين في العراق. والغوّاص اسم لابن آوى. والقصّة الإطاريّة متأثّرة بحكاية الأسد والثّور في كليلة ودمنة.
11. كتاب "سلوان المطاع في عدوان الأتباع"، وهو كتاب "لابن ظفر الصّقلّيّ (ت565هـ)، وأهداه إلى أحد قادة صقلّيّة، وفيه حكايات متعدّدة على ألسنة الحيوان، ذات مغزى سياسيّ وأخلاقيّ وتربويّ.
12. "كشف الأسرار عن حكم الأطيار والأزهار"، وهو كتاب لعزّ الدّين بن عبد السّلام (ت678). ينطوي الكتاب على مواعظ وعبر على ألسنة الحيوانات .
13. حكايات ألف ليلة وليلة، الّتي تدور على ألسنة الحيوان، حيث نجد عدّة حكايات كهذه، يلعب فيها الحيوان دور البطولة.

ولا يسعنا في هذا المقام الاستفاضة في تعداد المؤلّفات المتأثّرة بكليلة ودمنة في الأدب العربيّ، وذلك نظرًا لكثرتها. هذا وقد أثّر كتاب كليلة ودمنة في الأدب الفارسيّ، بعد أن تُرجم الكتاب عدّة ترجمات إلى اللّغة الفارسيّة، من أبرزها ترجمة: الكاشفي المعروفة باسم " أنوار سهيلي"، وترجمة " أبي المعالي نصر" المعروفة باسم" كليلة ودمنة بهرامشي". ومن ثمّ توالت الكتب الفارسيّة المتّصلة بكليلة ودمنة، سواء كانت شروحًا للنّصّ العربيّ، أو كانت تهذيبًا للتّرجمة الّتي قام بها أبو المعالي نصر الله، أو تهذيبًا "لأنوار سهيلي". يمكننا إذن أن ندرك ما لكتاب " كليلة ودمنة " من أهمّيّة في الدّراسات الأدبيّة المقارنة من جهة، وفي الأدب العربيّ بشكل خاصّ من جهة أخرى. وربّما يشير الكتاب إلى التّرابط الفكريّ الحضاريّ بين الشّعوب، الّذي يتجلّى في نقل الموروث من جيل إلى جيل، ومن مكان إلى مكان.


قائمة المراجع:

1. ابن قتيبة، أبو محمّد عبداللهّ، المعارف، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1992.
2. ابن المقفّع،عبد اللهّ، كليلة ودمنة، المكتبة الثّقافيّة، د.ت.
3. كليلة ودمنة، تحقيق: لويس شيخو، بيروت، 1923.
4. ابن النّديم، الفهرست، دار المعرفة، بيروت، د.ت.
5. إبراهيم، مجدي محمّد شمس الدّين، كليلة ودمنة بين الأصول القديمة والمحاكاة الشّرقيّة، دار الفكر العربيّ، القاهرة، د.ت.
6. البيرونيّ، تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، دائرة المعارف العثمانيّة، حيدر أباد، الهند، 1958.
7. جمعة، بديع محمّد، دراسات في الأدب المقارن، دار النّهضة العربيّة، بيروت، 1980.
8. الحصريّ، زهر الآداب وثمر الألباب، المكتبة العصريّة، صيدا، 2001.
9. حمد اللهّ، محمّد عليّ، الأسلوب التّعليميّ في كليلة ودمنة، دار الفكر، دمشق، 1970. 10. حميدة، عبد الرّزّاق، قصص الحيوان في الأدب العربيّ، الأنجلومصريّة، القاهرة، 1951.
11. الخراسانيّ، محمّد غفرانيّ، عبد اللهّ بن المقفّع، الدّار القوميّة للطّباعة والنّشر، القاهرة، د.ت.
12. درويش، أحمد، نظريّة الأدب المقارن وتجلّياتها في الأدب العربيّ، دار غريب للطّباعة النّشر، القاهرة، 2002.
13.ذهني، محمود، القصّة في الأدب القديم، مكتبة الأنجلو المصريّة، القاهرة، 1973. 14. سعد الدّين، ليلى، كليلة ودمنة في الأدب العربيّ، مكتبة الرّسالة، عمّان، د.ت.
15.سعيد، نفوسة زكريّا، خرافات لافونتين في الأدب العربيّ، مؤسّسة الثّقافة الجامعيّة، الإسكندريّة، 1976.
16. سويدان، سامي، في دلاليّة القصّ وشعريّة السّرد، دار الآداب، بيروت، 1991.
17. الشّهرستانيّ، الملل والنّحل، المكتبة العصريّة، صيدا، 2000.
18. ضيف، شوقي، العصر العبّاسيّ الأوّل، دار المعارف، القاهرة، د.ت.
19. عابدين، عبد المجيد، الأمثال في النّثر العربيّ القديم، مصر، 1956.
20.عبد النّور، جبّور، المعجم الأدبيّ، دار العلم للملايين، بيروت، 1984.
21. كيليطو، عبد الفتّاح، الأدب والغرابة، دار الطّليعة للطّباعة والنّشر، بيروت، 1982. 22. الحكاية والتّأويل- دراسات في السّرد العربيّ، دار توبقال للنّشر، الدّار البيضاء، 1988.
23. المسعوديّ، أبو الحسن عليّ بن الحسن، مروج الذّهب ومعادن الجوهر، المكتبة الإسلاميّة، بيروت، د.ت.
24.النّجّار، محمّد رجب، التّراث القصصيّ في الأدب العربيّ، منشورات ذات السّلاسل، الكويت، 1995.
25. ندا، طه، الأدب المقارن، دار المعرفة الجامعيّة، ( مصر)، 1996.
26. هلال، محمّد غنيمي، الأدب المقارن، دار العودة، بيروت، 1999.
27. اليمنيّ، أبو عبد اللهّ محمّد بن حسين، كتاب مضاهاة أمثال كتاب كليلة ودمنة بما أشبهها من أشعار العرب، دار الثّقافة، بير وت، د.ت.
28. شاخت، وبوزورث، تراث الإسلام، ترجمة: حسين مؤنس وزميليه، عالم المعرفة، الكويت، 1978.
29. Grunebaum, G. E. Von, “ The Spirit of Islam as Shown in Its Literature”, Studia Islamica, vol 1,( 1953),pp 110-119. 30. Kramers, J.H., “ Marzban-nama”, EI, New Edition, vol 6, pp:632-633.

--------------------------
عن منتدى مطر




توقيع ( mohi )
يارب .هئ فسحــــــــةً للعمر كي يرتاح من عطش التجارب...
من غبار البحث في الأحداق.... والأسباب..
 


إضافة تعليق
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub  2   
   

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :

التبليغ بالبريد الإلكتروني نعم لا
تفعيل توقيعك الشخصي نعم   لا
 
محيى الدين سعيد في فيس بوكمحيى الدين سعيد في رتّبmohideen-saeed.net in Google.comتواصل مع محيى الدين سعيدخلاصات المواقع RSSفيديو  يوتيوب على محيى الدين سعيد

تصميم وإستضافة / مهدي العقلاني اليوسفي |