في حضرة البردوني الغائب الحاضر       أيها الواعظ ل الشاعر اليمني الفذ عبد الله عبد الوهاب نعمان (الفضول )       يا ظبي حوران .. ل الشاعر :حبيب الزيودي       أجمل مائة بيت شعر في الغزل والعشق والحب حسب المترجم       لبست فستانها الاحمر في دلٍ وقالت هيت لك,       عذابات خفاش ل شعر : د.جاسم محمد جاسم       ذيل لقافلة لن تصل...تهويمات ذاكرة في ذكرى المولد ل د جاسم محمد جاسم       أدونيس: أنا مع الثوريين ولا أتحدث بلغتهم ... مع غاندي وليس جيفارا       قراءة في برج الارنب ل د.جاسم محمد جاسم       عبقرية تعز بقلم/صالح البيضاني    
    البكاء بين يدي زرقاء اليمامة ل أمل دنقل -       يوميات جازع فيسبوك ل محيي الدين سعيد       ثلاث قصائد علي العامري       الشرف والتحية للجنود البواسل ...من اناشيد الثورة اليمنية       خيانات المعنى ل صبحي حديدي       حوار مع الكاتب الإيطالي أنطونيو تابوكي: لا أعلق آمالا على الخلود!       كتاب عن جان بول سارتر يضم أبحاث مئويته       وفقدت يا وطني البكارة ل نزار       قصائد عن الشعر والشاعر ترجمة محمد حلمي الريشة       من كتب التوراة؟ واسئلة قرآنية مجاورة ل حبيب عبد الرب سروري    
 
    من  :   http://taakween.blogspot.com/ ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||   mohieesaeed  من  :   ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||   mohiee  من  :   ||||||     من  :   ||||||     من  :   ||||||   mohiee  من  :   ||||||     من  :   ||||||   mohiee  من  :   |||||| 
تسجيل الدخول: نسيت بياناتي ؟

 الناقد والباحث اليمني محيى الدين سعيد » المنتديات » المنتديات العامة » المنتدى العام

المشاركة السابقة : المشاركة التالية
» محمد عبدالواسع الأصبحي يتذكر 7
mohi
مدير الموقع

غير متصل حالياً
رقم العضوية : 1
عدد المشاركات : 1270
تاريخ التسجيل :
الخميس 23-09-2010
 
مراسلة الموقع الشخصي

 حرر في الجمعة 19-08-2011 04:33 مساء - الزوار : 925 - ردود : 8



محمد عبدالواسع الأصبحي يتذكر
الإثنين 31 ديسمبر-كانون الأول 2007
الحـلـقــة7

لقد كتب الأستاذ المرحوم- محمد عبدالواسع الأصبحي، عن الآخرين في مذكراته أكثر مما كتب عن نفسه، فأبرز رجالاً كان حظهم من البروز أقل مما هم به جديرون، ونوه برجالٍ لا يكادُ أكثر الناس يعرفون عنهم شيئاً.. ومن العدل أن نقرر بأن لكل من يكتبون «المذكراتِ» أو «السيرة الذاتية» الحق في أن يتحدثوا بضمير المتكلم، وإلا لما سميت هذه المؤلفات بالمذكرات ولا بالسير الذاتية، ولكن الميزان في هذا المجال دقيق وحساسٌ، فإذا اختل التوازن هنا، ثقلت كفة «الأنا» أو «الذات» ثقلاً تصبح معه عبئاً باهظاً على التاريخ وعلى القارئ.. وبمقابل ذلك تخف كفة «الهو» أو «الغير» خفة مجحفة بحق التاريخ وبحق القارئ في المعرفة الصحيحة.
ولقد أمسك الأستاذ محمد بالميزان، إمساك الصادق الأمين، الذي تهمهُ أولاً وقبل كل شيء الحقيقة الصادقة، والمصلحة الوطنية، وحق القارئ في الاطلاع على حقائق التاريخ المجردة من عبث الأغراض وتسلط الأهواء، وهذه درجة رفيعة لا يصل إليها إلا القليلون من الخائضين في هذا الميدان من ميادين الكتابة التي تتطلب قدراً عظيماً من النزاهة والإحساس بالآخرين.. وسيجد القارئ الكريم، ما يكفي من الأمثلة التي تبرهن على هذه السوية الرفيعة التي وصل إليها كاتب هذه المذكرات.
كما أن القارئ سيقف أمام بعض الحقائق الإقليمية التي تشمل البحر الأحمر وخاصة في شطره الجنوبي وما جرى على ساحله الشرقي في اليمن وساحله الغربي الذي تقع عليه بعض دول ومناطق شرق أفريقية وما كان يدور في شرق أفريقية من الصراع الاستعماري الذي أدى إلى نشوء دول واختفاء أخرى وهو لا تزال رحاه تدور أمام أعيننا إلى هذا اليوم.. ولن يسع القارئ إلا أن يشعر بالإعجاب إلى حد الدهشة، لما أبرزه الأستاذ محمد عبدالواسع الأصبحي، من أخبار اليمنيين في تغريبتهم الحديثة التي بلغوا بها أصقاع الأرض، وما قابلوه من أهوال تتضعضع أمامها الجبال، ولكنهم قابلوا كل ذلك بصبر عظيم، وجلدٍ لا يذل ولا يهون، وبقدرة على التكيف مع عالم غريب ينكرهم وينكرونه، وينفيهم فيقتحمونه، مما ينبئ عن معدن صلب عريق لهذا الشعب الذي أنجب هؤلاء الرجال، ويبشره بمستقبل زاهر مجيد رغم كل ما يحيط به من مكر الأعداء وقسوة الظروف.. ولو كان لي أن أوجه نداء لهتفت.. نداء.. نداء..: أيها اليمنيون اقرأوا مذكرات المناضل الحر الأستاذ «الخال» محمد عبدالواسع حميد الأصبحي المعافري الحميري اليمني، من هذه المنطلقات، وستجدون فيها طاقة خلاقة قوية، تدفع بالمسيرة إلى الأمام بثقة ماضية وجباه عالية.
دمشق 21-5- 1996مــ مطهر الإرياني
«الجمهورية» تعيد نشر هذه المذكرات لرجل ساهم بقسط وافر في خدمة الوطن واستذكر ملامح وشواهد من التاريخ المعاصر لليمن والظروف المحيطة بتلك المرحلة وهي مذكرات أحق أن يقرأها هذا الجيل الذي لا يعلم حجم تلك التضحيات وطبيعة الظروف فضلاً عن اتسامها بالأسلوب الأدبي الشيق في رواية الأحداث والأسماء
تحرير الجواري
أتذكّر أن مشاكل اليمنيين كلّها كانت تحطّ رحالها في المكتب الذي أعمل فيه في الرياض، وها أنذا أسوق هنا واحدة من هذه المشاكل التي هي بمثابة لوحة من اللوحات الاجتماعية.. ولعل الصحف العدنية، بل «فتاة الجزيرة» قد نشرت في عام 1959م حول هذه المشكلة، وهي ماحدث للمخدوعات، أو بالأحرى للنساء المخدوعات من يمنيات وفلسطينيات وسوريات ولبنانيات، وسأروي هنا ماحدث لليمنيات حصراً، لأنهن هنّ اللاتي وجدت نفسي مضطراً لحل مشكلتهن، فكيف جرت الأمور؟
في ذات يوم جاء إليّ شخص من الحدا وكان يعمل مطوعاً في المملكة العربية السعودية، وقال لي: هناك امرأتان يمنيتان قد خدعتا وبيعتا كجاريتين، وواحدة منهما بيعت لأربعة أشخاص وهي متزوجة في اليمن وزوجها جندي في حريب كما قالت في التحقيق، وهذا أمر مضحك وفظيع، وقد صاحت المرأة واستنجدت بالناس: «يامسلمين أنا يمنية وباعوني.. أنقذوني.. أخبروا القنصل اليمني».
المهم أن الخبر قد بلغني، فذهبت إلى الأخ سعيد علي، وعرفت المنطقة، وعرفت الدلال الذي كان يبيع هؤلاء الجواري، طبعاً لا أروي هذه الحادثة هنا للتشنيع على السعودية فهذا أمر معروف، وقد كتب عنه الكتاب من أوروبا وأمريكا، وقد استمرّ إلى أن تولّى الملك فيصل رحمه الله فألغى هذه الخزعبلات.. كانت القصور تعجّ بالجواري ومنهن اللبنانيات والسوريات والفلسطينيات والسوداوات وعددهن قليل وأقلّ منهن اليمنيات.. وماكان يحصل لليمنيات أنهن كن يتعرفن على أحد السواقين القادمين من نجران، ويسألنه عن أخ لهن أو قريب، فيخدعهن هذا السائق، ويعدهن بأن يوصلهن إلى المكان الذي يرين فيه أقرباءهن، وهناك في الحدود كان يبيعهن للسواقين السعوديين، وهنا يتحوّل السائق السعودي إلى سمسار يبيعهن للدلالين ومنهم عبداللطيف بن دائل في شارع الثميري في الرياض، وقد زرته حيث كان يسكن، ومحلّه ثلاثة طوابق، وكان يرافقني في هذه الزيارة سلطان علي راوح الشيباني الموجود في وزارة الخارجية في صنعاء.
ولما عرفنا المكان، أبرقنا إلى حسين مرفق، وكان قد تعيّن وزيراً مفوضاً، فأجابنا: شارعوا، كيف نشارع؟!
وهنا أخبرت رئيس الجالية فكتب لي مذكرة إلى الأمير سلمان بن عبدالعزيز بهذا الخصوص، والأمير سلمان لايزال أميراً على الرياض حتى الآن، وابنه سلطان ذلك الطيار الذي شارك في الرحلة الفضائية الأمريكية - السعودية.. ولقد كان الأمير سلمان متواضعاً وذا أخلاق عالية ورفيعة، فقال لي: إن هذا الأمر له صفة قانونية وشرعية لدينا، وعلى أية حال، هذه رسالة إلى رئيس المحكمة الشرعية الكبرى في الرياض.
ولكن الأمر على مايبدو كان لابدّ فيه من المشارعة، وهنا قمنا بإيهام الدلال عبداللطيف بن دائل بأننا نرغب في شراء جاريتين فعرض عليّ وعلى الأخ سلطان الشيباني شيئاً تتقزز منه النفس، وراوغناه حتى وجدنا اليمنيتين، وكان لابد من الإحالة إلى مدير الشرطة وهو محمد بن عساف وكان يتكلّم الفرنسية، فتصادقنا، ولن أنسى أيضاً محمد بن ضاوي مدير الجوازات والجنسية وربما المخابرات وكان رائعاً رحمه الله، فقال لي بلهجته النجدية: اسمع ويش بلاكم أنتم ماعند كمش رقيق.. رح أطلب البنات.
ولدى المشارعة طلب الدلال عبداللطيف 44 ألف ريال بالأولى التي يبعت لأربعة على التسلسل وكان آخرهم هو، وقد أطلعنا على صكوك البيع والشراء، أما الاثنتان اللتان وجدناهما وقد وصلتا طازجتين فقد اعترف بأنه لم يدفع سوى 6000ريال عن كل واحدة للشخص الذي جاء بهما.
وبعد أسبوعين تمّ الإفراج عن لطفية وهي التي قالت إنها من باب شعوب، وزوجها في حريب، وأنا يومها لا أعرف باب شعوب ولا أعرف صنعاء، ثم تمّ الإفراج عن الاثنتين الأخريين وكلتاهما من صنعاء أيضاً واسم إحداهما حورية، وبذلك يكون الشيخ سعيد علي الأصبحي قد دفع ما مجموع 68000ريال، أي «44000ريال» لإطلاق لطفية و«12000» ريال لكل واحدة من الاثنتين الأخريين وذلك مضاعفة لما دفعه الدلال عبداللطيف ثمناً لكلٍ منهما.
وبعد إطلاق سراحهن فتشنا لهن عمن يكون محرماً لكل منهن، فذهبت إلى «الخرج» ووجدت أشخاصاً أحدهم مسافر، فقلت له:
أنت كن ابن عم لطفية التي اشتريناهما بـ44ألف ريال، ووجدت واحداً آخر قريباً للاثنتين اللتين اشترينا بـ24 ألف ريال، المهم أننا دفعنا مايقرب من ثمانين ألفاً دفعها سعيد علي الأصبحي وبعد سفري بقليل علمت أنه أطلق اثنتين أيضاً جزاه الله خيراً.
الرحيل عن السعودية:
بدأت الشكوك تدبّ حولي، فقد كنت أرافق أحد الجزائريين وكان نائب مندوب جبهة التحرير الجزائرية، وصل من جدة إلى الرياض لجمع التبرعات ولكنه لم يوفّق، فجمع التبرعات في السعودية آنذاك أمر صعب جداً، وذات يوم أبلغ المسؤولون السعوديون الشيخ سعيد علي بأن ابن عمك هذا مع أحد الجزائريين يعمل ضد العهد في المملكة وربما ضد الإمام وربما..
فقال لهم: أما الجزائري فإنه شأنكم وهو قد دخل بطريقة رسمية، أما هذا ابن عمي وأهيلي فأنا مستعد لأن أضمنه بمليون ريال، إنه لم يتآمر ولن يتآمر.. جاء ليعمل معي، والآن ربما يسافر.
وعندما أخبرني بذلك، شددت الرحال وسافرت، إلى أين سافرت؟ إلى جدة تمويهاً، ثم توجهت إلى مصر العروبة.. مصر عبدالناصر.
شهران في القاهرة:
توجهت إلى القاهرة بتاريخ 26 نوفمبر 1958م، وكان الفرح يغمرني بعد قيام الثورة العراقية، وكان الأمل يحدوني بخلاص الشعب اليمني وبتحقّق الجمهورية اليمنية بقيادة القيل الكبير حميد بن الأحمر.
هل كان ذلك مراهقة سياسية؟ نعم ولكنها كانت مراهقة نبيلة.. هل ضاعت الجهود التي بذلت في تلك المراهقة سدى؟ كلا، فقد أثمرت وعياً وأكسبت تجربة، وكان لابد منها ليقترب الشعب اليمني من هدفه أكثر فأكثر.
وصلت القاهرة وأنا أحمل 400 جنيه منها مئتان من الشيخ سعيد علي كالعادة، مائة للأستاذ نعمان ومائة للأستاذ الزبيري، ومنها مئتان جمعتها من الأخوة نصفها بواسطة الشيخ أحمد حسين النجار شيخ منطقة حده وعلي محسن الزرقة وحسن جار الله وأعتقد أنه مازال يعيش في بني حشيش، وهي تبرع للأستاذين أيضاً، وكان معي مبلغ لابأس به كمصروف شخصي.
قدم إلى مصر سعيد حسن فارع «سعيد إبليس»، وكان لديه مشروع ضخم، وهو الشركة القومية لتوزيع الصحافة العربية في الوطن العربي.
فقد كان هناك أربعة وكلاء للصحافة المصرية بعدن سحبت الوكالة منهم فأرادوا تسليمها لشخص واحد يكون مسؤولاً عن هذه الشركة على أن يدفع لهم مايساوي 1001 جنيه، وهنا جاء إليّ سعيد حسن فارع، وقال: هل معك نقود: قلت: نعم، لماذا؟ فأخبرني بالفكرة، والأستاذ أحمد محمد نعمان بارك ذلك، والأستاذ محمد محمود الزبيري بارك أيضاً، وقال لي: هذا مجالك يامحمد عبدالواسع.
وكان معي 1500 جنيه استرليني كل ماجمعته آنذاك من الرياض.. فسلمت 1001 جنيه وهذا نقل الرصيد مازال معي وضاع هذا المبلغ.. وله قصة ليس هنا مكانها، ولم أسترد منه سوى 5000 شلن من محمد قائد سيف، فلم أتحسر على البقية بعد اختفاء سعيد حسن إبليس.
أمضيت شهراً أجوب القاهرة ومناطقها المختلفة مع الأستاذ الكبير والشاعر الثائر أحمد عبدالرحمن المعلمي، وكنت أتردّد على فرع الاتحاد اليمني في ميدان التحرير، وكان مدير مكتب الأستاذ أحمد محمد نعمان العميد محمد علي الأكوع والذي نجا بأعجوبة أيضاً عام 1955م وكان مطلوباً للإعدام.. ومما أذكره في تلك الأيام تلك الحفلة التي أقمناها بمناسبة تخرج الأستاذ محسن العيني في يناير 1959م، وفي هذه الحفلة التي أقمتها له تعارفنا أكثر، وكان قد سبق لي أن تعرفت إليه حين كان طالباً في باريس مع زميليه محمد الرعدي ويحيى حمود جغمان، وفي 4 يناير 1959م غادرت القاهرة عن طريق السودان بمعية الأستاذ محمد أحمد نعمان.
في غياب الإمام أحمد كانت آلام الأحرار وآمالهم تعتلج في داخل اليمن وخارجها، وحين عاد من روما متماثلاً للشفاء أحس بما يدور حوله وأدرك أن الحركة السياسية آخذة بالتطور، فبدأ يتهدد ويتوعد، ويفكر بضربة قاصمة للأحرار، وهنا لابد من الإشارة إلى حركة أعتبرها سخيفة قامت بها القناصة بقيادة الضابط شرف المروني، وحدث فيها من الفوضى ماحدث، والبدر لايستطيع أن يحرك ساكناً لأنه خائف ووجل، ولقد كانت هذه الحركة كجسّ نبض للبدر، وفيها قتل في تعز القاضي أحمد الجبري خطأً من القناصة.
قبل أن أتابع حديثي، أريد أن أقول لقارئي إنني لا أتعمد الأسلوب البياني، ولا أعمد إلى اللغة الفصيحة أو البليغة، وكنت أستطيع ذلك لو أردت، ولكنني تركت الحديث ينساب بلغته السهلة البسيطة التي لاتتورع عن استخدام اللهجة العامية في بعض الأوقات تاركاً الاستطراد يلم بالأحداث من هنا وهناك حتى تتكامل الرؤية للقارىء في إطار حديث ممتع، إن قارئى ليشعر في كثير من صفحات هذا الكتاب وكأنه في مقيل بتجاذب الحديث فيه أكثر من متحدث واحد.. فكتابي هذا أريد له أن يُقرأ من فئات الناس المختلفة في درجات ثقافتها، ولا أريد له أن يبقى حكراً على المثقفين.
أعود إلى حركة المروني فأقول: لعلها كانت بسبب التهديد المباشر الذي تعرض له أحمد حسين المروني من الإمام أحمد، فلماذا كان هذا التهديد؟
لقد استغلّ المروني غياب الإمام وتفاعل مع الأحرار تفاعلاً كبيراً فكانت تعليقاته النارية التي يذيعها من إذاعة صنعاء تلهب عواطف الجماهير، وبحسب الذي يستمع إليها أنه يستمع إلى إذاعة صوت العرب، وقد نقل كل هذا إلى الإمام مما أوغر صدره على المروني فأدرك الأحرار أن المروني في خطر مباشر، ووصل التحذير من الأستاذ أحمد محمد نعمان من القاهرة بأن على المروني أن يهرب من صنعاء بأية طريقة، وفعلاً وصل سعيد حسن إبليس - كما قال لي المروني بالحرف الواحد - وأطلعه على جذاذة صغيرة من رسالة من النعمان، يحذره فيها، ويوجهه بالذهاب إلى تعز «وقد تحدث عن هذا المروني في مقابلة تلفزيونية معه» وأبلغ سعيد إبليس المروني بأنه سيجد في تعز عند باب موسى رجلاً طويلاً اسمه علي عبدالواحد، وهو لايزال يعيش، يحمل النصف الثاني للوريقة التي أطلعه عليها، وفي المكان المحدد وجد المروني علي عبدالواحد ورافقه عن طريق وادي الضباب إلى الحجرية ومنها إلى شرجب ومنها إلى طور الباحة، فوصلوا متأخرين يوماً واحداً، وعند وصول سعيد حسن فارع، بشرني أن المروني سيصل، فحمدت الله، ووصل المروني في اليوم الثالث.
تلك كانت قضية المروني باختصار، ولكن كيف عاد الإمام من روما؟ وكيف تطورت الأحداث في صنعاء؟
الإمام يخطف الطائرة:
أقول: بعد أن ركب الإمام أحمد الطائرة مع الوفد المرافق له، بدأت الأوهام تلعب بأفكاره، فقد سمع أن هناك ثورة في إثيوبيا حصلت في غياب الإمبراطور هيلا سي لاسي، وأن الثوار قد نصَّبوا ولده وصياً على العرش «كان قائد هذه الحركة المخفقة الجنرال مانغيستو الذي أعدم، واستمر هيلا سي لاسي إلى أن جاء مانغيستو آخر بعد عشر سنين وأزاح الإمبراطورية» فتبادر إلى ذهنه أن ولده البدر يمكن أن يصنع كما صنع ولي عهد الإمبراطور، وتوهم أيضاً أن ذلك يمكن أن يتم بمساعدة عبدالناصر، فدخل إلى قائد الطائرة وأمره بالعودة فوراً إلى روما، وحين تلكأ الطيار أشهر الإمام أحمد بندقيته عليه وبذلك يمكن أن يكون أول ملك اختطف طائرة، وربما يكون أول من اختطف طائرة على الإطلاق.. عادت الطائرة إلى روما، ومن هناك استقل الإمام باخرة إلى اليمن عن طريق بور سعيد، وفي تواضع كبير وإيمان بالعروبة نزل عبدالناصر من القاهرة إلى بور سعيد، وطلع إلى الباخرة ليزور الإمام أحمد، وصور اللقاء محفوظة وموثقة، وعندما سلّم عبدالناصر على الإمام بقامته المديدة وشخصيته الباهرة ظل الإمام قاعداً ولم يقف، فظن عبدالناصر أن المرض قد أقعده، ولكن عندما جاء شيخ الأزهر هب الإمام وافقاً، وقال كلمته المشهورة: «الآن وجب القيام، نقوم إجلالاً للعلم..» هكذا!
الإمام يتحدّى
وصل الإمام الحديدة، وخرج كعادته راكباً فرسه، شاهراً سيفه وبندقيته، وألقي تلك الخطبة المشهورة، حتى أن أحد ظرفاء اليمن قال: إن الإمام أحمد بطغيانه أفشل ثورة 1948م و«بلهبة نار» أفشل الحركة التي أعدت في غيابه، إذ أن القبائل أشعلت النيران بأمره وهم لايدرون لماذا انتصر الإمام، فقالوا نصر الله الإمام.. نصر الله الإمام.
ومما جاء في خطبة الإمام تلك: «فهذا الفرس وهذا الميدان ومن كذّب جرّب» وتمثل بقول المتنبي:
سآخذ حقي بالقنا ومشايخ
كأنهم من طول ما التثموا مردُ
وطعن كأن الطعن لا طعن غيره
وضرب كأن النار من حره بردُ
صمود حميد بن الأحمر:
بهذه الخطبة: وبالخوف وبالطغيان تراجع الأقيال والمشايخ وفر رؤساء العشائر، ولم يبق في الميدان إلا حميد بن حسين الأحمر ووالده، وظل يقاوم إلى أن وجد نفسه وحيداً ففر إلى الجوف وكان يرافقه فلان الشايف لا أتذكر الاسم لكن الجميع يعرفونه في اليمن، وجرح الشهيد حميد، وحاول المقاومة بكل مايستطيع،ولكن أشراف الجوف وغيرهم ألقوا القبض عليه.
وكان والده الشهيد حسين بن ناصر الأحمر قد اعتصم في جبال حاشد ومن ضمنها حجة، واستمات لكي ينجو ولده الأكبر حميد من الموت، فلما عرف أنه قد ذهب إلى الجوف أعتقد أنه قد فر إلى الجنب اليمني المحتل آنذاك من قبل بريطانيا، فاستسلم وإذا بهم يلقون القبض أيضاً على حميد بن الأحمر ويرسلونه مخفوراً إلى الحديدة ثم إلى السخنة، والشيء نفسه فعلوه بوالده حسين.
الدكتور فضل الله الزاقوت:
كان الدكتور فضل الله الزاقوت وهو من أصل سوري قد كلفه الإمام آنذاك بأن يذهب من الحديدة إلى حجة ليعالج المسجونين الذين هم حطام.
هذا الإنسان ضحى كثيراً من أجل الأحرار وسجن فيما بعد وموقفه الذي أسجله هنا هو من تاريخ ماأهمله التاريخ.
عندما حدثت قضية الشيخ حميد بن الأحمر كان الدكتور الزاقوت مقيماً في حجة، فقد تزوج من هناك، وبقي همزة وصل بين الأحرار في حجة وخارج حجة، اتفق الدكتور الزاقوت مع رجل اسمه سلام عبدالقادر الرعدي، وهذا رجل قد لايعرفه كثير من الناس، وهو يقيم الآن في صنعاء، لا أعرف أين بالضبط، ولكنه كان يعمل في كندا دراي، وكان في الماضي في مصنع أسمنت، وتقلب في أعمال كثيرة، هذا أيضاً من الذين ضحوا كثيراً.
أقول: اتفق الدكتور الزاقوت مع سلام عبدالقادر الرعدي على إنقاذ الشهيد حميد بن حسين الأحمر، وكان بين الشهيد حميد بن حسين الأحمر وبين الدكتور الزاقوت شفرة، يعرف كل منهما شفرة الآخر، وكان الاتفاق أن يحضر الدكتور الزاقوت عشر برتقالات ويحقن تسعاً منها بالمخدر ويبقي العاشرة غير مخدرة على أن يوصل الرعدي هذه البرتقالات مع رسالة صغيرة مشفرة إلى حميد بن الأحمر لكي لايأكل من تسع البرتقالات المخدرات، بل يتركها للقائمين بالحراسة عليه من الشرطة والجنود وكانت سيارة سلام الرعدي جاهزة، وانطلق فعلاً بالبرتقالات ولكنه وياللأسف وصل بعد فوات الأوان متأخراً بنصف ساعة، فقد كان الحرس قد أنزل حميداً ووالده إلى حجة للإعدام وفر سلام الرعدي إلى عدن ووصل إليّ في اليوم الثاني بعد الساعة الثانية صباحاً.
سعيد حسن إبليس:
هذه قصة أخرى لابد أن أرويها هنا أيضاً وهي عن سعيد حسن إبليس.
أقول: عندما كنا في عدن، وبعد عودة الإمام قال لي سعيد إبليس:«لقد كذبنا كثيراً على الناس.. أو بالأحرى كنا صادقين ولكن الناس الآن يتهموننا بالكذب.. والآن استودعك الله»..كنا في تلك الليلة في بستان الكمسري بجانب الشيخ عثمان، وقال لي سعيد إبليس أيضاً:« إما الحياة وإما الردى» وكان وجهه مربداً، وعيناه غائرتين، وكان يبدو أنه يهم بأن يفعل شيئاً..ولكني لم أكن أتصور بأن يقدم على تلك المغامرة الجريئة، فقد ظل غائباً عنا ولانعرف عنه شيئاً أفي تعز هو أم في صنعاء، أم في الحديدة؟.. لقد غامر ودخل الحديدة بعد اعتقال الشهيد حميد بن الأحمر ووالده الشهيد حسين بن ناصر الأحمر، وكان سعيد إبليس يتصيد الرجال، فمن ضمن من التقاهم وكان بينهما توعية واتفاق محمد يحيى منصر، وهنا لابد من ذكر أن الإمام أحمد كان قد بدأ الشك يدب إليه من حاشد فاتخذ من قبيلة الزرانيق التي حاربها مدة عامين وقتل ماقتل منها وسجن أكثر من ثمانين منها مات أكثرهم في السجن..اتخذهم حرساً له، وكانوا مخلصين، وخاصة بقيادة الفاشق ويحيى منصر، هذين الشيخين الكبيرين المتنافسين في قبيلة الزرانيق.
اصطاد سعيد إبليس محمد يحيى منصر واتفق معه على أنه عندما يأتي دور والده في الحراسة ـ وكانت الحراسة نوعين من أسبوع أو 24 ساعة، واحدة للفاشق وأخرى ليحيى منصر ـ أن يفسح له الطريق ليصل بحجة أن معه مذكرة شكوى للإمام، بينما يكون هو متحزماً بالقنابل والمتفجرات لكي يفجر نفسه ويقتل الإمام وهذه أول عملية فدائية.
ذهب الشيخ محمد بن يحيى منصر إلى والده وأخبره، وكان يحيى منصر في تنافس مع الفاشق حول من يكون أكثر قرباً من الإمام، فتجمل للإمام لكي يرتفع مقامه عنده، وطبيعة البدوي، وأخبر الإمام وأخبر مريديه فذهبوا إلى محمد بن يحيى منصر، فأراهم أين سعيد حسن إبليس.. وهنا ألقي القبض عليه وكانت معه شنطة فيها أسماء كثيرين من الأحرار ومن المشايخ الكبار الذين لم يفروا من اليمن، أي من الشمال إلى الجنوب، وتسلمها علي مارش الذي لايزال موجوداً ويعرفه يحيى راصع وكيل محاففظة تعز سابقاً، وسلم علي مارش الشنطة بمافيها إلى أحمد أمين نعمان في تعز بعدما فر بها من السخنة وكان من ضمن الموجود في الشنطة استلام بخط علي محمد سعيد أنعم لسعيد حسن فارع.. وهذه لها قصة، ربما أشرحها فيما بعد فعلي محمد سعيد أنعم كان مغامراً، وكان يضحي، وقد ضحى في أوائل عام 1948 بتبرعات وهذه المرة أيضاً..وكان يعرف أنها ستكون ثورة..وفيما بعد استدعى أحمد أمين نعمان علي محمد سعيد أنعم وأخرج ورقة الاستلام ومزقها مزقاً بطريقة معروفة لنا كلنا، ويعرفها أحمد أمين نعمان.
أما سعيد حسن إبليس فقد جلد وضرب وعذب لكي يعترف بأسماء الذين أرسلوه، وكان يقول أرسلني الشعب.. وأخذ إلى حجة، بعد إعدام الشهيدين البطلين حسين بن ناصر مبخوت الأحمر وولده حميد اللذين أعدما بحركة فيها خبث ودهاء من الإمام، إذ جاءت قبائل حاشد ومشائخها يتشفعون لهما ويطلبون الإفراج عنهما، فبادر الإمام بخبث ودهاء مبدياً فوات الأوان وقال: البقية في حياتكم..وأرسل بالأمر لإعدامهما.
هكذا أخفقت عملية الدكتور الزاقوت وسلام الرعدي، وأخفقت أيضاً عملية سعيد حسن إبليس، وتتابعت الأحداث، وظل الناس في هرج ومرج، وبقينا نحن في عدن ننتظر ماسيكون للبقية، وتقاطر إلينا الفارون، وكان أول من وصل هارباً فاراً بجلده الشيخ سنان بن عبدالله أبو لحوم، ثم الشيخ علي بن علي الرويشان رحمه الله، ثم أحمد علي الزايدي، ثم محمد أحمد الحباري، ثم علي أبو لحوم، ثم أحمد الصوفي من خولان، إلخ.. وكثيرون نزلوا جميعاً في عدن..في هذا الوقت كنا أنا وعلي الأحمدي من ضمن من يجمع التبرعات من التجار ولم يقصروا، وكنا نعطيها للشيخ سنان أبو لحوم، وهو يتذكر ذلك، وكان نازلاً في الشيخ عثمان، وكان آخرون ينزلون في بيت من طابقين أعطاه لهم شريف بيحان.
كلية بلقيس
قدم إلينا من لندن الأستاذ المناضل أحمد محمد نعمان الذي سماه أحد الفلاسفة بصانع النور في اليمن، بعد أن عرف بإخفاق تلك الحركة وبقتل حسين الأحمر وولده البطل حميد..وفي اليوم التالي اجتمعنا به في الاتحاد اليمني مع كثيرين من الأحرار الذين منهم من قضى نحبه ومنهم من لايزال حياً.
وقد ألقى الأستاذ نعمان في تلك الليلة كلمة مؤثرة، ولم أره في حياتي متغيراً مربداً باكياً حزيناً كما رأيته في تلك الليلة ومماجاء في كلمته التي ألقاها:« هكذا نحن اليمنيون نقتل ونسجن فلا يرثي لنا أحد..» وقد بكى وبكى وأبكى الحاضرين جميعاً، لقد كان وقع تلك الحادثة عميقاً في نفسه، فهو لم يبك مثل هذا البكاء إلا حين توفيت زوجته، ولم يلف في مثل هذه الحال إلا حين قتل ولده البطل العلم الشهيد محمد نعمان..ولعل هذا البكاء المرير على حميد بن الأحمر كان لسببين أولهما مايكنه له النعمان من محبة الأستاذ لتلميذه النجيب لما تعهده به من الإعداد والتعليم في سجن حجة كما سبق وذكرنا، وثانيهما الفجيعة الوطنية التي منيت بها اليمن نتيجة لإخفاق هذه الحركة.
في هذه اللحظة التاريخية أعتقد أن الأستاذ نعمان كان حزيناً يائساً من جهة وكان يفكر بأفق جديد للعمل الوطني من جهة أخرى، والأفق الجديد هو العلم وأذكر أنه قال: لا فائدة.. يجب أن يتثقف هذا الشعب..يجب أن يتثقف اليمنيون..عندنا طلبة يدرسون في الخارج ولكن هذا لايكفي..أما في هذه المستعمرة عدن فمحرم على طلاب اليمن من الشمال دخول كلياتها ومدارسها البريطانية، ماعدا المدارس الأهلية كمدرسة بازرعة ومدرسة النهضة ومدرسة المدراسي..لابد من العلم..لابد من العلم.. العلم..العلم..» من هنا كان المنطلق في الشروع ببناء كلية بلقيس.
وأذكر أن اجتماعاً ضمّنا في الاتحاد اليمني وكان بين الموجودين الأستاذ نعمان والحاج الثائر محمد علي الأسودي ومحمد شعلان والشيخ سنان أبو لحوم، وقد تكلموا طالبين من الأستاذ أن يقوم بحملة تبرعات، ولكنه ظل صامتاً، فانبريت للإجابة عنه دون أن يكلفني أحد بذلك، وقلت لهم: مامعنى أن نقوم بجمع التبرعات؟ هؤلاء التجار الذين قد ظلمناهم وآذيناهم منذ عام 1945 مازالوا يتبرعون ويتبرعون ويرسلون التبرعات من المهاجر إلى داخل اليمن وخارجها، ماذنبهم؟ هل تودون أن نبتزهم؟
لقد كان بعض الحضور يريدون جمع المال لما يدعى أنه ثورة في خولان حيث تمرد فرع من قبيلة خولان ولكنهم فروا كالجرذان إلى عدن، وهذا سنان أبو لحوم لايزال يتذكر ذلك وفي مقدمة الذين جاؤوا من خولان أحمد علي الزائدي الذي تحول بعد الثورة إلى ملكي، لا أدري كيف أن بعضهم كان مخدوعاً بهذا التمرد ويتصور أنه ثورة ستجتاح اليمن حتى الأستاذ محسن العيني كان مخدوعاً على هذا النحو.
لقد أعجب الأستاذ نعمان بأجوبتي وردودي على الذين يريدون جمع التبرعات وتوجيهها إلى ذلك التمرد.. بعد ذلك قال لي: يامحمد أنا قد غبت كثيراً، مارأيك أن تجمع بعض التجار، فأنا قد فكرت في بناء كلية يدرس فيها اليمنيون، ولاسبيل لنا إلا العلم.. عندما يتثقف هذا الشعب المتخلف سوف يكون هناك تغيير، أما الآن فلا تعليم ولا إدارات ولاطرقات ولا مدارس ولا مستشفيات فكيف سيحصل التغيير؟
لهذا الأمر اجتمعنا ذات يوم لدى الحاج هائل عبدالولي العريقي وكان مقاولاً، في منزله في الجولة مابين الشيخ عثمان والبريقة، ودعونا هناك الحاج شمسان عون ومحمد عثمان ثابت وأحمد حيدر ثابت وآخرين.. وفوجئوا بأنني دعوت الأستاذ نعمان إلى هذا الاجتماع، وتمت مناقشة أمر بناء الكلية.
بعد خمسة أيام اقتنع الحاج شمسان عون، وأعتقد أنني كنت وراء 60% من الدافع له للاقتناع، وأن سلام علي ثابت الذي كان مقتنعاً جداً جداً قد دفع خاله شمسان عون إلى الاقتناع.
تشكلت اللجنة التحضيرية، وكان الدينامو في هذا الاجتماع عبدالقادر أحمد علوان الذي كان فيما مضى الأمين العام للاتحاد اليمني، وخلفه الأستاذ الشهيد علي الأحمدي الذي قتل ظلماً بعد الثورة في رداع وكان من المثقفين الكبار، وكان خطيباً مصقعاً باللغتين العربية والإنكليزية.
اقترح الأخ عبدالقادر أحمد علوان وآخرون أن أكون السكرتير للجنة التحضيرية لهذه الكلية التي سميناها «كلية بلقيس» وبدأت التبرعات، وإذا بشمسان عون هذا الإنسان الكريم، وهو شبه أمي، يبدأ التبرعات بمائة ألف شلن، وهذا مبلغ كبير جداً، أي خمسة آلاف جنيه استرليني، وتلاه أحمد حيدر ثابت بخمسين ألف شلن، وسلام علي بثلاثين ألف، وهائل عبدالولي بثلاثين ألف، وهو أول من بدأ وساهم وجاء بأحجار للبناء من منطقة وراء الشيخ عثمان لبناء الكلية، وهو الآن إنسان مجهول يعمل حارساً في إحدى بنايات صنعاء.
كيف نفعل؟ من أين نأتي بأرض نبني عليها هذه المدرسة؟ وهنا أدخلنا الحاج محمد علي المقطري الذي حصلنا بوجاهته على الأرض مجاناً وقد أقنعه مجاهد حنيصيص المقطري وهو أحد زملائه، وكانت مساحة الأرض كبيرة، وانتخبنا الحاج محمد علي المقطري رئيساً فخرياً للكلية كما انتخبنا أيضاً شمسان عون رئيساً لها، وثمانية أعضاء منهم عبدالقادر أحمد علوان وأحمد حيدر ثابت وسلام علي ثابت ومجاهد حنيصيص محمد عبدالواسع..الخ.
النعمان يسفر من عدن:
تقلبت الظروف، وإذا بالأستاذ أحمد محمد نعمان يسفر من عدن، وعند وداعه في المطار ألقى خطاباً مؤثراً وهو يبكي ويُبكي كل من حضر في مطار عدن ويستشهد بقول الشاعر:
لم يبق شيء من الدنيا بأيدينا
إلا بقية دمع في مآقينا
وتلاه بشاهد آخر:
في فمي ماء وهل ينطق من في فيه ماءُ؟
وسفر إلى مصر، ومن هناك كتب لي عدة رسائل، ومن ضمنها يقول لي: يامحمد لقد خلفتك وأنت:« فوكل بها عمراً ثم نم» ولا أريد أن أتحدث عن نفسي.. فتحركنا للتبرعات من جديد وشكلنا لجنة لذلك وكنا ننتهز مناسبة شهر رمضان المبارك وأذكر من الأعضاء الفاعلين في حملات جمع التبرعات هذه الشهيد علي الأحمدي الذي كان الدينامو في المعلا وعبدالله حاتم، الخطيب في مسجد الهاشمي في الشيخ عثمان، وأنا في التواهي وعدن لأني كنت أعرف التجار الكبار منذ زمن طويل حتى أن علي حسين الوجيه الذي كان لايجرؤ أحد على الذهاب إليه قد تبرع بخمسين ألف، وعلي الجبلي الذي كان مائة في المائة مع الإمام خجل وقال سأدفع في كل شهر 5000 شلن، وأمين قاسم الشميري 000.30.
وبعض السلاطين تكلف بهم الأستاذ عبدالله عبدالوهاب نعمان، وهكذا ابتدأنا.
----------------------
عن الجمهورية نت الصديقة





توقيع ( mohi )
يارب .هئ فسحــــــــةً للعمر كي يرتاح من عطش التجارب...
من غبار البحث في الأحداق.... والأسباب..


(مواضيع مشابهة)

  ومرت أعوام.... ل فيروز محمد

  رائد الشعر المتمرد يزيد بن مفرغ الحميري ل أحمد صالح الفقيه

  lمقدمة ل مؤلفات الدكتور محمد عابد الجابرى..فى نقد العقل العربى

  إدريس جمّاع الشاعر السوداني الجميل ....الذي مات في عمر الزهور

  يوميات فرانتس كافكا (١٩١٠ ـ ١٩٢٣) ل محمد علي شمس ال

رد : محمد عبدالواسع الأصبحي، ..يتذكر
mohi
مدير الموقع

غير متصل حالياً
رقم العضوية : 1
عدد المشاركات : 1270
تاريخ التسجيل :
الخميس 23-09-2010
 
مراسلة الموقع الشخصي

 حرر في الجمعة 19-08-2011 04:36 مساء || رقم المشاركة : 896  



محمد عبدالواسع الأصبحي، ..يتذكر
الجمعة 18 يناير-كانون الثاني 2008

لقد كتب الأستاذ المرحوم- محمد عبدالواسع الأصبحي، عن الآخرين في مذكراته أكثر مما كتب عن نفسه، فأبرز رجالاً كان حظهم من البروز أقل مما هم به جديرون، ونوه برجالٍ لا يكادُ أكثر الناس يعرفون عنهم شيئاً.. ومن العدل أن نقرر بأن لكل من يكتبون «المذكراتِ» أو «السيرة الذاتية» الحق في أن يتحدثوا بضمير المتكلم، وإلا لما سميت هذه المؤلفات بالمذكرات ولا بالسير الذاتية، ولكن الميزان في هذا المجال دقيق وحساسٌ، فإذا اختل التوازن هنا، ثقلت كفة «الأنا» أو «الذات» ثقلاً تصبح معه عبئاً باهظاً على التاريخ وعلى القارئ.. وبمقابل ذلك تخف كفة «الهو» أو «الغير» خفة مجحفة بحق التاريخ وبحق القارئ في المعرفة الصحيحة.
ولقد أمسك الأستاذ محمد بالميزان، إمساك الصادق الأمين، الذي تهمهُ أولاً وقبل كل شيء الحقيقة الصادقة، والمصلحة الوطنية، وحق القارئ في الاطلاع على حقائق التاريخ المجردة من عبث الأغراض وتسلط الأهواء، وهذه درجة رفيعة لا يصل إليها إلا القليلون من الخائضين في هذا الميدان من ميادين الكتابة التي تتطلب قدراً عظيماً من النزاهة والإحساس بالآخرين.. وسيجد القارئ الكريم، ما يكفي من الأمثلة التي تبرهن على هذه السوية الرفيعة التي وصل إليها كاتب هذه المذكرات.
كما أن القارئ سيقف أمام بعض الحقائق الإقليمية التي تشمل البحر الأحمر وخاصة في شطره الجنوبي وما جرى على ساحله الشرقي في اليمن وساحله الغربي الذي تقع عليه بعض دول ومناطق شرق أفريقية وما كان يدور في شرق أفريقية من الصراع الاستعماري الذي أدى إلى نشوء دول واختفاء أخرى وهو لا تزال رحاه تدور أمام أعيننا إلى هذا اليوم.. ولن يسع القارئ إلا أن يشعر بالإعجاب إلى حد الدهشة، لما أبرزه الأستاذ محمد عبدالواسع الأصبحي، من أخبار اليمنيين في تغريبتهم الحديثة التي بلغوا بها أصقاع الأرض، وما قابلوه من أهوال تتضعضع أمامها الجبال، ولكنهم قابلوا كل ذلك بصبر عظيم، وجلدٍ لا يذل ولا يهون، وبقدرة على التكيف مع عالم غريب ينكرهم وينكرونه، وينفيهم فيقتحمونه، مما ينبئ عن معدن صلب عريق لهذا الشعب الذي أنجب هؤلاء الرجال، ويبشره بمستقبل زاهر مجيد رغم كل ما يحيط به من مكر الأعداء وقسوة الظروف.. ولو كان لي أن أوجه نداء لهتفت.. نداء.. نداء..: أيها اليمنيون اقرأوا مذكرات المناضل الحر الأستاذ «الخال» محمد عبدالواسع حميد الأصبحي المعافري الحميري اليمني، من هذه المنطلقات، وستجدون فيها طاقة خلاقة قوية، تدفع بالمسيرة إلى الأمام بثقة ماضية وجباه عالية.
دمشق 21-5- 1996مــ مطهر الإرياني
«الجمهورية» تعيد نشر هذه المذكرات لرجل ساهم بقسط وافر في خدمة الوطن واستذكر ملامح وشواهد من التاريخ المعاصر لليمن والظروف المحيطة بتلك المرحلة وهي مذكرات أحق أن يقرأها هذا الجيل الذي لا يعلم حجم تلك التضحيات وطبيعة الظروف فضلاً عن اتسامها بالأسلوب الأدبي الشيق في رواية الأحداث والأسماء
كيف تسلل البيضاني إلى القضية اليمنية؟
لو أردت أن أجيب على هذا السؤال، فإنني أقول:تسلل من طريقين:
الأول: حسن نية الأستاذ أحمد نعمان
والثاني:طريق مشبوه له علاقة بما كان يحوكه للأحرار في مصر لمصر ولليمن ولسواهما..
أما الطريق الأول فيبدأ حين عزل الإمام أحمد عبدالرحمن البيضاني من القنصلية في ألمانيا، فتحول البيضاني فجأة إلى معارض، وكتب محاضرة، ألقاها ـ كما يدّعي ـ باللغة الألمانية «وهو لايجيدها» وكان عنوان المحاضرة«ألا عيب متوكلية».. وظلّ يحاول ويحاول إلى أن كتب له الأستاذ نعمان مقدمة لهذه المحاضرة، مدفوعاً بعاملين: حسن نيته،ورغبته الشديدة في تصيّد أي صوت معارض مهما كان..
أما الطريق الثاني الذي تسلل منه البيضاني إلى القضية اليمنية فشائك شائك.. ولاتتبدّى لنا سراديبه ودهاليزه إلا إذا طرحنا السؤالين التاليين:
أ)من كان يعرف البيضاني من أحرار اليمن في مختلف مراحل النضال؟
ب)ومن كان من الأحرار يعرف البيضانيَّ؟
إنه لايعرف أحداً، ولايعرفه أحد.
كل مافي تاريخه مع الأحرار يتلخّص في أنه كان يعرف محمد قائد سيف وهو ضابط فرّ في أيام ثورة الثلايا 1955م، وأن الأستاذ النعمان كتب له تلك المقدمة لـ «ألاعيب متوكلية»، والتي يبدو إذا أخذناها في سياق الأحداث أنها «ألعوبة بيضانية».. حسناً.. وماذا غير ذلك؟
أما نقاط الإسناد والإمداد الحقيقية للبيضاني فكانت في خارج اليمن في مطابخ السياسة المشبوهة، نجد خيوطاً منها في علاقته مع محمد عبدالواحد الذي كان المسؤول الأول في صنعاء والقائم بأعمال مصر في اليمن آنذاك..
وسكرتير أنور السادات..
مما أتذكر أن جمال عبدالناصر عندما اجتمع بالأستاذ محسن العيني،وأراد أن يتحدّث معه، دخل بينهما أنور السادات.. فذهب الثلاثة إلى مكتب عبدالحكيم عامر، وهناك قال عبدالناصر كلمة حساسة وذات مغزى عميق، قال:
«بعد اليوم لن نجتمع بكم أيها اليمنيون إلا نحن الثلاثة معاً، أنا وأنور السادات وعبدالحكيم عامر».
لقد اكتشف عبدالناصر ماكان يجري من وراء ظهره، ولكن بعد فوات الوقت، أي بعد نكسة 1967م.
أيها الأخوة.. أيها الأحبة.. ماذا أقول:
إن المتتبع لسير الأحداث، ولمواقف البيضاني، سيجد مواجع كثيرة لا يمكن تفسيرها إلا بكون هذا البيضاني صاحب أدوار مشبوهة لا على مستوى اليمن ومصر بل على مستوى عالمي أيضاً.
إن الطريقة التي أُقحمت بها القوات المصرية،وعدم اعتراف بريطانيا وفرنسا بالجمهورية، واعتراف أمريكا الملغوم بالتآمر علينا من داخل اليمن من صنعاء ومن تعز بمساعدة بعض الضباط المصريين المنحرفين المتآمرين على الثورة اليمنية والثورة المصرية وعلى أشرف زعيم عربي جمال عبدالناصر.. أقول:إن من يتأمل هذه الخريطة من الوقائع ويرصد تحرّك البيضاني بين أطرافها لابدّ من أن يكتشف أن البيضاني كان يلعب دوراً تآمرياً عالمياً..
إن إلقاء القبض على حكومة العمري، وزجّها في السجن الحربي بالقاهرة، وفرض الإقامة الجبرية على القاضي عبدالرحمن الإرياني في القاهرة، أحداث ماكان يمكن أن تقع لولا أن الثورة اليمنية كانت، آنذاك، فريسة أيد قذرة.
لقد بقي الأستاذ أحمد محمد نعمان في السجن الحربي بزنزانة منفردة، إلى أن زار مصر الزعيم السوداني الكبير ورئيس السودان آنذاك محمد محجوب، وطلب من الرئيس عبدالناصر مقابلة النعمان.. وحين التقاه،قال له النعمان الكلمة المأثورة:يا أستاذ محمد كنا في أيام الإمام نطالب بحرية القول، والآن نحن نطالب بحرية البول، نحن نبول صباحاً ثم مساءً، كما يريد الحرس.
هكذا عومل الأستاذ النعمان.. وهذا ماعبّر عنه في قصيدته التي يقول فيها:
ماكنت أشكو منه أصبح غاية
نسعى لها سعياً وفيها نطمع
يرمى السجين لوحده في غرفة
هي من عقاب الجو حقاً أمنع
الباب يغلق دونه ومراقب
من خلف هذا الباب لايتزعزع
يلهو ويعبث والسجين كأنه
قرد يقهقه أو صغير يرضع
يتصامم النذل اللعين نداءنا
وإذا قرعنا الباب هاج يقرع
لايفتحن الباب إلا عندما
يرمي الطعام لقرده ويودع
أو حين يدعوه المحقق فجأة
يرويه من ماء الوعيد ويشبع
أو حين يخرجه ويمسك أذنه
ويجره بيدٍ وأخرى تصفع
يجري به جرياً إلى مرحاضه
لاينطقن ولايرى أو يسمع
يلقيه في المرحاض يفرغ مابه
ويظل ينصت للسعال ويقرع
نفسُ السجين كصوته وأنينه
الكل يحظره الرئيس ويمنع
حظروا عليه أنينه وبكاءه
لايشتكي شيئاً ولايتوجع
حظروا عليه قراءة وكتابة
ليظل في ظلماته يتلوع
أما الصلاة مع الدعاء فإننا
ندعو الإله على الدوام ونركع
وقراءة القرآن من أذهاننا
نجترها ونلمها ونرقع
وشوارد نظماً ونثراً في الحجى
ماتت وأشتات نيام هجع
ثارت من الأعماق دون إثارة
ولساننا يشدو بها ويرجع
فالنفس حيث صفت تألق نورها
فكأنها الشمس المنيرة تسطع
وإذا الخفايا في عميق بحارها
متصاعدات سابحات شرع
جادت بما خزنت وفاض معينها
فبحارها أغنى البحار وأوسع
هذا هو الأستاذ النعمان الذي قال عنه أحد الأمراء السعوديين: إنه ليس داعية للحرية في اليمن فحسب،ولا في الجزيرة العربية بل في العالم العربي..
وهذا هو النعمان الذي نجا بأعجوبة هو وزميله الزبيري، حين فرّا إلى عدن قبل ثورة 1948م، وهما يمثلان الوحدة الوطنية:لازيدية ولاشافعية لاقحطانية ولاهاشمية.
أجل،هذا هو النعمان الذي سمعنا ونحن في فرنسا إذاعة «صوت العرب» من القاهرة،تقول:وغداً أو بعد غدٍ سيلقي الزعيم اليمني الكبير أحمد محمد نعمان كلمة خالدة في صوت العرب.. فاستمعوا أيها الأحرار أيها اليمنيون أيها العرب..
واستمعنا، فإذا بصوت الأستاذ يجلجل مفتتحاً كلمته بقوله:«من أرض الثوار.. من أرض الأحرار.. من أرض الأبطال.. من الأرض التي أخرجت جمال عبدالناصر.. إذا كان للحاج إلى بيت الله الحرام أن يزور قبر نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم فعلى زائر مصر أن يزور «صوت العرب».
وها أنذا أيها الأحباب أيها اليمانون أيها العرب ألقي هذه الكلمة بعد أن فررت بجلدي وروحي بعد أن وجدت الإمام أحمد يهدّدني فقلت له إن هناك رجالاً يمكن الاستعانة بهم، فأجابني بهذا البيت:
إني لأغمض عيني، ثم أفتحها
على كثير،ولكن لا أرى أحدا
كان ذلك صوت صانع النور، الذي يوقط فينا وعي الحرية، ويصنع منّا رجالاً مناضلين.. هكذا كان.
شؤون كثيرة.. وشجون أكثر.. تتالى أحداثها وتتداخل في ذاكرتي وكلها تؤكد أن اليمن لم تصل إلى شاطئ الجمهورية إلا بعد أهوال وأهوال..
وماتنعم به اليمن اليوم من تقدّم وتطور في العمران والصناعة والزراعة والجامعات.. وماتنعم به الأجيال الجديدة من مظاهر الحرية والديمقراطية ما كان له أن يكون لولا تلك التضحيات الجسام،ولولا الصمود في وجه العواصف العاتية التي أرادت أن تقتلع الحرية والأحرار.
الفصل الرابع
مناضلون خارج دائرة الضوء
أيها الأصحاب..أيها الآخلاّء ..أيها الرفاق
قامت ثورة 1948م والجماهير هي الجماهير والعامة هي العامة. قتلوا الإمام..قتلوا الإمام..والقصة طويلة ومعروفة..
قيَّـد من قيَّـد من الأحرار من تعز ومن إب، وسيقوا مكبلين بالأغلال ،ومنظومين بالسرات ومسلسلين بالسلاسل..ثم من ذمار وفي مقدمتهم الأستاذ أحمد نعمان في سلسلة مع تسعة أحرار وهو العاشر..سيقوا إلى صنعاء ثم إلى حجّـة حيث قيّـد كلّ واحد منهم بقيدين على الأقل ومرود إذا مشى به السجين لا أقول فتراً،بل إذا مشى قيد أنملة يضرب هذا المرود بساقيه فتجرحان.وهكذا: فرّ من فرّ ،ونجا من نجا،وسجن من سجن، وتدحرجت رؤوس غالية وكريمة..
هؤلاء الأحرار كانوا جميعاً من المناضلين الذين ضحوا وعُذّبوا وشُـرّدوا. بذلوا أموالهم وأرواحهم من أجل الشعب. أقول: كانوا جميعاً من المناضلين ولو تفاوت دور كل واحد منهم في النضال،فالمسيرة لاتكون صفاً واحداً،بل تكون صفوفاً متتالية متراصة..والبناء لايقوم بالحجارة البارزة المرئية منه فحسب ،بل يقوم بالحجارة التي تأخذ مكانها في داخل البناء فلا تظهر ولا ترى..وهكذا فإن الأحرار الذين شاركوا في ثورة 1948م لم يكونوا فرداً ولا نفراً قليلاً بل كانوا ألوفاً مؤلفة من أبناء الشعب الطيب،ومن الطبيعية ألا يكونوا جميعاً في الواجهة وتحت الأضواء،ولذلك نرى أن الدراسات والكتب والتاريخ والقصائد تنصبُّ على من هم في القيادة والمقدمة،بينما تنظفئ الأسماء الأخرى،وتدخل في عالم النسيان..ولقد حاولت في كتابي الأول«محمد عبدالواسع حميد الأصبحي يتذكر» أن أنوّه ببعض هذه الأسماء من الأبطال المجهولين، فذكرت بعضاً منهم وفاتني الكثير الكثير لأسباب منها أنه قد سقط من مخطوط كتابي صفحات كثيرة بين صنعاء ودمشق وعمان،ومنها أن الذاكرة قد لاتسعف في بعض الأحيان..وها أنذا أحاول أن استدرك بعض مافاتني ،فأذكر أول من أذكر:
القاضي عبدالكريم العنسي:
هذا الإنسان البطل الذي سجن وكُـبَّـل وقيَّـد قبل ثورة 1948م ،ثم فرّ إلى عدن وظل هناك.
أذكر أنه حين صار قاضياً في «أبين» قد فتح بيته في «أبين» ثم في «الشيخ عثمان »،فكان بيته محجّـة ومأوى وملجأ للهاربين من بطش الإمام والفارين من الحكم الغاشم. وممن كان يلوذ ببيته آنذاك أذكر: عبدالعزيز منصور بن نصر الذي صار وزيراً للعدل بعد الثورة،وأحمد عبدالرحمن المعلّـمي ،وعبدالحميد مقبل ويحيى الجنيد وكثيرين آخرين.. لقد كانوا يأوون إلى بيته وإلى بيت الشيخ عبدالله الحكيمي أيضاً.
هذا الإنسان القاضي عبدالكريم العنسي النظيف الشريف والبطل اختلف والده مع الأستاذ النعمان واختلف مع كثيرين..هذا صحيح .ولكنه بقي صامداً ضدّ الإمامة ،فلم يمنعه اختلافه من أن يقوم بدوره النبيل في سبيل وطنه.
وحين قامت الثورة تقلّـد عبدالكريم العنسي مناصب عدّة،منها الاضطلاع بمنصب محافظ لواء الحديدة ومحافظ لواء إب ومحافظ لواء تعز ووزارة الإدارة المحلية ووزارة الإعلام إلى أن توفي رحمه الله.. وكان نظيفاً شريفاً ومن الأبطال المعدودين.
سلام فارع الحكيمي:
هذا الرجل الذي يؤسفني جداً أنني لم أتكلم عنه في كتابي الأول.
أذكر أن الفيلسوف العربي الكبير الشيخ عبدالله علي القصيمي،وكان من أصدقائه ،أنه ما سمع ذكر سلام فارع إلا ودمعت عيناه..كيف لا وقد مكث في سجن حجّـة سبع سنوات،حتى ظهرت في وجناته النتوءات،ثم قضى بقية حياته مريضاً عليلاً إلى أن وافته منيّتـه قبل قيام ثورة سبتمبر بستة أشهر.رحمه الله ..رحمه الله.
محمد عبده نعمان الحكيمي:
إن أنس ،فلن أنسى أبداً الأستاذ الكبير محمد عبده نعمان الحكيمي ،إنه عمّ الدكتور عبدالحافظ نعمان.
هذا الإنسان كان أول يمني يسفّـر من عدن في أيام الاستعمار البريطاني،علماً أن البريطانيين كان نَفسُهم طويلاً،ولايسفرون أحداً إلا في الحالات القصوى. والذي أعرفه أن الذين سُـفِّـروا هم ثلاثة أولهم محمد عبده نعمان الحكيمي ثم الأستاذ أحمد محمد النعمان في عام 1959 أو 1960م ،سُــفَِّـر إلى القاهرة .ثم محسن العيني . وكنت سأكون الرابع لولا السلطان فضل بن علي اللحجي.
في ذات يوم ذكرت عبده علي عثمان أمام الاستاذ الكبير الأديب الشاعر الشجاع أشرف شاعر في اليمن،على ماأعتقد ،يحيى بن علي البشاري فأعطاني رقم تلفونه،وقال لي: عجيب أمر هؤلاء الأحكوم،.هل هم من الحكم أو هكذا؟
فقلت له: إنهم من قبيلة صغيرة،كان يتزعمهم آنذاك الشيخ عبدالله علي الحكيمي.ومن أنجاله عبدالرحمن الذي توفي قبل ثلاث سنوات.
وهذا عبده علي عثمان حكيمي ومحمد عبده نعمان حكيمي،وأحمد عبدالرحمن الصحفي في رئاسة الوزراء حكيمي.
هؤلاء «أحكوم» قبيلة صغيرة،ولكنهم عمالقة ،يأبون الضيم لليمن مهما كلفهم ،ويأبون المغريات.
عبدالله مقبول الصيقل:
هذا من الأبطال الذين نسيهم التاريخ، ونسيهم اليمنيون،على الرغم مما قاسوا في سبيل اليمن.
هذا الإنسان كنت أسمع به ولم أكن أعرفه،حتى سُجنت في أيام الإمام أحمد،عندما أطلق عليه الرصاص في الحديدة،إذا به يزورني ،ويواسيني:
ـ أصبحي..ها..مرحبا.ماتشتي؟ أي خدمة؟ تشتي حاجة؟ وحين سألت عنه،قال لي أمين عبدالواسع نعمان: هذا صديق السجناء دائماً.إنه عبدالله مقبول الصيقل.فعرفته ،وبعد يومين منعوا أي زائر من زيارة السجناء السياسيين ،فلم أعد أره.
أتذكر له موقفاً لاأنساه.
عندما سجن،وأُخذ من الحديدة إلى صنعاء ،مكبلاً بالقيود في مصفّحة، وكان وزير الداخلية،آنذاك،الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر،حفظه الله،وأطال عمره،فذهب يراجع على عبدالله الصيقل عند المشير السلال رحمه الله، فقال هذا فعل كيت وكيت..وأتذكر أني ذهبت ذات يوم إلى منزل المشير السلال،وكنت بمعية الشيخ أمين عبدالواسع نعمان،فإذا بالمشير السلال يقول للشيخ أمين : أترى الشيخ عبدالله قدم استقالته من وزارة الداخلية احتجاجاً على سجن الصيقل؟ ما ترى صاحبك يفعل هكذا؟
فأجابه الشيخ أمين: ياسيدي عنده حق. هذا الصيقل صاحبي وصاحبك وصاحب كل مسجون في حجّـة .كان يمشي حافياً على قدميه، أو يركب أتاناً أو حماراً لكي يزور المسجونين، ويتعرّض للدواهي والخطر. فكان أن أُفرج عن الصيقل وعاد إلى منصبه، بعد أن كان قد استقال في تلك الظروف .وعاد الشيخ عبدالله الأحمر إلى منصبه أيضاً،وهذا موقف لاينسى أيضاً للشيخ عبدالله الأحمر.
أذكر أيضاً أن عبدالله الصيقل كان لايحقد على أحد تقريباً،ولكنه،إذا لم يُـنصف، كان يتألم،ولذلك شتمني ذات يوم،الله يسامحه ،وذهب بكتابي الأول إلى هاشم بن هاشم ،ليبلغه محمد أحمد خالد العميل الأول.. ومع ذلك فقد غفرت له لأنه كان مناضلاً وشريفاً..وكان تألمه بسبب أنني ذكرت من أصحاب الحديدة وتهامة رجالاً كان هو الأجدر أن يكون في مقدمتهم..سامحه الله ،وهو من الأبطال الذين ينبغي ألا ينساهم التاريخ وينبغي ألا ننساهم نحن ..يجب أن يخلدوا في أذهاننا وأذهان الشبيبة القادمة..هؤلاء من أمثال عبدالله الصيقل وأمين عبدالواسع نعمان ولاننسى ولاننسى ولاننسى أيضاً يحيى بن علي البشاري الحرّ الشريف المناضل العملاق صاحب القامة المديدة الذين لم ينحنِ ولن ينحني..وحتى الآن بيته مهدّم، ولم يتنازل لأحد.
سيف عبدالرحمن العريقي:
أتذكر أيضاً هذا الرجل .إنه شيخ اليمانية في الحديدة.
بدأ نضاله عام 1944م ،وكان من أبرز التجار في الحديدة.. ظل يموّل الحركة الوطنية إلى أن لاحظ أن عيون الإمام يلاحقونه،ففرّ إلى عدن،واختفى بالمعلاّ في بيت الحاج هائل سعيد أنعم.فقُيـَّــض له الأخ علي محمد سعيد الذي أعاده إلى الحديدة، ليشرف على تجارة بيت هائل تمويهاً على عيون الإمام التي كانت تترصّده.
والحديدة يومذاك لايوجد فيها إلا8% من البيوت الإسمنتية أو الحجر المقطوع من الشُّعب المرجانية من البحر والنورة «الجبس» أما بقية بيوت المدينة فكانت من القش،ولذلك كان يحدث في كل عام مرّة أو مرتين حريق في هذه البيوت القشية
أما الميناء،فلا أراكم الله إياه.
كانت ترسو فيه البواخر على بعد 3ـ4 كم في البحر،وأنا واحد ممن نزلوا بالباخرة «المعين» التي اشتراها الجبلي من فرنسا للإمام.. فبدع أن نزلنا من الباخرة نقلونا بالقوارب مسافةً،ولكن القوارب لم تصل إلى الشاطئ، فاضطررنا إلى ركوب أكتاف الشيالين أوعلى كرسي من حبال الخوص يحمله آدميان مقابل ريالين.
وحتى الإمام أحمد نفسه عندما عاد من إيطاليا بعد إجراء العملية الجراحية،وكان يرافقه القاضي عبدالرحمن الإرياني وآخرون،قد نزل في ميناء الحديدة بتلك الصورة ذاتها..وهذه الواقعة مذكورة تفصيلاً في مذكرات القاضي الإرياني ،كما أكد لي ابن أخيه الأستاذ مطهر.
صالح عباس:
من زملاء الأستاذ سيف عبدالرحمن.
وقد تعيّـن الأستاذ صالح عباس بعد الثورة مديراً لأمانة مجلس الوزراء مدة ربع قرن من الزمان.وهو شاعر مبدع بيد أنه أضاع ديوان شعره، الذي نُهب مع أثاث بيته عام 1955م ،هذه الحادثة سببت له صدمة نفسية، فلم يقل بعدها الشعر إلا نادراً..
وصالح عباس لايزال يعيش متقاعداً في صنعاء.
لقد عمل للثورة بصمت،وشهد بشاعريته الأديب الأستاذ القاضي أحمد محمد الحضراني.
سلطان محمد عثمان القرشي:
من تلاميذ الأستاذ سيف عبدالرحمن ،كان مثقفاً ،ويجيد اللغة الانجليزية . عمل في البنك السعودي في تعز تمويهاً ،ثم انتقل بعد الثورة إلى الحديدة ،وظل يعمل في شركة بيت هائل سعيد أنعم البحرية.
وهو من الذين كانوا يعملون للثورة بصمت منذ أربعين عاماً.
علي حمود عفيف:
شاعر وأديب ،توفي رحمه الله قبل بضعة أشهر،وهو ابن عم أحمد جابر عفيف.
كان يجيد الرثاء ،فرثى بشعره كل من مات قبله من أصدقائه وزملائه ورفاقه، فمن ياترى يرثيه الآن؟
إنه من الذين كانوا يعملون للثورة بصمت منذ أربعين عاماً.
عبدالله عطية:
شاعر.من الأحرار الكبار من زبيد ،أسهم في توعية الشباب وفي ضمّهم إلى صفوف الأحرار.
العزّي المصوعي:
نسبة إلى ميناء مصوّع في أثيوبيا مقابل جدّه،والذي هاجر الصحابة رضي الله عنهم،مروراً به حتى وصلوا إلى مدينة «أكسوم» في هجرتهم إلى الحبشة . شاعر مدّاح ،لابأس به.
القاضي أحمد محمد الحضراني:
شاعر وأديب. وهو والد الشاعر ابراهيم الحضراني ،التقيته في «جيبوتي» ،وكنت آنذاك في الجمارك،وسكرتيراً لنادي الشبيبة العربية في «جيبوتي» ،فوجدته يمدح ولي العهد السيف أحمد،ويضفي عليه من الأساطير ومن صفات الشجاعة والأدب ماليس فيه.
وكنت قد عرفت من عبدالغفار زيد الأصبحي أن أحمد محمد الحضراني قد فرّ من الإمام يحيى إلى «البيضاء» ،فرهن ابنه ابراهيم عند مشايخ آل الحميقاني في «البيضاء» ،فأعطوه حصاناً،ركبه حتى وصل إلى «حضرموت».
في حضرموت التقى الحضراني مفتيها وشاعرها الأول عبدالرحمن بن عبيدالله السقاف، صاحب القصيدة المشهورة المحبوكة الطرفين بحرف الراء،والتي يقول فيها:
روَّق الخمرة صرفاً وأدِر
واسقنيها في الظلام المعتكرْ
رقّ مرآها ومرأى جامها
فهي والجام ضمير مستترْ
روِّح الأرواح بالرّاح ،فما
ذاق طعم العيش إلا مَـنْ سَـكِـرْ
وربما أنكرها ذو شرعةٍ
مادرى قصة موسى والخَـضِـرْ
هذا استطراد ،والقصيدة طويلة في ستين بيتاً،وهي من الخمريات الصوفية.
بقي أحمد محمد الحضراني في حضرموت ثلاث سنوات،ثم عاد وسلّـم الحصان،وخلّص ابنه ابراهيم الذي ظلّ يرعى الغنم لآل الحميقاني مدّة غياب أعود إلى تلك الأمسية التي أحياها الحضراني في جيبوتي.ومدح فيها الإمام ،وأذكر أنني وقفت بين الحضور وسألته: من قائل هذه الأبيات التي اعتبر قائلها أهجى من الحطيئة؟ فقال : هات يا ولد.فأنشدته:
أضريح أفضل ناسكٍ ووليَّ
نبشته أيدي الفاسق المؤذيِّ
نبش القبور محرَّمٌ بين الورى
حتى لدى القبطيّ والبوذيّ
فصرخ بأعلى صوته: المجالس بالأمانات يا ولد.
وكان هذان البيتان مطلع قصيدة له هجا بها الإمام أحمد الذي كان ولي عهد آنذاك ،وهي قصيدة طويلة كانت قد نُشرت باسم مستعار في «صوت اليمن» إثر نبش عدد من قبور الأولياء والصالحين في اليمن،ومنهم أحمد بن علوان الوليّ الصوفي المشهور في اليمن.
أنا ذلك الفتى:
بعد الثورة بثلاثة أشهر التقيته مرةً أخرى،وكان خارجاً من مكتب ناصر السعيد بميدان التحرير في صنعاء،بلباسه العربي الأصيل القديم الجنبية والطيار والحزام، فعرفته بالحال،فسألته : أأنت أسد الدين أحمد بن محمد الحضراني؟ وهذا اسمه الكامل ولقبه،وقلّـة من يعرفه. وهو من حضران من آنس.
فاستغرب أني عرفته، وقال: من الفتى؟ مااسمك؟ ومن أين؟
قلت: عربي من اليمن.
قال: كلنا عرب وكلنا يمانون،فانتسب.
قلت: محمد عبدالواسع حميد الأصبحي.
فسألني: هل يقرب لك سعيد علي الأصبحي رئيس الجالية اليمنية في السعودية؟
قلت: من أهلي
فقال: أين كنت؟
قلت: في «جيبوتي»
فتذكّـر،فقال لي: هل تعرف علي كبيش وعبدالكريم الضوراني؟
فقلت له: أجل.
وظلّ يعدد أسماء من عرفتهم وعرفهم ،حتى سألني أخيراً: أىن ذلك الفتى الذي كان يلاحقني في المجالس ،لقد نسيت اسمه؟
فقلت له: أنا هو ذلك الفتى.
ضاق به المصريون ذرعاً،وكان منزله في بستان السلطان،فقد ذهبت إليه ذات ليلة،فقال لي: اسمع ياقرّة العين. أنا أريد الخروج من صنعاء إلى عدن. ولي اصدقاء هناك من الأغابر والأعروق، فكيف ترى؟
وكان يخجل أن يذكر أن ليس لديه المصاريف.
فقلت: عليّ المصاريف.
فسافرنا إلى تعز معاً حيث التقيت هناك الشيخ عبدالعزيز الحروي الذي قتل ببيروت والشيخ علي محمد سعيد أنعم وآخرين،فجمعت له مايقرب من مئتي ريال فرنسا،فارتاح،وكأنه غني بها،فرحل إلى عدن،ومنها رحّـله أصدقاؤه من الأغابر والأعروق إلى الكويت،وظلّ فيها إلى أن كانت المصالحة الوطنية عام 1972م فعاد إلى اليمن، ثم إلى الطائف،ثم عاد إلى اليمن ،ثم إلى الطائف وكانت تعجبه الطائف لأنها تشبه تعز من حيث مناخها.
وعلى ما أذكر أن الرئيس علي عبدالله صالح عندما زار علي ناصر محمد في أثناء رئاسته لجنوب البلاد آنذاك ،قد استدعيا الحضراني وابنه ابراهيم،ولم أكن موجوداً ،فاستنشداه من الشعر البدوي،.فابتدأ بحضرموت والبيضاء صاعداً إلى مراد وخولان وحاشد وبرط حتى وصل إلى الحجاز والأردن منشداً من أشعار هذه القبائل والمناطق جميعها...فقد كان أكبر حفّاظة في اليمن.
فارتاح له الرئيس علي عبدالله صالح وسلّـمه مفتاح سيارة صالون جديدة مع سائقها منحةً منه.
وهكذا ظل يتنقل حتى توفي عام 1984م في الطائف.رحمه الله.
قاسم غالب« الشيخ الصابر»:
الشيخ الوقور،الذي كان بعد الثورة في عام 1963م وزيراً للمعارف..وهو أفضل من كان في التربية والتعليم.
هذا الإنسان سجن قبل أن يسجن الأحرار الأوائل في عام 1944م ،أي قبل نهاية الحرب العالمية الثانية بعام واحد.
فرّ إالى «ماوية» فألقي القبض عليه بأمر ولي العهد ،وأعيد بعد أن كان في سجن »الشبكة» إلى قاهرة تعز،وضرب ضرباً مبرحاً..فكان صبوراً..ثم اقتيد في نهاية عام 1945م أي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية إلى «حجّـة» مكبّلاً بالحديد،وهو صابر ،لايئن ،ولايتألم.
خلّـف في «تعز» أماً وزوجة وطفلين،فكان يعمل في داخل السجن ويرسل لهم ببعض المال ليقيتوا أنفسهم به،ذلك لأنه كان من حسن حظه أنه تعلّـم في مصنع ـ ربما من بقايا مصانع العثمانيين الأتراك بتعز ـ صنع الجوارب الصوفية،فكان يتقنها.
هذا الرجل كان محبوباً في تعز،ولكن الناس كانوا لايجرؤون على إرسال أية مساعدة له خوفاً من بطش الإمام..فعاش مقطوعاً ممن يساعده،يصنع الجوارب والفانيلات ويقتات منها.
في السجن جاءه نعي ولده الأول،فقال: الحمد لله بقي لي الولد الثاني وأمه ثم أمي التي ترعاهما.
ثم جاءه بعد ذلك بمدة نعي زوجته، فقال: الحمدلله الذي أبقى لي أمي تعول ولدي الثاني ،وترعاه حتى أخرج من السجن.
بعد ذلك ،جاءه نعي أمه ،فقال: لا. لا فليمت الولد الثاني أذاً. ولماذا يبقي؟ أىن سيظلّ؟ أين سيذهب؟
وكان الناس كما ذكرت يخشو مد يد العون إلى ولده..فظلّ الفتى مشرداً إلى أن مات في الطرقات.فلما جاء نعيه إلى الوالد الصابر، قال: الحمدلله..الحمدلله الذي شرّفني بموتهم جميعاً،ولم أبق متعلقاً بهم.
هذا الإنسان العملاق الصبور،ظل هكذا في السجن ،فدخل من دخل السجن وخرج من خرج في 1948م و1955م ولم يفرج عنه الإمام إلا بعد أربعة عشر عاماً، أفرج عنه ،وطلبه،وقال له الإمام الكلمة التي ذكرها قاسم غالب في كتيب صغير له، عنوانه «رسالة من جهنم».
قال له الإمام: اسمع ياقاسم ..لمَ حبسناك؟
فقال له: والله يامولانا لا أعرف.
فقال الإمام : هه..قد أفرجنا عنكم ،وشلوا هذا مائة ريال ،فأخذها قاسم ،ولكن إلى أين يذهب؟
ضاقت الأرض به،فكيف يبقى في بلد فقد فيه كل شيء،تلفت يميناً وشمالاً فعلم أن الزبيري قد عاد من باكستان إلى مصر،والأستاذ النعمان بعد أن أفرج عنه الإمام وكان مهدداً بقطع رأسه فر بجلده إلى مصر أيضاً.
تلفت فوجد رفاقه منهم المشرد ومنهم المسجون ومنهم من قتل ،كيف يبقى في هذا البلد الذي أحبه بعد أن تدحرجت فيه الرؤوس وتشرد المئات والألوف؟
من الطبيعي أيها الأخوة والأحبة أن تكون مشاعر أي حرٍ من الأحرار ومصيره مرتبطة بمشاعر رفاقه الآخرين ومصائرهم..إنه عمر من النضال فرض علي أي حرّ من الأحرار أن يتمثل مآسي رفاقه جميعاً كلما فكر بنفسه،ولقد عّبر أبو الأحرار عن هذا الإحساس أجرح تعبير في مقدمة قصيدته «إلى الأحبة» وفي الأبيات التي تبقّـت من هذه القصيدة، يقول: «أضافت الأقدار لي إلى محنة التشرّد محنة التقيد والارتباط بمصير السجناء المهددين بالذبح فعشت هذه البرهة الثقيلة الطويلة مقيداً بظروفي في الخارج وظروف الأحبة في الداخل،فكانت كل هذه العوامل تستعبدني وتشعرني بالعجز والمرارة».
نظر قاسم غالب حوله ،فلم يرّ لنفسه مخرجاً غير الفرار،ففرّ إلى عدن، وكان عصامياً ومصمماً،فتعلّم كيف يسوق دراجة هوائية صغيرة ثم دراجة نارية،وراح يعمل معتمداً على نفسه،وتزوج في عدن من امرأة صالحة انجبت له أولاداً منهم كامل قاسم غالب مدير مشفى السعيد في «تعز»...في تلك الأثناء كان قاسم غالب يعمل مساءً عند الشيخ الكبير والمناضل عبدالملك أسعد الأغبري وصلاح أسعد الأغبري وآخرين، ثم دخل مدرساً مع البيحاني في المعهد العلمي،ثم عندما بنينا كلية بلقيس دخل معنا، وبقي يدرّس هناك حتى قامت الثورة،فتولى وزارة المعارف.
ثم ثم ثم هناك شؤون وشجون كثيرة: كيف هرب إلى مصر عام 1965م ثم عاد في عام 1966م ليغادر ثانية،ويبقى هناك حتى مات في 68أو1969م.
رحمة الله على هذا الفارس المناضل الشريف.
آه أيها الأحبة كم سأذكر؟ كم سأذكر؟
لابد أن أذكر:





توقيع ( mohi )
يارب .هئ فسحــــــــةً للعمر كي يرتاح من عطش التجارب...
من غبار البحث في الأحداق.... والأسباب..
 


رد : محمد عبدالواسع الأصبحي يتذكر.. الحلقة15
mohi
مدير الموقع

غير متصل حالياً
رقم العضوية : 1
عدد المشاركات : 1270
تاريخ التسجيل :
الخميس 23-09-2010
 
مراسلة الموقع الشخصي

 حرر في الجمعة 19-08-2011 04:40 مساء || رقم المشاركة : 897  



محمد عبدالواسع الأصبحي يتذكر.. الحلقة15
الثلاثاء 08 يناير-كانون الثاني 2008

لقد كتب الأستاذ المرحوم- محمد عبدالواسع الأصبحي، عن الآخرين في مذكراته أكثر مما كتب عن نفسه، فأبرز رجالاً كان حظهم من البروز أقل مما هم به جديرون، ونوه برجالٍ لا يكادُ أكثر الناس يعرفون عنهم شيئاً.. ومن العدل أن نقرر بأن لكل من يكتبون «المذكراتِ» أو «السيرة الذاتية» الحق في أن يتحدثوا بضمير المتكلم، وإلا لما سميت هذه المؤلفات بالمذكرات ولا بالسير الذاتية، ولكن الميزان في هذا المجال دقيق وحساسٌ، فإذا اختل التوازن هنا، ثقلت كفة «الأنا» أو «الذات» ثقلاً تصبح معه عبئاً باهظاً على التاريخ وعلى القارئ.. وبمقابل ذلك تخف كفة «الهو» أو «الغير» خفة مجحفة بحق التاريخ وبحق القارئ في المعرفة الصحيحة.
ولقد أمسك الأستاذ محمد بالميزان، إمساك الصادق الأمين، الذي تهمهُ أولاً وقبل كل شيء الحقيقة الصادقة، والمصلحة الوطنية، وحق القارئ في الاطلاع على حقائق التاريخ المجردة من عبث الأغراض وتسلط الأهواء، وهذه درجة رفيعة لا يصل إليها إلا القليلون من الخائضين في هذا الميدان من ميادين الكتابة التي تتطلب قدراً عظيماً من النزاهة والإحساس بالآخرين.. وسيجد القارئ الكريم، ما يكفي من الأمثلة التي تبرهن على هذه السوية الرفيعة التي وصل إليها كاتب هذه المذكرات.
كما أن القارئ سيقف أمام بعض الحقائق الإقليمية التي تشمل البحر الأحمر وخاصة في شطره الجنوبي وما جرى على ساحله الشرقي في اليمن وساحله الغربي الذي تقع عليه بعض دول ومناطق شرق أفريقية وما كان يدور في شرق أفريقية من الصراع الاستعماري الذي أدى إلى نشوء دول واختفاء أخرى وهو لا تزال رحاه تدور أمام أعيننا إلى هذا اليوم.. ولن يسع القارئ إلا أن يشعر بالإعجاب إلى حد الدهشة، لما أبرزه الأستاذ محمد عبدالواسع الأصبحي، من أخبار اليمنيين في تغريبتهم الحديثة التي بلغوا بها أصقاع الأرض، وما قابلوه من أهوال تتضعضع أمامها الجبال، ولكنهم قابلوا كل ذلك بصبر عظيم، وجلدٍ لا يذل ولا يهون، وبقدرة على التكيف مع عالم غريب ينكرهم وينكرونه، وينفيهم فيقتحمونه، مما ينبئ عن معدن صلب عريق لهذا الشعب الذي أنجب هؤلاء الرجال، ويبشره بمستقبل زاهر مجيد رغم كل ما يحيط به من مكر الأعداء وقسوة الظروف.. ولو كان لي أن أوجه نداء لهتفت.. نداء.. نداء..: أيها اليمنيون اقرأوا مذكرات المناضل الحر الأستاذ «الخال» محمد عبدالواسع حميد الأصبحي المعافري الحميري اليمني، من هذه المنطلقات، وستجدون فيها طاقة خلاقة قوية، تدفع بالمسيرة إلى الأمام بثقة ماضية وجباه عالية.
دمشق 21-5- 1996مــ مطهر الإرياني
«الجمهورية» تعيد نشر هذه المذكرات لرجل ساهم بقسط وافر في خدمة الوطن واستذكر ملامح وشواهد من التاريخ المعاصر لليمن والظروف المحيطة بتلك المرحلة وهي مذكرات أحق أن يقرأها هذا الجيل الذي لا يعلم حجم تلك التضحيات وطبيعة الظروف فضلاً عن اتسامها بالأسلوب الأدبي الشيق في رواية الأحداث والأسماء
الحـلـقــا
15
أما قصيدة «الطريق» فقد ظللت افتش عنها مايقرب من شهر ، حين كنت في عدن ، حتى عثرت عليها بدرج دكان المرحوم طاهر أنعم غالب وهي مهملة ، ومن كثرة تردادي لها وكتابتها لبعض اصدقائي سواء في القاهرة أو السعودية أوفي تعز حفظتها عن ظهر قلب ، وأوردها هنا ، لأنها جديرة بأن تنشر وتنشر:
قصيدة الطريق..
فراقنا طويل
فارقت بيتنا القديم
يقوم فوق تل
وحوله نمت شجيرات «النشم»
وفق سطحه رصت أصص
للزهر والريحان
ورتبت مقاعد من الحجر
وعرشت سقيفة وارفة الظلال
تدور في ارجائها «كركرة المداعة»
وعبق البخور
فارقته ولم أزل صغير
ورحلتي تطول
والأخبار لاتسر
الموت يخطف الأحباب
والبن ينفض الأوراق
أعواده تجف ، والدخان
يكاد أن يجف من مداخن البيوت
ولم يعد يطرق بابنا ضيوف
ü ü ü
كل عام أقول لن يطول هذا البين
لكنني مازلت أحزم المتاع
لرحلة جديدة
أقول : لن تطول رحلتي
ولن يكون راحلون آخرون
لكن: رسالة يائسة حزينة
تقول: إن رحلة جديدة
ينوي بها قريب
والخير قل..
وقد تطول رحلتي.. قد لا أعود
والصغار ـ
آه.. لو لم يكن لنا صغار ـ
فلتحفظهم السماء
الفراق مر
لا نضمن اللقاء في ظلاله
والقلم
عليه أن يقوم باللقاء بيننا على الورق
قد كان شملنا مع القريب يجتمع
على قراءة الخطاب
على كتابة الجواب
والآن
قد نلتقي .. اثنين .. اثنين
في أسطر تتلى
همساً ، وطيف يلوح في الصفحة
ربما على مقهى
أو ربما في شارع مترب
لكن يظل اللقاء لهفة
يظل أمنية
ü ü ü
رب طريق ضم عابرين
ساروا عليه
خطاهم تنسج فرقة اللقاء
لكن طريقنا طويل
أحس خطونا عليه
يعزف لحن البعد والفراق
ترابه.. اشجاره.. صخوره.. تقول:
«قلبي معك»
لكن مدة الطريق
تقود للبعيد
رياحه تدفع لا تعيد
تصاحب الشدو الحزين
تكرر السؤال.. لاتجيب..
هل يطمع المسافر الوحيد في رفيق ،
«في معاده»
ü ü ü
يابيتنا على التلال
إني اراه طيف
الريح في أرجائه تلعب والخفاش
يمرح في أرجائه يطيش
وكوة وحيدة تضاء في المساء
ويرسم الضياء في الجدار
صورة إنسان
يقبع والأطفال من حوله
يحكي لهم عني
في العالم القاصي
عن غائبين آخرين
كانت بهم تخضو ضر الشعاب
ساروا مودعين الأهل والأحباب
حقولهم مع الربيع
تحن للإخصاب
تود لو لامسها إنسان
وينعس الأطفال والأشواق
تغرس في عيونهم أحلام
بعودة الأعمام
وكل الغائبين
ü ü ü
إني أراهم يرقبون عودتي على التلال
من مطلع الصباح حتى مهبط المساء
أصواتهم أسمعها.. تحملها الرياح
تهتف بي.. ياعمنا.. تعال
عيونهم تسمرت على الطريق
ويسألون كل عابر بهم: من أين جاء.. من يكون؟
وهل لديه عن غائبهم خبر
ü ü ü
يا أيها الطريق
كما حملت خطونا إلى البعيد
كما سمعت شدونا الحزين
هلا تطيق خطونا نسير عائدين
وجوهنا قد يممت شطر اليمن
وشدونا لما يعد يثقله الحزن
يا أيها الطريق
هل تطيق ؟
هل تطيق؟
والطريف أني كتبت هذه القصيدة للأستاذ محمد أنعم غالب نفسه ، عندما كان يعمل مع شيخنا الجليل والعالم الكبير «حمد الجاسر» محرراً في صحيفة اليمامة ، لأنه لم يكن قد نقلها.
وأما قصيدة «الغريب» أو «غداً نعود» فقد جاء بها الأستاذ الكبير أحمد محمد نعمان عام 1959م عندما جاء من بريطانيا إلى عدن فطبعنا منها عدة نسخ ، ووزعناها مجاناً ، ولم تبق معي نسخة واحدة لذلك فإني احفظ منها غيباً شذرات فقط ، وقد أوردتها سابقاً كاملة لأهميتها ولأنها تمثل هموم المغتربين ومعاناتهم ، وكأن الشاعر في هذه القصيدة قد تقمص روح سبعة ملايين من اليمنيين المشردين.
ولا أود أن أسهب عن الدور العظيم الذي قام به المغتربون اليمنيون في كل الحركات التحررية التي قامت في اليمن ، والتي كانت توأد لعدة أسباب وعوامل خارجية وداخيلة.
وقد صور ذلك الشاعر الكبير الأستاذ عبدالله البردوني في قصيدته التي كتبها قبل الثورة ببضعة أشهر ، وعنوانها «نحن والحاكمون» ومطلعها:
أخي صحونا كله ماتم
وإغفاؤنا ألم أبكم
وقصيدة أخرى عنوانها «وعد ووعيد» وكانت تصلنا بطرق سرية إلى عدن.
أفراح الثورة في عدن
لا أستطيع أن أصور الفرحة الغامرة لأبناء اليمن في عدن مهما أوتيت من بلاغة، في صبيحة يوم 26من سبتمبر 1962م.
أتذكر في ذلك اليوم النسب المناضل عبدالرحمن الصريمي الذي جاء يوقظني في السادسة صباحاً، وهو يلهث، ويقول:
«ياخال محمد: استمع إلى إذاعة صنعاء.. فقد قامت ثورة باسم الجمهورية العربية اليمنية»، فأصخت السمع، وإذا بي أسمع صوت الأستاذ محمد عبدالله الفُسَيَّل»، وظللت أستمع إلى البيانات.. ثم استقليت سيارة أجرة إلى عدن، وكنت في الشيخ عثمان مقر متجري- المنهوب مع الأسف- وإذا بي أفاجأ بأكثر مما كنت أتصور: أعلام التحرير على سطوح المنازل والسيارات الخاصة والأجرة، والرقصات الشعبية في الشوارع.. في عدن والمعلا والتواهي، ولحج، وكل القرى، والأرياف في الجنوب اليمني.. كلها تغمرها البهجة والفرح.
وما كادت إذاعة صنعاء تذيع لون علم الجمهورية العربية اليمنية، حتى بادر الناس إلى إضافة النجمة، أما العلم فقد كان هو هو.
في اليوم الثاني عقدنا اجتماعاً جماهيرياً، وكان يرأس ذلك الاجتماع الشيخ الشهيد علي الأحمدي، فتحدث عن خلاص الشعب اليمني من الحكم الكهنوتي، والقهر والاستبداد، ثم أضاف قائلاً:
إن الجمهورية سوف تصمد، وخاصة بعد أن أيدتها واعترفت بها الجمهورية العربية المتحدة «مصر عبدالناصر».
كان الأحمدي خطيباً مفوهاً لسناً، ثم ألقي قصيدة الشاعر الكبير الأستاذ علي عبدالعزيز نصر، ومطلعها كما أتذكر:
سأغني لك يا شعب وإن لم تسمعِ
سأغني وليكن في أغنياتي مصرعي
ثم أعلن من الإذاعة قرار تشكيل الحكومة، وقد ذكرت من قبل في الطبعة الأولى لكتابي أن الأستاذ محمد عبدالله الفسيل شطب أربعة وزراء، وأدخل أربعة آخرين بدلاً عنهم، وكان شجاعاً وجريئاً، وكان من بين الأربعة محمد سعد القباطي- الذي تألم كما قيل من كلمتي التي أثبتها في الطبعة الأولى على لسان الفسيل «أنه لم يكن لا في العير، ولا في النفير» فأنا أعتذر، لأن التعبير قد خانني، وأقول: «إنه كان في المؤتمر العمالي، ثم تعين وزيراً للمغتربين، ثم وزيراً مفوضاً في الصومال لمدة ست سنوات، ثم مساعداً لأمين عام المجلس الوطني، وأخيراً سفيراً في السودان».. وعفواً من هفوتي.
أقول: وقبل سفر الشهيد علي الأحمدي إلى صنعاء لاستلام وظيفته كوزير للإعلام، اقترح علينا أن نقوم بتجنيد الشباب اليمني.. وما أكثر الذين جاءوا إلى الاتحاد اليمني، والمؤتمر العمالي، لكي ينخرطوا كمجندين في الحرس الوطني، وللتاريخ نقول:
إننا بذلنا جهوداً خاصة في ذلك، وفي المقدمة كان المرحومان محمد علي الأسودي، وأحمد يحيى الكحلاني، كما أن التجار لم يقصروا، فقد تبرع الكثير منهم بالسيارات، والناقلات، لنقل المجندين من الحرس الوطني للتدريب: إذ منهم من تم إرسالهم إلى تعز، ومنهم إلى صنعاء، وقد تجاوز عددهم العشرة آلاف مجند.. وحتى الذين كانوا في وظائف كبيرة، تركوا أعمالهم وانخرطوا في الجندية، وقد استشهد الكثير والكثير منهم لأنهم لم يكونوا قد تعودوا القتال بعد.. يرحمهم الله.
وسأضرب مثلاً بسيطاً للدلالة على حماس اليمنيين واستهانتهم بالحياة في سبيل الثورة والجمهورية، فأذكر ثلاثة أشخاص مشهورين:
من متطوعي الحرس الوطني
الأول: المرحوم عبدالعزيز المقطري: الذي كان يدير أعمال والده التجارية، وكان والده الحاج ياسين أحمد قائد المقطري تاجراً مشهوراً، فانخراط الولد عبدالعزيز المقطري في سلك الحرس الوطني، وانضم مع إخوانه المقاتلين، وكاد أن يفقده نظره، لولا لطف الله، وبعد أن نقل إلى المستشفى، خرج منه، ودخل يعمل في البنك اليمني للإنشاء والتعمير، لأنه خريج في مجال الحسابات، وكان من المبرزين في البنك، وظل ينتقل في وظائف البنك حتى صارا مديراً لفرع تعز، ثم الحديدة، ثم صنعاء.. وفي أواخر أيامه كان مديراً عاماً للبنك اليمني، يرحمه الله.
الثاني: حسين السفاري: ترك عمل والده- وللإنصاف فإن والده الأخ محمد سعيد السفاري وافق ولده على أن يدخل في الخدمة الوطنية رغم حاجته إليه آنذاك..
الثالث: الشهيد محمود عشيش: الذي استشهد في أحداث يناير1986م.
وقد تقلد عدة مناصب في الحكومات المتعاقبة في الشطر الجنوبي سابقاً.
لقد ظل هؤلاء الثلاثة يعملون مع العميد محمد علي الأكوع بإخلاص وتفان، وكان الكتاب من اليمنيين في المكاتب البريطانية في عدن يوافونهم بكل كبيرة وصغيرة، بحيث إنهم لم يدعوا مجالاً لأي فرد من المخابرات البريطانية أن يمر عن طريق تعز، فقد كان العميد محمد على الأكوع لهم بالمرصاد، ولا أنسى أنه كان من ضمن من ساعده على ذلك عبدالكريم عبدالقادر الأغبري- كما قال العميد محمد الأكوع..
العميد محمد علي الأكوع
إن ما قام به العميد محمد علي الأكوع من الأعمال الثورية اليمنية أعجز والله عن وصفها: فقد أرسل بعض الأذكياء من المخلصين اليمنيين ليندسوا في صفوف الملكيين.. ومنهم على سبيل المثال أمين سامي الأموي، الذي استطاع أن يندمج مع الملكيين، وقد كسبهم إلى صفه عندما سجن خطأ في تعز.. أي أنه سجن معهم، ثم أخذ منهم توصيات إلى الملكيين في عدن، حتى جاءت ظروف تم فيها نقل العميد محمد علي الأكوع، ولم يستطع أي شخص أن يسد مكانه إطلاقاً.
هذه نبذة بسيطة ومختصرة عن حماس اليمنيين وتفاعلهم مع الثورة والجمهورية.
ولهذا أقول: إن العميد محمد الأكوع.. نجا بأعجوبة تكاد تكون معجزة، من المؤامرة التي دُبرت له، فقد شاهد الموت، والسيوف تلمع، وهو مطلوب حياً أو ميتاً، ولولا تدخل القدر، ورباطة الجأش للقي مصرعه.. ولكنه فّر هارباً عام 1955م إلى عدن، وقد استطاع أن يكسب الكثير من اليمنيين الشرفاء، حتى عندما انتقل إلى القاهرة، فقد ظل يعمل على التواصل معهم، وأقول مخلصاً: أنه في عام 1958م عندما كان في القاهرة طلبتُ منه توصيات لأصدقائه.. فكتب إليهم.. إلى الأسماء الشريفة والنظيفة.. الذين تعاونوا معي فيما بعد.. ولهذا فإن المثقفين والشرفاء من الأحرار ارتاحوا لتعيينه في تعز،فواصلوا المعلومات إليه.
وللإنصاف:فإن الأخ العميد محمد علي الأكوع، غالباً ماكان ينكر ذاته،وأذكر على سبيل المثال هذه الحادثة.
«عندما نزلت بصحبته وكان يرافقه أيضاً صديقه الخاص عبدالكريم عبدالقادر الأغبري،ومعنا أيضاً الشاعر علي بن علي صبرة لتهنئة الرئيس قحطان الشعبي بمناسبة عيد 14 أكتوبر عام 1968م،أذكر أن الرئيس الراحل قحطان الشعبي أثنى عليه لخدماته الوطنية،وعمله الشريف النظيف في المخابرات،وإذا به ينكر ذاته قائلاً: إذا كان هناك فضل لنجاحي في الجهاز،فإنه يعود إلى الزميل عبدالكريم عبدالقادر الأغبري وآخرين».
هذه نبذة قصيرة،ومثال على إخلاص اليمنيين والتفافهم حول ثورتهم وجمهوريتهم، وعلى تضحياتهم بالغالي والنفيس،وتركهم لأعمالهم ووظائفهم التي تدر عليهم الأموال والأرباح.
وماقصة «السُّفارى،وعشيش وعبدالكريم عبدالقادر» إلا قصة من آلاف القصص التي سطّرها أولئك الأبطال الشجعان في كل شبر من هذه الأرض الطيبة.
أما العميد محمد علي الأكوع الذي عمل، ويعمل لليمن حتى الآن،والذي ينكر ذاته،فإنه يحتاج مني إلى كتاب خاص عن أعماله البطولية وشجاعته في أحلك المواقف والظروف.
وتا لله لست مجاملاً، ولن أجامل أحداً ماحييت، بيد أني أقول الحقائق، وليعذرني القارئ،فإني أحبه، وأجله، وأحترمه ،وله مواقف شجاعة ومشرفة هذا إن لم أقل مشهورة، يجحدها الجاهلون، ويحترمها الشرفاء المخلصون.
أما التبرعات التي انهالت من اليمنيين لصالح الحرس الوطني فحدث ولا حرج.. حتى النساء من شدة حماسهن وتفاعلهن،تبرعن بصيغتهن.
ولقد رأيتهن بنفسي ومعي الأخ المروني،وهن يخلعن ماعليهم من حلي «الذهب» ويسلمنها للمشير عبدالله السلال.
أما بالنسبة إلي فبعد خمسة عشر يوماً شددت الرحال إلى صنعاء مع مجموعة، وكنا مايقارب الثلاثين شخصاً، يتقدمنا المرحوم المناضل الحاج محمد علي الأسودي،وبعد خمسة أيام تشكلت لجنة لمراقبة الإذاعة والتعليقات،وكنا أكثر من عشرة أشخاص:
«الأستاذ عبدالله البردوني،محمد أنعم غالب،محمد عبدالواسع حميد،محمد الشرفي، عبدالمجيد الزنداني، عبدالرحمن نعمان ثم مدير الإذاعة الأستاذ يوسف الشحاري»،ولكنها لم تدم سوى خمسة أيام، فقد ألغاها، سامحه الله ـ الدكتور عبدالرحمن البيضاني، وله قصة ليس هذا أوانها.
وذات يوم سلمني الأستاذ محمد عبدالله الفسيل قراراً جمهورياً بتعييني مديراً عاماً بوزارة المغتربين، وقراراً لمحمد أحمد شعلان بتعيينه نائب وزير.
ولظروف كثيرة جداً قبلت،ثم استلمت ولأول مرة مئتي ريال فرنسي آنذاك «ماريا تريزا» وهذا المبلغ ساعدني على العودة إلى القرية، ثم العودة إلى عدن ولكن ليس مقيماً،بل لأجمع التبرعات للحرس الوطني،وأعود إلى صنعاء.
تأسيس جميعة الهلال الأحمر اليمني
هنا وللتاريخ أسجل:بأن الشهيد العملاق محمد أحمد نعمان اقترح أن تؤسس «جمعية الهلال الأحمر اليمني»،وكان الأخ علي محمد سعيد أنعم يعمل كوزير للصحة آنذاك، فقبل الاقتراح، ورحب به، فتقرر عقد الاجتماع التأسيسي في مقر وزارة الصحة، مقابل ميدان التحرير آنذاك،وقد حضر الاجتماع نخبة من التجار،أذكر منهم وفي مقدمتهم المرحوم الحاج شمسان عون، وأحمد حيدر ثابت،ومحمد سيف ثابت وعبدالله شمسان الدالي، ومن صنعاد الوتاري، والسنيدار، والثور وناصر الكميم.
وكان أن تعين الأخ علي محمد سعيد أنعم رئيساً لجمعية الهلال الأحمر، ومحمد عبدالواسع حميد مديراً عاماً، وحسين عسلان أميناً للصندوق،كما تم تعيين مديرين لفرعي الحديدة وتعز.
وإن أنسى لا أنسى ذلك الخطاب الحماسي والناري للأستاذ محمد نعمان الذي أذهل الجميع،وخاصة الذين يعرفون عنه.. وحتى يومنا هذا مازال الأخ علي محمد سعيد يتذكر ذلك الخطاب.
ثم ألقى الدكتور البيضاني كلمة لابأس بها ـ ولكن هيهات ـ ثم علي محمد سعيد ومحمد عبدالواسع حميد،وآخرون.
فانهالت التبرعات .. وأذكر أن مجموع ماوعد التجار الذين عادوا إلى عدن بعد يومين أن يتبرعوا به كان «000.250»/شلن، ومن صنعاء آلاف الريالات الفرنسية، وكان يرأس لجنة التبرعات بصنعاء الوطني المناضل الشيخ ناصر الكميم.
نزلت إلى عدن، وبحوزتي قائمة بأسماء المتبرعين، وفعلاً دفعوا المبالغ التي كانوا قد وعدوا بالتبرع بها، عدا شخص واحد، كان يعلن دوماً عن تبرعه ولايدفع سامحه الله،إنه «عبدالكافي سفيان»، وكنت لا أستلم تلك التبرعات نقداً، بل بصكوك وباسم علي حسين الوجيه، رحمة الله عليه.
وأتذكر أن مجموع ماتم تحصيله كان حوالي «000،250» شلن، ولكي لاتحوم حولي الشبهات السياسية عند السلطات البريطانية آنذاك،اتصلت بالمرحوم حسين بيومي، الذي كان وزيراً للإعلام في حكومة عدن،والتي يرأسها أخوه حسن بيومي، وكان حسين صديقاً لي، وطلبت منه أن يتصل بالمعنيين بالأمر، ليسمحوا لي بأن أجمع تبرعات باسم جمعية الهلال الأحمر اليمني.. فهو عمل إنساني، وليس عملاً سياسياً، وظل ثلاثة أيام يحاول بلا جدوى،ولم يشعروا إلا وقد جمعت تلك التبرعات وأودعتها لدى علي حسين الوجيه، ذلك الإنسان الشريف الذي ظل يضحي ويناضل، والحديث عنه طويل ولسوف يطول.
الالتباس والخطأ بين اسمي واسم محمد عبدالواسع نعمان
محمد عبدالواسع ـ سلام خذ
حدث عند نزولي إلى عدن أن قمت باستئجار غرفة في فندق «قصر الجزيرة» ولكني لم أنم فيها إلا نادراً، فقد كنت أقعد في منزل الأستاذ حسين علي الحبيشي ـ عميد كلية بلقيس ـ أو لدى الأستاذ محمد أنعم غالب ـ مدير كلية بلقيس.
وفي إحدى الليالي وصلت في ساعة متأخرة من الليل إلى الفندق، وإذا بمدير الفندق يسلمني ورقة بأن لا أبرح الفندق حتى يأتي لمقابلتي في الصباح مسؤول من «C.G.D» «المخابرات السرية البريطانية».
وفي صباح اليوم التالي جاءني ذلك المسؤول، وهو كما أتذكر عدني من أصل صومالي، وكان مهذباً جداً..وأول شيء استغربته هو مخاطبته لي بـ «ياصاحب السعادة» فدهشت ثم سألني: هل أفطرت؟ قلت: ليس بعد فقال: افطر على مهلك، وأريد منك أن ترافقني إلى الضابط البريطاني في التواهي، يريد مقابلتك، فأجبته بالترحاب.
وبعد أن تناولت فطوري سألني، وبلهجة مؤدبة: هل أنت جاهز؟ قلت: نعم فأدار قرص الهاتف، واتصل بذلك الضابط البريطاني ـ كما فهمت ـ في التواهي، ورغم أن ذلك اليوم كان يوم أحد، وجميع الدوائر الحكومية مقفلة ولكن..وقد طلبت من ذلك الضباط العدني الصومالي ـ وأتذكر اسمه «عوالة» أن نمر بمنزل صديق لي فسألني عن اسمه فقلت له:اسمه حسين الصافي ـ مدير عام إذاعة عدن ـ فاستغرب معرفتي إياه، لأن الصافي كان مشهوراً لدى كل الأطراف العدنية، وفعلاً وافق ومررنا معاً إلى منزله، فأخبرته باختصار بأني مطلوب في التواهي في محل كيت وكيت، وقد كان شهماً..فطمأنني، وتكلم ببضع كلمات بالإنجليزية ـ التي لا أتقنها ـ مع ذلك الضابط ثم وجه الكلام إليَّ قائلاً: سوف أتبعك بعد عشر دقائق.
والطرفة هنا: فعند وصولي إلى التواهي، وقبل دخولي مكتب الضابط البريطاني إذا بي أفاجأ بصفين من الجنود المسلحين يرفعون بنادقهم يؤدون لي التحية العسكرية!! فتعجبت، وكنت أقول في نفسي: لماذا يؤدون لي التحية العسكرية؟ ولماذا ذلك الضابط الصومالي يخاطبني بصاحب السعادة؟
بيد أني كنت رابط الجأش لعلمي أن هناك قانوناً يحميني فيما لو التبسوا في أمري أو شكوا فيّ..وبدأ الضابط البريطاني ينهال علي بالأسئلة، وبطريقة مهذبة أيضاً، بعد أن أمر لي بكرسى إلى جانب مكتبه.
وأتذكر أن من ضمن الأسئلة التي وجهت إليّ:أنت جئت من صنعاء منذ كم من الأيام؟ وماالذي جاء بك؟
قلت له: أولاً، أنا مدير عام الهلال الأحمر اليمني، وقد نزلت إلى عدن لكي أجمع تبرعات من المحسنين لصالح الهلال الأحمر وبماأني أعرف القانون فإني أحاول أن أتصل أو أجمع من أي تاجر يتبرع، وقد فضلت أن أحصل على الترخيص لجمع التبرعات من السلطات البريطانية ولهذا فقد اتصلت بالصديق حسين علي بيومي ليأخذ لي الترخيص، فهز رأسه باسماً والأسئلة كثيرة منها أيضاً:
اسمك محمد عبدالواسع فكم تعرف اسماً يطابق اسمك واسم أبيك؟
فأجبته:
الأول: العقيد محمد عبدالواسع نعمان نائب وزير الداخلية.
والثاني: محمد عبدالواسع غانم القرشي، وله متجر في الشيخ عثمان.
والثالث: أنا أمامك، محمد عبدالواسع حميد، ولي متجر في الشيخ عثمان.
وفي تلك اللحظات قُرع الباب، ودخل السيد حسين الصافي..فتحدث مع الضابط البريطاني بكلمات، عرفت فيما بعد أنه كان يعتقد بأني نائب وزير الداخلية ـ محمد عبدالواسع نعمان ـ فحياني واعتذر.
ثم خرجت مودعاً، بمعية السيد حسين الصافي، ولكني لم أجد أثراً للحراس الذين قاموا بتحيتي عند وصولي، فابتسمت بارتياح، ثم أوصلني السيد حسين الصافي إلى فندق «قصر الجزيرة» بعدن.
وفي اليوم التالي التقيت المرحوم حسين بيومي..فأخبرته بما جرى، ثم ابتسمت وقلت له: أعتقد أنهم أخبروك.
فحياني وقال مداعباً: أنت شيطان وبعد ثلاثة أيام شددت الرحال إلى شمال الوطن، ماراً بالتربة مركز الحجرية ـ وعقدت هناك اجتماعاً ودُعيت أنا ومن معي إلى حفل خطابي وانهالت التبرعات باسم الهلال الأحمر اليمني، وأتذكر أن بعض النساء تبرعن آنذاك بستة جنيهات ذهبية، وقد سلمتها للأخ حسين عسلان ـ الذي كان دوماً يضع كل شيء في «الكازا» أي الخزانة ـ ورعى الله الأخ حسين عسلان الذي كنت أفطر في منزله طوال شهر رمضان، يرافقني المرحوم عبدالباري قاسم، الذي قتل في طائرة الموت، التي ذهبت إلى حضرموت ولم تعد، وكان المرحوم عبدالباري يحمل رسائل من الشهيد سعيد علي الأصبحي لي أولاً، ثم رسالة للشهيد الزبيري، وأخرى للقاضي عبدالرحمن الإرياني، ثم رسالة للمشير السلال، مع شيك بمبلغ ثلاثين ألف شلن للحرس الوطني والقصة مشوقة ربما أعود إليها فيما بعد لأنها جديرة بالكتابة.
وقد عشت حينها قلقاً متأزماً، إلى أن جاءت المفاجأة المحزنة والمؤسفة.
البيضاني يغدر بالأحرار
بعد أن تعين قبل حوالي شهر بقرار جمهوري الدكتور عبدالرحمن البيضاني نائباً لرئيس الجمهورية. ونائباً للقائد العام ووزيراً للخارجية، بدأت تصدر القرارات تلو القرارات: حيث تعين الأستاذ محسن العيني مندوباً دائماً في الأمم المتحدة، والشهيد علي الأحمدي وزيراً مفوضاً في المانيا الغربية.. إلى آخر ذلك من التعيينات.
وتلاحقت الأحداث والمفاجآت فقد تم عقد اجتماع هام في رئاسة الجمهورية برئاسة المشير عبدالله السلال، ونائبه الدكتور البيضاني والوزراء، وأعضاء قيادة الثورة وطبعاً كان أغلب الحاضرين لاحول لهم ولا رأي فقد طغى البيضاني بطريقته الخاصة على المجتمعين، متسلقاً بانتهازية على موجة المساعدة المصرية لثورة اليمن عسكرياً وسياسياً واقتصادياً حيث قضت نتائج الاجتماع أن يخرج من اليمن كل من:
1ـ القاضي عبدالرحمن الارياني: مكلفاً بجولة لزيارة بعض الأقطار العربية لشكرها على الاعتراف بالثورة.
2ـ الأستاذ أحمد محمد نعمان، وتقرر تعيينه في الجامعة العربية.
3ـ اللواء حمود الجائفي.. وعين سفيراً في القاهرة.
4ـ الشيخ محمد علي عثمان..وعين وزيراً مفوضاً في السودان.. تصوروا أن يعين الشيخ محمد علي عثمان وزيراً مفوضاً في السودان؟! ولم يذهب بل ظل في القاهرة حتى عاد بعد ذلك مع القاضي عبدالرحمن الإرياني، فقد كان الشيخ محمد علي عثمان له ثقله، ومؤثراً في كثير من محافظات اليمن.
ثم تصور أيها القارئ القاضي عبدالرحمن الإرياني العلامة والسياسي بل رجل اليمن في كل المواقف يؤمر بمغادرة اليمن.
وأود هنا أن أشير أو أن أقول بأن هذا تاريخ، وليس تحاملاً أو هجوماً، أو نقداً لاذعاً للدكتور البيضاني..كلا.
كما أود أن أقول وبصراحة إن مذكرات زعيمنا الروحي القاضي عبدالرحمن الإرياني قد كتبت بدقة، وبإسهاب وفيها الكثير حول هذا الموضوع، الذي أشرت إليه إشارةً هنا وسوف تخرج تلك المذكرات قريباً إلى النور.
وسوف أضرب مثالاً بسيطاً: كان القاضي عبدالرحمن الإرياني قد طرح قضية إرسال وفد على مستوى عال إلى المملكة العربية السعودية، وقد وافقه في هذا الأستاذ النعمان، والشيخ محمد علي عثمان، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر وبعض العقلاء، كما طرح أيضاً اللقاء في الراهدة مع القاضي أحمد السياغي، فقد كان أيضاً من العقلاء ومن ذوي الرأي والمشورة بيد أن هذه الآراء والاقتراحات اعتبرت من قبل الذين هددوا الرياض، وعلى رأسهم البيضاني خروجاً على السياسة التي رسموها وهذا الكلام موجود وموثق في الإذاعة وغيرها.
«ابتعدوا عن قصور الناصرية..الخ هذا».
وكنا نسمع من الإذاعة إلى البيانات الطويلة العريضة ومن ضمنها:
«وقد أمرنا أسطولنا البحري بالتحرك صوب الشمال..» الخ.
في أوائل عام 1965م ذهب القاضي عبدالرحمن الإرياني والأستاذ النعمان مع وفد كبير، ضم كبار مفكري اليمن، للقاء الغادر، وكان الغادر قد التقى المشير عبدالحكيم عامر من قبل، فأخذ منه مبلغاً من المال، ثم خدعه كعادته.





توقيع ( mohi )
يارب .هئ فسحــــــــةً للعمر كي يرتاح من عطش التجارب...
من غبار البحث في الأحداق.... والأسباب..
 


رد : محمد عبدالواسع الأصبحي يتذكر.. الحلقة17
mohi
مدير الموقع

غير متصل حالياً
رقم العضوية : 1
عدد المشاركات : 1270
تاريخ التسجيل :
الخميس 23-09-2010
 
مراسلة الموقع الشخصي

 حرر في الجمعة 19-08-2011 04:42 مساء || رقم المشاركة : 898  




تاريخ ومقارنة
كنت قد أشرت في الصفحات السابقة إلى الحادثة التي جرت لأستاذنا الزبيري مع الرجلين اللذين حاولا اغتياله، ثم استغفرا عما كانا ينويانه.. الخ، وقد أضفت قائلاً: إن الزبيري اطمأن إلى ما حدث، فلم يحذر، لأنه كان حسن الظن بالناس وهنا أتذكر قصة تاريخية ومعاصرة، مع اختلاف الحادثتين ومكانهما.
فقد حدثت الأولى «القديمة» في الصين، والأخرى «الحديثة» في اليمن.
لكن الإنسان هو سواء كان فاضلاً أم شريراً، والصراع بين الخير والشر منذ القدم، فلا غرو أن تتشابه القصتان.. وسأورد هنا القصة «القديمة» التي حدثت في الصين، والتي تعتبر عبرة من العبر.
أبو الصين.. سان يان سن
قام «سان يان سن» بست عشرة ثورة في الصين ضد الاقطاع والعبودية والاستبداد، ولم ييأس. كان يقول كلما أخفق في ثورة ما الإخفاق الأول.. الإخفاق الخامس، السادس.. وهكذا.
لم بتسرب اليأس إلى نفسه.. هرب إلى بريطانيا، وساعده الأطباء والمثقفون، ثم عاد إلى الصين ليقود الثورة العاشرة فأخفق أيضاً ثم فر إلى الولايات المتحدة، حيث لم يعدم من وجود أحرار شرفاء يبغضون الطغيان والاستبداد فساعدوه، وهكذا.
والحكاية التي أود أن أسجلها هنا للمقارنة هي:
هل تسمح لي أن أقتلك؟
قبل أن أسرد هذه الحادثة، أود أن أقول بأن أي مثقف مهما كان، ومن أي شعب من الشعوب في العالم المتحضر، حين يقرأ تاريخ الشعب الصيني يجد أن هذا الشعب لا يماثله أي شعب في العالم من حيث العبودية والإقطاع.. إلى درجة قد يعتبرها أي قارئ أنه نوع من الخيال، مع أنه من أعرق الشعوب في العالم وحضارته من أقدم الحضارات بيد أن الظلم الاجتماعي والإقطاعي وبالتالي الاستعمار أدى به إلى الدرك الذي صار إليه.
كان الدكتور «سن يان سن» عائداً من الولايات المتحدة متخفياً في باخرة تقلّه إلى بريطانيا، ومنها يتسلل إلى الشواطئ الصينية حيث سيلتقي زملاءه قادة الثورة المزمع تنفيذها.
علم به أحد المكلفين من الإمبراطور الصيني باغتياله، فتبعه واستقل تلك الباخرة، وقد حدثته نفسه أنه ربما يجد غرة لاغتيال الدكتور سن يان سن، وفيما كانت السفينة تمخر عباب المحيط، حاول ذلك المكلف باغتياله فلم يوفق، لأن الأول كان يأخذ جانب الحيطة والحذر.. فلم يسع ذلك الصيني المرتزق المكلف باغتياله إلا أن يقف أمامه في مائدة الطعام، ويقول له: «هل تسمح لي أن أقتلك»؟ هكذا ببساطة وحقد وربما بسذاجة، فابتسم الدكتور سن «أبو الصين»، وطلب منه الجلوس بجانبه ثم سأله ببرود.. أحقاً تريد قتلي.؟
ثم انهال عليه بالأسئلة: هل تعرفني من قبل؟ هل بيننا عداوة؟ هل قتلت أحداً من أسرتك؟ وهل؟ وهل؟ الخ.
فأجاب ذلك المرتزق بالنفي: لا..لا.. ولكن ياسيدي إن الإمبراطور يكرهك، ويعتبرك عدوه رقم واحد.. وقد كلف الكثير من الأشخاص بملاحقتك واغتيالك أينما تكون.. وأنا ياسيدي قد كلفني «السيد» الذي أعمل في أرضه أنا وزوجتي وأولادي «السيد الإقطاعي مالك الأرض المزروعة» وسيدي هو من جملة آلاف الأسياد الذين يملكون الأرض، وقد وعدني بأن يعطيني مبلغاً من المال أستعيد به أرضي، لكي أفلحها لي ولأولادي، وأنا يا سيدي الدكتور رجل فقير، سوف انتفع بهذا المال، وينتفع به أولادي.. أما أنت فإنك سوف تقتل إن لم يكن بيدي فبأيدي الآخرين.. فأنت مقتول لا محالة!! لما لا أكون أنا الذي أقتلك لكي أفوز بهذا المال لأحرر به نفسي وأولادي؟
وهنا قام الدكتور سن يان سن، وربت على كتف ذلك الفلاح الصيني، وألقى عليه محاضرة قيمة ظلت تشغل بال الأدباء، والشعراء الصينيين أكثر من نصف قرن.. بالرغم من قصرها.
قال الدكتور: «أتدري يا هذا لماذا يكرهني الإمبراطور»؟ قال: لا ثم هل أنت متأكد أنك لو قتلتني سوف يسلمك السيد تلك المبالغ التي وعدك بها؟ ثم هل تعلم بأن الملايين من الفلاحين أمثالك مستعبدون؟ وأنه إذا حررك أنت من هذه العبودية فلن يتحرر الآخرون؟ إنك لن تكسب شيئاً.. سوف تلطخ يديك بدم من كان يريد أن يحررك كم، وهو يريد استعبادكم!! ثم هل سمعت بأن عدة ثورات قد قامت في الصين وأخفقت؟ فأجاب ذلك المسكين: نعم سمعت بأن تمرداً قام عدة مرات ضد الإمبراطور للإطاحة به، ولكنها أخفقت.
وقد ختم الدكتور سن يان سن حديثه قائلاً: إني وزملائي الأحرار كنا وراء تلك الثورات المخفقة، وما زلنا نسعى للإطاحة بعرشه وبقية السادة الذين يستعبدون الشعب الصيني العريق.
وأمام هذا الحديث المبسط، ركع ذلك الفلاح، وجثا على ركبتيه مستغفراً، وتائباً ثم انصرف إلى مخدعه في الباخرة التي كانت تمخر عباب المحيط.
وفي اليوم التالي، وبينما كان أحد الخدم الذين يقومون بتنظيف غرف ركاب الباخرة، ينظف غرفة ذلك الصيني المرتزق، رأى على الطاولة ورقة مكتوبة باللغة الصينية، فخرج مذعوراً يفتش عن ساكن تلك الغرفة فلم يعثر علىه، فذهب إلى الدكتور سن يان سن وسلمه تلك الورقة، فلما قرأها الدكتور امتقع لونه، وأصابه الذعر، وظهر على وجهه الأسى والحزن ثم التفت إلى خادم الغرفة، وهو يحبس دمعتين بين عينيه الحزينتين وقال له: «مسكين.. لقد انتهى كل شيء، لقد قرر إنهاء حياته بنفسه، فقد خرج ذلك البائس إلى سطح الباخرة ليلاً، وهوى بجسمه النحيل إلى أعماق البحر، تتقاذفه الأمواج، وتتسابق إليه الأسماك.»
كان قد كتب في تلك الورقة: ليعذرني القارئ إن أخطأت فلم أعد أتذكر من الرسالة سوى أقلها ما معناه:
«عفواً أيها القديس العظيم.. اغفر لي أيها القديس ما كنت أنويه من سلب حياتك، فبقاء حياتك هو بقاءٌ للملايين الصينيين الواقعين تحت السياط والاستعباد. والكوابيس المزعجة المقلقة.
أيها القديس العظيم: أوصيك بأولادي عندما تقضون على الطغيان وسالبي حرية البشر وحياتهم.. لم أجد ما أكفر به حيالك سوى أن أضع نهاية لحياتي، وسوف ألقى بنفسي في خصم هذا البحر الهائج، وداعاً أيها القديس».
كان ذلك مضمون الرسالة.. وقد جئت بهذه النبذة من التاريخ المعاصر، لأضرب مثلاً للقارئ اليمني والعربي بأن الذي حدث في «أرحب» للأستاذ الزبيري لا استيعده.. فأولئك يمنيان مسلمان، وهذا صيني بوذي، وأحرى بالمسلم أن يكون أكثر إنسانية، ولكنهم مع ذلك بشر، فالإنسان هو الإنسان، تردعه أخلاقه وقيمه عن ارتكاب الجريمة وفعل الشر، والشرير إذا فعل الخير قد يتعذب لأنه صنع عكس طبعه أو عكس أخلاقه، ولهذا فإن المتآمرين على الزبيري وجدوا مرتزقة آخرين نفذوا جريمتهم دون رادع.
وليعذرني القارئ إذا كنت سأعرج هنا على خاتمة ذلك الإنسان العظيم الدكتور سن يان سن «أبو الصين» فقد نجح في القضاء على الإمبراطورية الصينية.. وكانت السنون الطوال والتجوال في الأقطار بين الشرق والغرب قد أثقلت جسده الذواي.. وقبل وفاته استدعى «ماوتسي تونج»، «وليو تشاو تشي» الذي أصبح أول رئيس لجمهورية الصين الشعبية عام 1949م، و«شوان لاي» وهو من الجانب الماركسي الشيوعي ومن الجانب الثاني حزب «الكومانتاج» وعلى رأسهم الجنرال «شان كاي شيك».
وبعد موت الدكتور العظيم «أبو الصين» اختلفوا من بعده، ثم قامت الحرب العالمية الثانية، وفي عام 48-1949م، هزم شان كاي شيك وظلَّ في جزيرة «فورموزا»- وهي تايوان حالياً-.
وبالمناسبة كنت قبل هذا التاريخ أقرأ عن الصين، وعن زوجة الدكتور «سن يان سن»، وأن زوجته، كانوا يلقبونها بفاتنة الصين.
لقد كانت قراءتي لهذا الموضوع قراءة عابرة، لم أعرها انتباهاً، بيد أني عندما عُينت سفيراً لليمن لدى جمهورية الصين الشعبية في نهاية عام 1966م وأوائل 1967م، إّبان الثورة الثقافية، وكان رئيس الجمهورية آنذاك الداهية الكبرى «ليو تشاو تشي» محصوراً في منزله.. الخ.
وكان نائب رئيس الجمهورية هي أرملة الزعيم الراحل الدكتور سن يان سن.
ورغم أنها لم تكن شيوعية إلا أن الزعماء الصينيين عينوها نائباً للرئيس تكريماً، وتقديراً للدور البطولي الذي قام به زوجها «أبو الصين».
وعندما ذهبت إلى هناك، قدمت أوراق اعتمادي إلى «فاتنة الصين» التي كنت قد قرأت عنها، وإن المرء ليذهل، ويَشْدَهُ عندما ينظر إلى هذه الفاتنة.. أنا أو غيري ممن قابلها لا يعطيها من العمر أكثر من أربعين عاماً.. رغم أنها آنذاك كانت قد تجاوزت الستين عاماً، ومن المفارقات العجيبة أن شقيقتها زوجة «شان كاي شيك».
بقد أوردت هذه القصة التاريخية عن ذلك الصيني الذي لم يكتف بالركوع والاستغفار لأبي الصين، بل صمم على أن يختم حياته بالانتحار غرقاً.
ولم لا تكون قصة الرجلين الأرحبيين مع الأستاذ الزبيري صحيحة، ولكن الزبيري رحمه الله، كان يحسنُ الظنَّ بالناس على الإطلاق، فيجعل الحالة النادرة قاعدة عامة.
اليمن في محنة
عام 1966م.. لا أعادها الله على اليمن، ولا على اليمنيين، ولا على أي شعب من الشعوب، ليس أدري ما الذي حدث آنذاك للسياسة المصرية، فأنا حتى هذه اللحظة أبرئ الرئيس جمال عبدالناصر، ولا أبرئ المخابرات المصرية والقادة المصريين وأولهم عبدالمحسن كامل مرتجي، وطلعت حسن وعبدالقادر حسن، ومن لف لفهم، ومن ورائهم أولاً كان أنور السادات وأخيراً المشير عبدالحكيم عامر، فقد راحوا يتدخلون، في الحكم، وحتى في السجون أيضاً.. لا أعاد الله تلك الأيام، كنا نعيش عهد إرهاب، وتالله.. رغم أنني عانيت، وعانى الأحرار أكثر مني فإننا لم نخف، ولم نعانِ، ولم ترتجف أجسامنا وقلوبنا خوفاً ورهبة وهلعاً حتى في أيام الإمام، كما في تلك الأيام السود.. حدث ماحدث في الاعتصام للفريق حسن العمري، والقاضي عبدالرحمن الإرياني، ومحمد علي عثمان، كل الحكومة بما فيهم رؤساء الأركان وكبار الضباط اعتصموا في العرضي ثم كان اللقاء الأخير في مجلس الوزراء بالقصر الجمهوري.
وقد ذهب جميع من كان في الاعتصام في العرضي ـ وجهاء اليمن وساسته، ومفكروه ـ إلى مصر ماعدا محمد علي عثمان، وذلك لمقابلة الرئيس جمال عبدالناصر، والقصة كلها معروفة، فقد سجنوا جميعاً في السجن الحربي «في مصر»، وربما كان وراء كل ذلك المشير عبدالحكيم عامر، ولكن الذي كان صريحاً ومواجهاً لهم هو وزير الحربية آنذاك «الرائد شمس بدران» صنيعة عبدالحكيم عامر.
وهكذا لم يبق خارج السجن سوى القاضي عبدالرحمن الإرياني.
ولكن لم يسمح له بالخروج من مصر، فقد ألزم بإقامة جبرية.
وفي ذلك الوقت أيضاً راحوا يعتقلون الأبطال والأحرار في اليمن في سجن الرادع، والقلعة وتعز والحديدة وإب، وغيرها من مدن الجمهورية.
وأذكر على سبيل المثال: القاضي الفاضل عبدالله الشماحي أدخل إلى السجن، والأستاذ الكبير الشاعر الذي نذر نفسه للقضية والذي أعدم أبوه، عبدالله عبدالوهاب نعمان اعتقل أيضاً، وأخذت سيارته.. ثم جيء من تعز بالعميد محمد عبدالولي نعمان وبجانبه الشاعر والأديب الكبير علي بن علي صبره، وعبدالملك الأصبحي.
وقد زرتهم خفية، وهم وتالله حتى يومنا هذا لايعرفون بأني كنت أشد معاناة منهم.. كنت أزورهم باسم وكيل وزارة الصحة، وباسم الهلال الأحمر اليمني، وكنت أرتعش خوفاً ووجلاً، أنا لايهمني السجن، ولا أن أقتل، كنت أخشى أن أهان، هذا كان كل همي.
وجاءت الليلة.. جاء اليوم الأسود.. جاء اليوم الأغبر..
جاء اليوم الأسود الذي تغيرت فيه الأمور وضاعت القيم، وأضيف إلى حزني أحزان وإلى جرحي جراح؛ فبالأمس القريب فقدت وفقد الوطن الشهيد علي الأحمدي، ثم تلاه أستاذنا الكبير الزبيري، واليوم أفقد مناضلاً ثالثاً، إنه العميد محمد الرعيني.
إعدام الشهيد محمد الرعيني
كنت في ذلك اليوم المشؤوم بمنزل الدكتور سعيد الشيباني ومعنا الدكتور عبدالله الحريبي، وأحمد ثابت وفتح الأسودي ويحيى الأخفش، إذا بنا نفاجأ بصوت المذيع ويالهول ماسمعنا «إعدام الخائن محمد الرعيني» الذي تعاون مع أمريكا وإسرائيل؛ إعدام فلان.. إعدام.
فأجهشت بالبكاء أمام الإخوان، وكنت أشهق، وظللت أبكي، وأبكي.. وهنا تذكرت قول الشاعر الأردني الرفاعي في قوله:
لا أمسح الدمع السخين لراحل
إلا لأذرف دمعة للتالي
حتى غدوت لطول مانظم الأسى
أبكي على النبأ المروعِ حالي
المهم أني لا أستطيع أن أصف حالتي في تلك اللحظات، ولقد خشيت أن أصاب بالانهيار؛ وكنت أحدث نفسي قائلاً: أيقتل العميد محمد الرعيني وبهذه البساطة، ثم بتهمة الخيانة؟ فليقتل محمد الرعيني أو محمد عبدالواسع، ولكني بتهمة الخيانة؟ كلا وكلا؛ لقد تعرفت على ذلك الإنسان عام 1952م وأنا قادم من فرنسا على متن الباخرة «معين» وذلك في الحديدة، ثم ساقني سوء طالعي إلى أن التقيه عام 1961م في سجن الحديدة مع الزملاء الشيخ أمين عبدالواسع نعمان وحسين المقدمي ويوسف هبه ومحمد الكاظمي.. والحديث عنه في تلك الفترة العصيبة يحتاج مني إلى صفحات؛ ثم التقيته بعد الثورة في الحديدة برفقة زميل الغربة علي محسن الزرقة، ثم.. وزيراً للداخلية وكان رحمه الله لايملك أي شيء، وأنا أتحدى من قال أن لديه رصيداً في أي بنك من البنوك المحلية أو الأجنبية.. هكذا وبهذه البساطة يعذب ويقتل.. ومن هو وراء هذا كله..؟
لم نتهم آنذاك الحاكم اليمني ولا المدعي العام، فهما مسكينان لا حول لهما ولاقوة.. اتهمنا ضباطاً مصريين كانوا يعملون ضد اليمن، وضد الشرفاء وضد الرئيس جمال عبدالناصر.. هكذا كان.
كنت حينها أرتعش من الخوف في أثناء زيارتي لكل من عبدالملك الأصبحي وعلي بن علي صبره، والعميد محمد عبدالولي.. هم لايعرفون ماذا كنت أعاني، لم يشعروا إلا وأنا في الصين.. لماذا؟ وكيف ذهبت؟
كنت سفيراً في الصين
ذات ليلة.. ليلة جميلة جداً، والسماء صافية، والنجوم مضيئة، كنا في حفلة في السفارة الأمريكية بصنعاء، وإذا بي انتحي جانباً بالزميل الطيب الذكر، والذي لم ولن أنساه محمد عبدالعزيز سلام الذي كان وزيراً للخارجية آنذاك.. قلت له:
يا أخ محمد.. نحن تعارفنا عندما جئت إلى عدن هارباً من الطغيان وأنا في الشيخ عثمان في كلية بلقيس، والآن كما ترى نحن أصدقاء.. ألا تستطيع أن تعينني في الخارج؟! وأنت وزير خارجية.. أو تقدم اسمي مثلاً للمشير عبدالله السلال قنصلاً أو وزيراً مفوضاً أو سكرتيراً، أو أية وظيفة أخرى، المهم في الخارج؟ قال: ألست مرتاحاً هنا؟؟
قلت له: أية راحة تراني فيها؟ أقعد في فندق صنعاء.. لم أجد حتى تذاكر السفر أو سيارة لتأتي بأهلي إلى صنعاء.. أنا مازلت كأني عزباً أنت لاتدري كيف أعاني، وكم وكم أقاسي!!
فقال لي: أنت أكبر من أن تكون سكرتيراً أو قنصلاً.. أنت سفير، ولكن لم يبق معنا إلا الصين!!
قلت له: الصين أو ماوراء الصين، أو حتى الهملايا أو التبت، المهم، والله، أنه لم يقصر، فقد رشحني، فقلت له: أكتم هذا السر خوفاً من وزير الصحة «الواسعي» أن يعرقل الأمر، ليس لأنه يكرهني، بل لأنه يودّني: فقد كان كثير الأسفار إلى الخارج وإلى مصر بالذات، وكنت أنوب عنه في غيابه، فخفت أن يعرقل سفري إلى الصين، رغم أن الصين كانت تعيش حينها أيام الثورة الثقافية فهي، آنذاك، عبارة عن جهنم، لكني قلت: «حنانيك بعض الشر أهون من بعض».
ومن حسن حظي أيضاً أنه عندما كنت في عام 1965م نائباً لوزير المواصلات جاء إلى صنعاء نائب وزير المواصلات الصيني على رأس وفد لتهنئة اليمن بعيد ثورته، وقد رافقته أنا عن الجانب اليمني، فتعرفت إليه كما تعرفت إلى السفير الصيني، وقد ارتاحا إليَّ كثيراً، لأنني كنت أحدثهم عن «أبو الصين» الدكتور «سن يان سن» وعن «شان كاي شك» وعن «ماوتسي تونغ» وسور الصين العظيم.. إلخ، كنا نتحدث عن معلومات عامة أخرى خلال الأيام الثلاثة التي قضوها في صنعاء.
فلما جاء ترشيحي إلى السفارة الصينية، أبرقوا إلى الصين، ولم تمض أربعة أيام حتى جاءت الموافقة بقبولي سفيراً لليمن في الصين الشعبية.
وسامح الله أولئك الذين ذهبوا إلى المشير عبدالله السلال، قائلين له، عندما أذيع اسمي من إذاعة صنعاء: أنت ترشح محمد عبدالواسع حميد الأصبحي هذا.. وهو يعمل ضدكم وضد العهد، وهو مع الذين ذهبوا إلى مصر مع القاضي عبدالرحمن الإرياني، ومع النعمان.
ومع الأسف أن من قال هذا كان صديقاً، وقد أعترف لي فيما بعد سامحه الله.
وإذا بالمشير عبدالله السلال يقول له: «بس يا «فلان» قد هو هذا رابع واحد.. عيتعقدوا الصينيين مننا.. الأول الفسيل، وبعده سنان وبعده المروني، وهذا الرابع.. ماشي.. خليه يذهب».
وقد أبلغني ذلك الأمر الرجل الطيب الذي مازلت أحترمه حتى الآن على الرغم مما يُشاع عن جنونه، إنه الشاعر والأديب واللغوي محمد يحيى الزبيري صاحب «الشعوبه»، ثم بلغني أيضاً علي ناصر العنسي رحمة الله عليه.
هذه الحوادث الصغيرة لم تؤثر كثيراً في حياتي، لأني حينها سافرت إلى الصين، فقد تعرفت في 1957م على شخص، كان صديقاً للمشير عبدالله السلال وكانت فيه مسحة ماركسية شيوعية.. لست أدري ما الذي دفعه إلى أن يعاديني رغم أننا كنا أصدقاء.. ربما لأنه كان يبغض الدكتور سعيد الشيباني.. لست أدري.
وذات ليلة بينما كنا جالسين الدكتور عبدالله الحريبي وفتح الأسودي وأحمد ثابت وأنا.. إذا به يقدم إلينا، وبدون مقدمات، فيقول: «إنكم أيها الأًصدقاء اللا أصدقاء ضد العهد وضد الرئيس، وسوف تلاقون مصيركم، وأنت ياسفير الصين «والكلام موجهٌ إلي» سوف تلاقي مصيرك» كان هذا لأنه سمع من إذاعة صنعاء إعلان القرار الجمهوري بتعييني سفيراً في الصين، ولكنه لم يستطع أن يعكر شيئاً، سامحه الله فقد كان ثملاً جداً وإلا لما كتب لي رسالة بخطه وتوقيعه وبالمضمون نفسه.
وقبل هذا حاول أن يثني المشير عبدالله السلال عن تعييني، وتكلم عني بسوء ـ سامحه الله ـ وإذا باللواء عبدالله جزيلان ينهره قائلاً:
أنت دائماً يا «فلان» ضد الشرفاء.. أنت لست بشريف، أنت تعمل ضد الشرفاء، وضد الأحرار.. إلخ فصمت، وخرج!!
ذهبت إلى الصين، وما أدراك ما الصين أيام الثورة الثقافية؟! كنت لا أدري ماكنهها، كنت أعتقد أن الثورة الثقافية هي إحياء وإثارة وإذكاء نار تبعث في الشعب ثقافته القديمة والحديثة، وإذا بالثورة الثقافية تعني الركود والجمود، والتخلف لقد أخرت الصين ربع قرن من الزمن..
أقفلت كل الجامعات والكليات والمدارس الثانوية والإعدادية، وأخيراً عندما كنت هناك أقفلت رياض الأطفال أيضاً.
تلك هي الثورة الثقافية.. ذهبت إلى الصين في تلك الأيام، ورغم هذا كله كنت مرتاحاً.. مرتاحاً نفسياً وليس إلا، وما عدا هذا فقد كنت أتعذب وأتألم علي وطني، ورغم أنه لم يكن يوجد آنذاك لامبنى للسفارة ولاسكن ولاسيارات كما قيل لي في صنعاء، كنا خمسة أفراد، الخامس هو السكرتير الأول أحمد عبدالمعطي الجنيد ـ أقدم موظف في وزارة الخارجية ـ قعدنا في فندق بكين مايقرب من شهرين، ثم استأجرنا مقراً للسفارة وسكناً لرئيس البعثة، والحديث عن السفارة والسكن طويل جداً جداً.
ريتر بورج
هو أخطر جاسوس أمريكي إسرائيلي ظهر في تلك الفترة في الصين، تزوج بامرأة صينية، ثم بعد موت الزوجة الأولى تزوج بأخرى.
تدرج في الوظائف حتى توصل إلى أن يكون مديراً للإذاعة والتلفزيون كان خطيباً مصقعاً ومفوهاً لسنا في اللغتين الإنجليزية والصينية، ولما تأكد بعض الإخوة من السفراء العرب من خطورته، كانت إجابات المسؤولين الصينيين وماذا في ذلك؟
إن «ماركس» يهودي، ولكنه كان المؤسس للاشتراكية العلمية، وكان الرقم الثاني هو «إسرائيل ابتشاين» مؤلف كتاب «من حرب الأفيون إلى حرب التحرير» الذي ترجم إلى عدة لغات بمافيها العربية.
المهم أن هذا الجاسوس الخطير لم يكتشف إلا مؤخراً، في الصحف الحائطية والتي كان يشترك فيما بعد في تحريها الزميل العزيز صالح الدحان، ولكنه لايدري، أو لا يتذكر.
كان ريتربورج قد ذهب إلى الصين في الأربعينيات، واشترك مع الرئيس «ماوتسي تونج» في المسيرة الكبرى، التي قطعوا فيها حوالي «000،14 كيلو متر» سيراً على الأقدام وعاد وإذا هو جاسوس أمريكي إسرائيلي وقد اعتقل في عام 1969م، ومات في السجن كما قيل لي.
وخلال إقامتي في الصين حاولت أن أدفع بالصينيين إلى أن يرسلوا الخبراء، والمعدات لحفر الآبار، وإصلاح الطرقات، والتي منها طريق «صنعاء ـ صعدة» وقد أثمرت هذه الجهود قبل أن انتقل من الصين.
ولكن قبل أن أتحدث عن كيف انتقلت؟ وكيف طلبت أن أتغير من الصين؟ فهو حديث طويل، لابدّ لي أن أتذكر بعض ذكرياتي هناك: ففي عام 1968م وأنا في الصين.. كان قد بدء السأم والملل يدبان إلى نفسي.. خاصة بعد سفر السفير العراقي المرحوم منير رشيد الكيلاني فقد كنا نقضي معظم الليالي في منزله مع أعضاء سفارته، وأحياناً عندي في المنزل.
بعد سفره لم يبق لي من سلوى سوى اليمنيين الثلاثة الذين كانوا يعملون مع الصينيين قبل مجيئي إلى الصين بعامين وهم «محمد الحيمي، صالح الدحان، عبدالقادر هاشم» أما محمد عبدالرزاق فقد كان متقوقعاً كانوا جميعاً مع زوجاتهم، أما أنا فقد كنت عزباً، بعد عودة زوجتي والأولاد، فضقت ذرعاً بالبقاء، رغم أني كنت محبوباً لدى الأوساط الدبلوماسية العربية والأجنبية وحتى الصينيين.. كانت السفارات العربية آنذاك قليلة جداً..كانت هناك ست سفارات فقط، وهي سفارات:« الجمهورية العربية المتحدة «مصر» العراق، سوريا، المغرب، الجزائر، اليمن» ثم تبعت منظمة التحرير الفلسطينية وقبل مغادرتي للصين بشهرين فتحت سفارة موريتانيا على حساب الصين كنا لانلتقي إلا لماماً، وذلك عندما تقام الحفلات الرسمية والشعبية لساعتين أو ثلاث ثم أعود إلى المسكن.. حيث الوحدة والوحشة.
ولا أنسى الصحفي السوري المشهور «عبدالرحمن أبو قوس» وكان يشغل آنذاك منصب الأمين العام لاتحاد الصحفيين الأفرو آسيويين وقد تعرفت إليه فور وصولي في فندق «بكين» محل إقامته الدائمة، حيث أقمت هناك أنا أيضاً في البداية لفترة، وقد أفادني كثيراً، وحدثني عن مجريات الأمور في الصين آنذاك.
وعندما انتقلت إلى السفارة والسكن الذي استأجرته في حي «سان ليتون» كان كلما وصل وفد عربي غير رسمي، لاسيما من الفلسطينيين الذين تلاحقت وفودهم..سواءً أكانت وفوداً عادية، أم صحفية، أو ماشابه ذلك، كان يقول لهم إذا أردتم أن ترتاحوا أو تأكلوا أكلات ممتازة فلن تجدوا غير السفارة اليمنية.. وقد أعطيته النور الأخضر بأنه إذا أراد أن يعزم أو يدعو أحداً فليدعه.. يتصلون بي فأدعوهم جميعاً..وهكذا.
وقد ذكرت آنفاً أنني أنشدت قصيدة الشاعر محمد أنعم غالب التي عنوانها «الطريق» أمام الوفد الفلسطيني، وهي تمثل معاناة اليمنيين والفلسطينيين.
في عام 1967م وأنا في الصين ـ ولا أفاخر ـ أرسلت مرتب شهر «250» جنيهاً استرلينياً تبرعاً للمجهود الحربي، كما تبرع اثنان من أعضاء السفارة وهما أحمد عبدالمعطي الجنيد وعبدالولي سليمان بمبلغ «100» جنيه استرليني كما دفعت «50» جنيهاً استرلينياً عن الزميلين محمد الحيمي، وصالح الدحان.
وقد أرسلنا تلك المبالغ برقياً عن طريق البنك اليمني للإنشاء والتعمير، وكنت أود أن تذاع تلك التبرعات، لا لأني أريد أن يذكر اسمي فأنا كما قال المثل البدوي:« حميد معروف، لابس حلة أو صوف» ولكن كنت أريد أن أشجع الآخرين على التبرع..سواءً كانوا سفراء أم تجاراً أم أفراداً.
ولكن مع الأسف كان الدكتور محمد سعيد العطار الذي تسلم المبلغ كما قال لي مشغولاً جداً، فقد كان أحياناً يطلع الجبال الرواسي مع وكيل وزارة الاقتصاد الأستاذ فتح الأسودي.
المهم..في ذلك العام بدأ السأم يدب إلى نفسي بشكل رهيب، فلم استطع معه صبراً.. خاصة بعد سفر السفير العراقي.
بعثت برسالة إلى الخارجية اليمنية،وإلى الدكتور محمد سعيد العطار وزميله أحمد عبده سعيد..حيث كان الدكتور العطار وزيراً للاقتصاد، ورئيس البنك اليمني للإنشاء والتعمير، وأحمد عبده سعيد وزيراً للمالية. والدكتور حسن مكي وزيراً للخارجية.. كتبت إليهم أطلب أن أتغير من الصين، فقد سئمت البقاء في الصين وقد أديت واجبي بمافيه الكفاية.. وهذه الثورة الثقافية هنا في الصين «أقضت مضجعي» وقد قلت لهم ـ وكأنه تهديد، وبسذاجة ربما: إن لم تغيرني وزارة الخارجية حتى شهر يونيو 1968م فسوف آتي بدون طلب، أو بدون رخصة حتى ولو إلى «الرادع» السجن.
وهكذا جاء نقلي من الصين إلى اليمن ولم يكن يعرف الصينيون ولا الدبلوماسيون العرب والأجانب.. إنني أنا نفسي الذي طلبت الانتقال وكان طلبي مفاجأة لهم والله وتالله إني كنت محبوباً جداً، حتى السفارات التي كانت موجودة في الصين، والتي لاتتعدى «36» سفارة أقامت لي مايقرب من «22» حفلة وداع، مابين غداء وعشاء وهكذا.
أما حفلات الاستقبال فقد كانت قرابة «12» حفلة وأكبر حفلة أقيمت لي كانت من قبل السفارة المغربية.. فقد كانت تربطني بالسفير المغربي علاقة طيبة وحميمة.. وهناك قصة طريفة حدثت لي مع القائم بالأعمال السابق الذي أصيب بهوس، ثم رحلناه إلى المغرب وربما أكتب فصلاً صغيراً مستقلاً فيما بعد بعنوان «كيف تحولت إلى طبيب نفسي للقائم بالأعمال المغربي».
كما أقام لي حفلة كبرى أيضاً عميد السلك الدبلوماسي العربي والأجنبي المرحوم اللواء زكريا العادلي إمام تغمده الله بواسع رحمته، فقد ساعدني كثيراً وأنار لي الطريق في الصين..وقد اقترح علي قبل إقامة الحفلة بثماني ساعات أو ست أن أودعه بقصيدة، وكانوا يسمونني السفير الشاعر والسفير المبتسم والسفير الضاحك..الخ حاولت جاهداً إقناعه بأنني لست شاعراً وأنني حفاظة فقط..أبداً..أصر على أنني شاعر، ولا بد من قصيدة وداع.
المهم استطعت خلال تلك الساعات القليلة أن آتي بثمانية عشر بيتاً فقط وأنا أسمي هذا النوع من الشعر «حلمنتيشي» لأنه أقرب إلى النظم «ربما» وكم أنا أسف على أنني أضعتها، ماعدا هذه الأبيات القليلة التي أسطرها لكم:
يارفاقي في الدم والآلام اعذروني في ثغري البسام
مبسمي ضاحك وقلبي حزين يتنزى من الجراح الجسام
ليتني ليتني ومانفع ليت والأماني فوارس الأحلام
وقد تعين خلفاً لي في الصين الدكتور عبدالواحد الخرباش، والذي لم يقعد أكثر من عشرة أشهر..وعندما تعين الأستاذ محسن العيني «رئيساً للوزراء» غيره بالأستاذ عبده عثمان، بعد موافقة القاضي عبدالرحمن الإرياني..وقد ظل صاحب القلب الكبير، والذهن الواسع الشاعر والدبلوماسي عبده عثمان مايقرب من سبع سنوات سفيراً لدى الصين.
في هذه الأثناء حدثت حوادث أثرت في اليمن، سأحاول أن أمر عليها مر الكرام أهمها:
ـ تلك المظاهرات التي قامت على السفارة الأمريكية، فقد أقفلت هذه السفارة، وكذا النقطة الرابع التي ساعدت اليمن أقفلت أيضاً، وذهب الأطباء والخبراء نتيجة الغوغائية والدهماء والمظاهرات والسياسة الخرقاء مماأدى إلى قطع العلاقات بيننا وبين الولايات المتحدة، كل ذلك كان قبل النكسة.
ـ في الخامس من حزيران 1967م عندما حدث العدوان أو الضربة القاصمة لمصر وللعرب ـ النكسة الرهيبة ـ هذه النكسة أثرت على مصر عبدالناصر وعلى العرب، وحتى يومنا هذا مازلنا نعاني من بقاياها.
بعد النكسة والفجيعة..قرر الزعماء العرب عقد قمة في «الخرطوم» في السنة نفسها وقد حضرها من الجانب اليمني المرحوم المشير عبدالله السلال..وفيها قرر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر ـ يرحمه الله سحب القوات المصرية من اليمن..وكان هذا مطلب الملك فيصل وآخرين..ولم يكن لليمن جيش مدرب قوي آنذاك..وكل اليمنيين الذين عاشوا المرحلة يعرفون ذلك.
ـ في أوائل نوفمبر 1967م غادر المشير عبدالله السلال اليمن إلى العراق، وبعد رحيله بيومين أي في 5 نوفمبر 1967م قامت الحركة المعروفة والتي تولى فيها العلامة القاضي عبدالرحمن الإرياني رئاسة المجلس الجمهوري وعضوية الشيخ محمد علي عثمان والفريق حسن العمري.
ولما كنت حينها ما أزال في الصين، أترك كتابة تفاصيل هذه الحركة للكثيرين ممن عايشوها، وللصديق الصدوق العميد محمد علي الأكوع وهو أدرى بها من ألفها إلى يائها «كل الصيد في جوف الفرا» كما يقول المثل:
وكان ماكان..بريطانيا، فرنسا، أمريكا، ألمانيا.. كل هؤلاء ليسوا معنا..لأننا أسأنا علاقتنا بهم، وخاصة مع الولايات المتحدة وألمانيا الغربية التي اعترفت بنا مباشرة هي والولايات المتحدة.
ـ تسلم القاضي عبدالرحمن الإرياني ذلك العملاق الذي يسير إلى الموت وهو يبتسم أمور الحكم في البلاد، وكانت اليمن تمر في أحلك ظروفها وأدقها، وأعتقد أن حصار صنعاء أو حصار السبعين يوماً قد أظهر حنكة القائد وصموده وبسالة الوطنيين الشرفاء واستماتتهم في الدفاع عن الثورة والجمهورية فقد حاصر الملكيون صنعاء، ليقضوا على الثورة والجمهورية، ويستأصلوا شأفتها.. كانوا يقاتلون بشراسة، ولم يتجمعوا بكثرة كما تجمعوا وقاتلوا أيام حرب السبعين يوماً عام 1967م.
لكن صمود رئيس المجلس الجمهوري وزملائه والقوى الوطنية الشريفة التي اتحدت اتحاداً عظيماً لم تر اليمن مثله أحبط ذلك الحصار، وبدد تلك الحشود.
وعندما حوربت الثورة والجمهورية من قبل الملكيين، وقد كتب عن ذلك الكثيرون، فر الكثير من الأبطال والضباط والقادة وبقي ذلك الشيخ الوقور القاضي عبدالرحمن الإرياني صامداً هو وزملاؤه أمثال: محمد علي عثمان والفريق حسن العمري، وغيرهما.
لقد صمدوا صموداً بطولياً رائعاً مع القوى الوطنية الشريفة التي قاتلت بشراسة واستماتة.. حتى انجلى الموقف بفك الحصار والنصر المؤزر.
لقد حاز الشعب اليمني إعجاب العالم..سواءً من العرب أو من غير العرب لأنهم صمدوا دون أية معونة خارجية أو مساعدة أجنبية إطلاقاً.
وهذه الحقبة الزمنية التي سطر فيها الشعب اليمني أروع بطولاته وملاحمه.. تكاد تكون أسطورية..فقد كتب عنها الكثيرون، ومازالت هناك كتابات لم تر النور بعد





توقيع ( mohi )
يارب .هئ فسحــــــــةً للعمر كي يرتاح من عطش التجارب...
من غبار البحث في الأحداق.... والأسباب..
 


رد : محمد عبدالواسع الأصبحي يتذكر ـ الحلقة "29"
mohi
مدير الموقع

غير متصل حالياً
رقم العضوية : 1
عدد المشاركات : 1270
تاريخ التسجيل :
الخميس 23-09-2010
 
مراسلة الموقع الشخصي

 حرر في الجمعة 19-08-2011 05:13 مساء || رقم المشاركة : 899  



كما أن القارئ سيقف أمام بعض الحقائق الإقليمية التي تشمل البحر الأحمر وخاصة في شطره الجنوبي وما جرى على ساحله الشرقي في اليمن وساحله الغربي الذي تقع عليه بعض دول ومناطق شرق أفريقية وما كان يدور في شرق أفريقية من الصراع الاستعماري الذي أدى إلى نشوء دول واختفاء أخرى وهو لا تزال رحاه تدور أمام أعيننا إلى هذا اليوم.. ولن يسع القارئ إلا أن يشعر بالإعجاب إلى حد الدهشة، لما أبرزه الأستاذ محمد عبدالواسع الأصبحي، من أخبار اليمنيين في تغريبتهم الحديثة التي بلغوا بها أصقاع الأرض، وما قابلوه من أهوال تتضعضع أمامها الجبال، ولكنهم قابلوا كل ذلك بصبر عظيم، وجلدٍ لا يذل ولا يهون، وبقدرة على التكيف مع عالم غريب ينكرهم وينكرونه، وينفيهم فيقتحمونه، مما ينبئ عن معدن صلب عريق لهذا الشعب الذي أنجب هؤلاء الرجال، ويبشره بمستقبل زاهر مجيد رغم كل ما يحيط به من مكر الأعداء وقسوة الظروف.. ولو كان لي أن أوجه نداء لهتفت.. نداء.. نداء..: أيها اليمنيون اقرأوا مذكرات المناضل الحر الأستاذ «الخال» محمد عبدالواسع حميد الأصبحي المعافري الحميري اليمني، من هذه المنطلقات، وستجدون فيها طاقة خلاقة قوية، تدفع بالمسيرة إلى الأمام بثقة ماضية وجباه عالية.
دمشق 21-5- 1996مــ مطهر الإرياني
«الجمهورية» تعيد نشر هذه المذكرات لرجل ساهم بقسط وافر في خدمة الوطن واستذكر ملامح وشواهد من التاريخ المعاصر لليمن والظروف المحيطة بتلك المرحلة وهي مذكرات أحق أن يقرأها هذا الجيل الذي لا يعلم حجم تلك التضحيات وطبيعة الظروف فضلاً عن اتسامها بالأسلوب الأدبي الشيق في رواية الأحداث والأسماء
البيضة لم يفهم
قصيدة محمد عبدالله ربه الوهبي
الشاعر محمد عبدربه الوهبي من قيفة، وهي في المشرق من مذحج:
وناهيكم بأن قائفة ومراد والحدا من مذحج مع العنس هي موطن الشعر قبل الإسلام وبعده.
هذه القصيدة ألقيتها أيام التداعيات، عندما ذهبنا إلى علي سالم البيضة.. هكذا البيضة، وكنت بمعيّة المشير عبدالله السلال رحمه الله، وكان معنا أيضاً وجهاء اليمن الشمال والجنوب في مقيل، ومنهم حمود بيدر، فجئت بتلك القصيدة، وقدّمت لها بمناسبتها، فقصصت ماجرى للشيخ محمد عبدربه الوهبي «من بني وهب» حين جاء التيوس أحمد ناصر الذهب وعبدالولي ناصر الذهب، فهجموا عليه، وأخذوا من إبله ومواشيه، وساقوها مستولين عليها.
فجمع قومه، واستشارهم: مارأيكم؟
فقالوا: الحرب الحرب، ما أخذ بالقوة لايستعاد إلا بالقوة.
فقال لهم: ما رأيكم ياقوم أن نحاورهم بالسلم، وكلنا من قائفة، من قبيلة واحدة، وإن كنا متفرقين «دويلات» كما نقول الآن؟
أخيراً، أعياهم وأعيوه، فقال: أمهلوني شهراً، فذهب وأخذ ثلاثة أو أربعة من أصحابه الذين يثق بهم، ومرّ على منطقة اسمها «المشيريف»، وهي حد بين قيفة ومراد، فوجد فتاتين يمتحن الماء، فعرّفهن بنفسه، وكان شاباً جميلاً، وكانت الفتاتان جميلتين أيضاً، فقالتا له: ألست الشيخ محمد عبدربه الوهبي؟
قال: نعم.
قالتا: نحن نعرف قصدك، فامضِ معنا إلى بيتنا، وستجد عند والدنا مايسرّك.
فذهب، ودخل مع الضيوف، فلم يتكلم فقال له صاحب البيت: أنت ضيفي، وضيّفه ثمانية أيام بدل يومين أو ثلاثة. ثم قال: اسمع ياشيخ محمد عبدربه الوهبي، هذه مواشيك، وهذي الرعاة، وهذا كل مايوصلك إلى بلدك وعد مكرماً مبجّلاً، وأنت منا بمنزلة العضو من الجسد.
بعد هذه الحادثة كتب الشيخ الوهبي قصيدته المشهورة هذه، وهي ذات أبعاد اجتماعية وسياسية عظيمة جداً، جاءت بشكل قبلي، وحين ألقيتها في ذلك المقيل الذي أشرت إليه في المقدمة، كنت أعني بها علي سالم البيضة، ولكنه لم يفهم.
يقول الشاعر:
يقول أبو مفطمٍ «1» كلاً حلم بهمْ
وأنا اتحيّرْ هنا يومين هندامي
من يوم ما عاد وافيت أحمر المبسمْ
يمشي مصوّر قليل الخير قدّامي
ياقاسم إني لقيت أعصم وريت أعصم
غرّان حجلان فيهم وشم واسامي
من يوم ماعاد لاتنشد ولاتفهمْ
ولاتخبّر على زينات الأكمامِ
خيرة بنات أمنا حوا وأبونا آدم
وخيرة اليوم بدّاءً وختّامِ
صيد «المشيريف» جاء من يم وحنا يم
محجّلات السواعد بيض الأكمامِ
لقيتهن حيث طير الموت قد حوّم
فيّ «المشيريف» لكن حدّ ظلامِ«2»
ذا قيل له من السبّق حصان أدهمْ
أحمر شلي شو هلي مقدام مهمامِ
يسبق ويلحق ويتقفّا ويتقدّم
على كُريان ذي ماهو مَعَ يامي«3»
ياقانص الصيد لو تدري ولو تعلم
عن عاد للدم رامي من قفا رامي
ماهي رماية حجر من صابها سلّم
ولا المضانيك ترمي مثل الأنسامِ
ولا حديث أهل الافيا من فسل ماهم
مثل الذي بايثب للموت في الحامي
كما أنّ بعض القبائل مادري من كم
ياكل ويشرب وهو من جيز الأنعامِ
وأنا حمول السرف والميل لابن العم
اصبر على البيّنة وادحق على الهامي
أما متى أصبحت أنا وايّا نتراجم
بايفرح الخصم ذي قد هولنا ظامي
ومن له أصحاب مثل أصحابنا ماهم
...........................
نصبر عليهم ونتودّد ونتوسّمْ
على بني وهب عوجان التكلامِ
لكنهم عند دعوى ذم ولا دمْ
حمران الأعيان شلّلاين الغرامِ
هم درعنا في الحظا هم سيفنا المبرمْ
هم ذي لهم في الجمالة سبعة أقسامِ
والضيف لا جانا نخرج له لاثم
حتى ولو كان يهودي غير إسلامي
هذه هي القصيدة التي تشرّفت بإلقائها آنذاك، ولكن صاحبنا البيضة لم يفهم.
قصيدة العزّي صالح السنيدار
المرحوم العزّي صالح السنيدار هذا المناضل الكبير، وكلمة مناضل أصبحت لاتعني شيئاً هذه الأيام.
هذا الرجل عُذّب، وسجن في سجن حجة، ثم فرّ هارباً إلى عدن، ماذا يصنع هذا الإنسان؟ ذهب وتعلّم «ترزياً» يخيط الثياب، وأذكر لما قال الأستاذ علي بن علي صبرة قصيدته المشهورة الغزليّة التي مطلعها:
أهلاً بمن داس العذول وأقبلْ
وطلعته مثل الهلال وأجملْ
والتي غناها السنيدار وعلي الآنسي رحمه الله، وغيرهما، فجاء العزّي صالح بقصيدة رائعة، يعارض فيها قصيدة علي بن علي صبرة، نشرتها جريدة الكفاح جريدة حسين بيومي الله يرحمه، منها:
أهلاً بمن داس العباد وأقبلْ
أهلاً بمن دك البلاد بمعولْ
أهلاً وسهلاً يا جماد الأولْ
ذكرتنا أشياء تغضب الله
أهلاً بعيد السلب والإباحة
عيد الصراخ والخوف والنياحة
أهلاً بعيد الدم والذباحة
دما بريّة لا أعادك الله
ويقول فيها:
العيد للأفراح لافجايعْ
والعيد للعمران والمصانعْ
لاعيد استبداد والمطامعْ
وسلب باسم الدين وشرعة الله
عيد الشقا يومك فظيع أسودْ
في كل يوم نذكر سجين مبعدْ
وإلا غريب من الوطن مشرّدْ
والا فقير مظلوم يرحم الله
وإلا شهيد وإلا سياط الجلدْ
مافيك ياعيد الشقاء مسعدْ
إلا منافق أو مورد الخدْ
والا فكذاب مفتري على الله
عيد المهازل في جماد مسرحْ
لعائلات دموعها بتسفحْ
مهرجان للقلوب يجرحْ
وأيتام تطلب حقها من الله
ويختمها بقوله:
والشعب عارف كيف يأخذ الثارْ
ويستعيد ماضيه ويغسل العارْ
والشعب جند الله والناس أحرارْ
ومن أهان الشعب أهانه الله
فالله صبور يمهل وليس يهملْ
فانظر إلى التاريخ إن كنت تعقلْ
هذي القصيدة ياحبيب أجملْ
تاريخها: اصبر لغارة الله
كان آخر عهدي بالأخ العزّي حين التقيته في أغسطس عام 1968م بصنعاء، وكان قد تعيّن من قبل الفريق العمري الله يرحمه محافظاً لصنعاء، افترقنا ولم نلتق بعد ذلك، رحمه الله.
يقول أبو جبر
هذه القصيدة من شعر الشاعر الشعبي المعروف صالح سحلول، وهو صاحب البيت الذي سمعه جمال عبدالناصر فأعجب به:
بلادنا ماهي مقرّ الغزاة
بل هي مقابر من غزاها
أما قصيدته «يقول أبو جبر»، فقد قالها في سنة 1972م أيام المصالحة الوطنية وعودة الملكيين من السعودية إلى اليمن، قال لا فُضَّ فوه:
يقول أبو جبر واجب نكشف الأسرارْ
لكل من يعرفوا عن قصة الشاعرْ
قد عاش فترة طويلة ينظم الأشعارْ
حين كان للشعر في الأنفس أثر باهرْ
لما رأى اللخبطة في وجهة الأنظارْ
فضّل سكوته، وحطّ الخمس في الصابرْ
مافائدة في الهدار والكذب والغرّارْ
مافيش معانا نصف في الجاي والسايرْ
البارحة جُدّدت في قلبي الأفكارْ
وأنام والناس من حولي وأنا ساهرْ
مغبون من غبن عذرا فاقت الأبكارْ
طلّت علينا بمنظر يدهش الناظرْ
لكن ليل الظلام قد أسبل الأستارْ
حتى حجبها وغطى نورها السافرْ
ماكان من واجبك يا ليل ياغدّارْ
تطفي شعاع الصباح الباهي الباهرْ
ولاتذرّ الرمادْ يا ليل في الأبصارْ
ولاتطبق علينا حكمك الجائر
والله يا ليل لن نزدد سوى إصرارْ
حتى نرى النور يمحي جنحك العاكرْ
لاياظلام لن ترانا بك سوى كفّارْ
حتى ولو مابقي غيري أنا كافرْ
يا للفضيحة يا للخزي يا للعارْ
مادام والحاضر ابن الماضي الغادرْ
والليل هو الليل والأفكار هي الأفكارْ
والناس هم الناس والآمر هو الآمرْ
مسكينة هالحرية لعبوا بها الأحرارْ
حتى العوافي تراهم جمع متكاثرْ
تشوف تسعين منهم بالمئة ثوارْ
حلّ النفس كل واحد قال أنا ثائر
وساعة الضيق تلقى الفار تلو الفارْ
ماعاد ترى يصفي إلا العاشر العاشرْ
شوقي يشقّ الجبل حتى يصير أعشارْ
والشوق يطلق غبار من شوق أبو جابرْ
من طار بين السما والأرض كالطيار
مايدرو إلا وقد هو بالهوا ناشرْ
والآن قد حان وقت العزم ياسيّارْ
اعزم على تكس يمشي بأربعة تائرْ
إلى تعز الحبيبة سوّلك مشوارْ
ذات الهوى والمناخ والموقع الفاخرْ
مناخها عن تهامة يرتفع أمتارْ
قد أعجبتني لطافة جوّها الساحرْ
وأهلها ينعمو في أمن واستقرار
هذا مهندس وذا نجارْ وذا شاطرْ
مايحملوا غير مبدأ له هدف آخرْ
ومبدأ الهدم والتخريب التكسارْ
وفي ختامها يقول:
أنا من أربع شدائد ألحقت أضرارْ
بنا فضقنا وضاق الصبر بالصابرْ
الأوله يا أخي قد شحّت الأمطارْ
لنا سنة مانزل في أرضنا ماطرْ
والثانية يا أخي سعر الريال انهارْ
كيله طعام بالريال ماهو من الهاجرْ
وهي قصيدة رائعة من أرادها كاملة يطالعها في ديوان الشاعر صالح سحلول.
قصيدة «النعمان لم يمت»
ما أشبه الليلة بالبارحة:
كان الأستاذ أحمد محمد نعمان رحمه الله كثيراً مايتمثل بالشعر ويستشهد بأبيات مُحكمة، تعبّر عن واقع الحال، وتعبّر عن خبرته العميقة بالناس وبالزمان.
كتبت له مرّةً من عدن عام 1960 قبل أن أسجن أن فلاناً وفلاناً يذمانه، ويتهمانه بالعمالة، فقال لي: يامحمد لاتخف ولاتخزن، دعهما:
إنّا لفي زمن ترك القبيح به
من أكثر الناس إفضالٌ وإحسانُ
قلت له: فلان يقول كيت وكيت، فقال لي: ألم تسمع بقول المتنبي، وهذا فيه ردّ على محمد أحمد خالد العبسي الذي حاول ضرّ علي حسين وأحمد حسين الوجيه:
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا
فأيسر مايمرُّ به الوحولُ
فأنت يامحمد لا تأس ولاتحزن من هؤلاء الذبابات.. هؤلاء أشبه بالبعوض، أقصى ماينوبك منه أن يصيبك بالملاريا.
وأذكر أيضاً حين سفّره الانجليز من عدن إلى القاهرة كيف وقف في مطار عدن وتمثّل بأبيات الشاعر حافظ إبراهيم.
لم يبق شيء من الدنيا بأيدينا
إلا بقيّة دمع في مآقينا
كنا قلادة جيد الدهر وانفرطت
وفي يمين العلا كنا رياحينا
كانت منازلنا في العز شامخة
لاتشرق الشمس إلا في مغانينا
حتى غدونا ولامال ولانشب
ولاصديق ولاخلُّ يواسينا
فبكى وأبكى الجماهير التي خرجت لوداعه، رحمه الله.
وفي أثناء طباعة هذا الكتاب بلغني ـ مع الأسف الشديد ـ أن أحدهم ألقى محاضرة في مؤسسة ثقافية بصنعاء فقال عن الأستاذ النعمان أنه كان من ضمن العائدين، أليس من المؤسف أن يقال عن صانع النور في اليمن إنه من العائدين؟
وأنه صرّح بما صرّح به بعد خروجه من السجن الحربي في القاهرة؟
ألم يردّ الأستاذ النعمان إلى الملك الحسين رحمهما الله وسام الدرجة الأولى الذي منحه إياه، وقوفاً إلى صف الرئيس جمال عبدالناصر رحمه الله حين وقع الخلاف بينه وبين الملك حسين؟
أمن أجل تصريح بسيط أطلقه الأستاذ في بيروت ترفع الجنسية عنه، ويقال عنه من العائدين، بينما لاترفع الجنسية عن البيضاني الذي هدم اليمن وصرح بتلك التصريحات الخطيرة التي منها «وقد أمرنا أسطولنا البحري بالتحرك صوب الشمال»؟
أسئلة كثيرة تستحق آلاف إشارات الاستفهام، ولكن «ما أشبه الليلة بالبارحة»!
ليست مرثاة:
في رحيل الأستاذ النعمان الحيّ بفكره ونضاله كتبت هذه القصيدة بعنوان «النعمان لم يمت»، أثبتها هنا وفاءً لشعلة الحرية التي حمل مشعلها بإيمان وإخلاص، فأضاء نورها الطريق أمام الأجيال:
النعمان لم يمت:
لست أرثيك أنت فوق الرثاء
فوق شعر يوحى إلى الشعراء
فوق مايستطيع طرف كليل
رام أن يجتلي بروج السماء
فأقلني من الرثاء، ودع لي
أن أغني لقامة الكبرياء
رنحتها السنون هزاً وعصفاً
في مهب الأنواء والأرزاء
ما انثنت، ما نحنت وما للان عود
لقناة كالصعدة السمراء
ذاك طبع الشموس في أفقها العالي،
وطبع المنار في الميناء
شأنها أن تظل أسمى وأعلى
تنشر النور في دجى الظلماء
غير أن الشموس تتعب أيضاً
والمنارات تشتكي من عناء
والزعيم الكبير «أحمد نعمان»
سليل الأقيال والأذواء
آن أن يلقي السلاح ويرتاح
قليلاً في حومة الهيجاء
ً«صانع النور» لم يمت يارفاقي
فهو حي بفكره الوضاء
بسجاياه، موقفاً وسلوكاً
بخطاه على دروب الفداء
بمعاني النضال قولاً وفعلاً
وصموداً في المحنة السوداء
لم يمت.. لم يمت.. فللنور إرثٌ
إن مضى الأهل سار في الأبناء
فاقرأن في الوجوه أحلام جيل
يمني في عنفوان العطاء
ينهل العلم، ثم يبني ليعلي
في ربوع البلاد سمك البناء
وتلفت إلى الديار تجدها
جنة تزدهي بثوب النماء
ماتراه فيها ربيعاً وخصباً
هو ظل الحريرة الحمراء
بي من الأمس رعشة يعتريني
هولها كلما نظرت ورائي
فأرى السجن قطعة من ظلام
وحديد وعكفة ودماء
وإمام له «الوشاح» وشاح
قلبه قلب صخرة صماء
وأرى رغم حالك الليل وجها
باسماً مثل نجمة غراء
ذاك وجه «النعمان» يرمي المنايا
كالحاث بنظرة استعلاء
لايبالي إن ظل رهن قيود
جائرات، أو صار في الشهداء
همه أن يرى العباد بخير
والبلاد الخضراء في نعماء
لست أنساه هائماً في المنافي
وشريداً مطارداً في العراء
فرّ من قبضة الطغاة بجلدٍ
مزقته مخالب البغضاء
أهله في السجون قيد رهانٍ
لايخلّون، أو يعود النائي
بئس ذئب إذا الطريدة فرت
من يديه يعض بالأقرباء
يارهاناً ود الإمام حريصاً
لو يعيد «النعمان» في السجناء
كان يدري بأن أحمد فردٌ
إنما «أحمد» بلا نظراء
هو صوت الشعب القوي المدوي
عدة الحق في صراع البقاء
هو روح «الأحرار» نبراس قرن
من نضال بهمة قعساء
سامه الغدر طعنة بعد أُخرى
وهو طود مزّمل بالإباء
يحبس الدمع مثل ليث هصور
خشية من شماتة الأعداء
بابنه العبقري أردوه في بيـ
روت نجماً معفراً بالدماء
ذنبه أنه يشع ذكاء
فتأمل مصارع الأذكياء
وتأمل فداحة الساسة العميـ
يان حين الأحكام للأهواء
ثم دعني من المآسي، فقلبي
مثخن بعدما مضى أصدقائي
والذي تحسبون شخصي أميطوا
عنه ثوبي لكي تروا أشلائي
أيه روح «النعمان» كيف جنان
الخلد؟ كيف اللقاء بالرفقاء؟
كيف كان الحلول في دار صدق
أزلفت للتقاة والأمناء
«فالزبيري» الشهيد لابد شعت
شفتاه ببسمة قمراء
وتلقاك بالعناق اشتياقاً
واحتفاء، والتم شمل الإخاء
وتذاكرتما العهود الخوالي
ذكريات السراء والضراء
قال: خبر عن البلاد، وخصص
بحديث ترويه عن «صنعاء»
فتبسمت بسمة تشبه الوردة
عند الصباح في الأنداء
وجرت دمعة من العين حرّى
فعرى الورد طائف من بكاء
فسلاماً عليك في جنة الخلد،
سلاماً عليك في الأنقياء
وسلاماً عليك، حياً بقلبي
وبقلب الأحرار والأوفياء
حزبي حزب اليمن:
أنا لست حزبياً، لم أكن ولايمكن أن أكون.
أذكر أني كنت ذات يوم في مقيل الشيخ الوقور الطيّب الذي لاينسى القاضي عبدالجبار بن أحمد بن علي المجاهد، فقال الأستاذ سلطان أحمد عمر، وكان في جانبي عبدالحافظ قائد العبسي وكلاهما من حركة القوميين العرب.. قال: كنّا نحاول أن نأتي بمحمد عبدالواسع حميد الأصبحي إلى حركتنا.. كنا نحاول أن نجذبه إلينا، وأرسلنا إليه أصدقاء ليأتوا به، لكنه ظل كما هو يمنياً يحب اليمن، فحزبه هو حزب اليمن.
وقال: هكذا يا أخ محمد أنا شهدت لك.
فقلت له: شكراً على هذه الشهادة.. وأنا سأبقى هكذا يمنياً أحب اليمن.
وهذا يكفيني.
هوامش:
(1) مفطم: تصغير لفاطمة
(2) يقارن هذابقول المعري:
فيادارها بالخيف إن مزارها
قريب ولكن دون ذلك أهوال
(3)كأن هذا البدوي قرأ أمرأ القيس
مكر مفر مقبل مدبر مهاً
كجلمود صخر حطَّه السيل من عل





توقيع ( mohi )
يارب .هئ فسحــــــــةً للعمر كي يرتاح من عطش التجارب...
من غبار البحث في الأحداق.... والأسباب..
 


رد : محمد عبدالواسع الأصبحي يتذكر (الحلقة 14)
mohi
مدير الموقع

غير متصل حالياً
رقم العضوية : 1
عدد المشاركات : 1270
تاريخ التسجيل :
الخميس 23-09-2010
 
مراسلة الموقع الشخصي

 حرر في الجمعة 19-08-2011 05:16 مساء || رقم المشاركة : 900  




كما أن القارئ سيقف أمام بعض الحقائق الإقليمية التي تشمل البحر الأحمر وخاصة في شطره الجنوبي وما جرى على ساحله الشرقي في اليمن وساحله الغربي الذي تقع عليه بعض دول ومناطق شرق أفريقية وما كان يدور في شرق أفريقية من الصراع الاستعماري الذي أدى إلى نشوء دول واختفاء أخرى وهو لا تزال رحاه تدور أمام أعيننا إلى هذا اليوم.. ولن يسع القارئ إلا أن يشعر بالإعجاب إلى حد الدهشة، لما أبرزه الأستاذ محمد عبدالواسع الأصبحي، من أخبار اليمنيين في تغريبتهم الحديثة التي بلغوا بها أصقاع الأرض، وما قابلوه من أهوال تتضعضع أمامها الجبال، ولكنهم قابلوا كل ذلك بصبر عظيم، وجلدٍ لا يذل ولا يهون، وبقدرة على التكيف مع عالم غريب ينكرهم وينكرونه، وينفيهم فيقتحمونه، مما ينبئ عن معدن صلب عريق لهذا الشعب الذي أنجب هؤلاء الرجال، ويبشره بمستقبل زاهر مجيد رغم كل ما يحيط به من مكر الأعداء وقسوة الظروف.. ولو كان لي أن أوجه نداء لهتفت.. نداء.. نداء..: أيها اليمنيون اقرأوا مذكرات المناضل الحر الأستاذ «الخال» محمد عبدالواسع حميد الأصبحي المعافري الحميري اليمني، من هذه المنطلقات، وستجدون فيها طاقة خلاقة قوية، تدفع بالمسيرة إلى الأمام بثقة ماضية وجباه عالية.
دمشق 21-5- 1996مــ مطهر الإرياني
«الجمهورية» تعيد نشر هذه المذكرات لرجل ساهم بقسط وافر في خدمة الوطن واستذكر ملامح وشواهد من التاريخ المعاصر لليمن والظروف المحيطة بتلك المرحلة وهي مذكرات أحق أن يقرأها هذا الجيل الذي لا يعلم حجم تلك التضحيات وطبيعة الظروف فضلاً عن اتسامها بالأسلوب الأدبي الشيق في رواية الأحداث والأسماء
السيد محمد الوريث
هذه نبذة بسيطة لاتمثل سوى 2% عن هذا الإنسان الذي عرفته،وأود أن يكتب عنه ــ كما قلت ـ أستاذنا المعلمي ،والاستاذ ابراهيم الحضراني ،وآخرون.
هو أديب وشاعر ومناضل شريف جداً جداً ـ ولايمكن أن ينسى اليمنيون أو يجحدوا الدور البطولي الذي قام به منذ قيام الثورة.
إن المعونة الكويتية لليمن سواء المدارس أو المستشفيات أو غيرها كان هو من أسبابها ،فالذي دفع الكويتيين إلى إنشاء هذه المشاريع هو محمد الوريث ،كما قال لي الشهيد العبقري محمد نعمان ابن الاستاذ النعمان
وكان السيد محمد الوريث كالسكرتير الخاص لولي العهد «السيف أحمد»،وكانت صحيفة «صوت اليمن» تتسرب إلى «صنعاء ،الحديدة،ذمار ، وكل المدن اليمنية» ومن ضمنها تعز ـ حيث مقر ولي العهد ـ وكانت تكتب تباعاً ما يجري في قصر ولي العهد،وعندما يستيقظ ولي العهد، كان يجد صوت اليمن تحت فراشه أو تحت سريره..وهذا فعلاً ماكان يحصل..فقد كان الوريث يسرّب «صوت اليمن» إلى مخدع ولي العهد، الذي كان يقوم بسجن كثيرين في القصر،ويشك في كل فرد حتى بالعكفة أو رئيس العكفة إلا بمحمد الوريث فلا..
محمد الوريث هذا كان في بحبوحة ،والسكرتير الخاص لولي العهد وبيده الآلاف ،والخزانة ،ولكنه أبي ..
أبت لي عفتي وأبى بلائي
وأخذي الحمد بالثمن الربيح
أبي والله:
إذا قيل هذا مشربٌ قلت قد أرى
ولكن نفس الحر تحتمل الظما
وما كل برقٍ لاح لي يستفزني
ولا كل أهل الأرض أرضاه منعما
كان يرفض هذه الآلاف في سبيل الحرية ..كان يرى الشعب اليمني والظلم وما يقاسيه من الحكم الكهنوتي، والخرافات التي باسمها يحكم اليمن. باسم الدين،والدين منه براء،فانضم إلى صفوف الأحرار ولكنه كان أذكى من الآخرين،فكل الإخوة الذين جاءووا من عدن،ومن تعز ليطلعوا إلى صنعاء أبى أن يطلع معهم بما فيهم الأستاذ النعمان وغيره ممن اعتقلوا في ذمار،ولكنه بعد إخفاق ثورة 1948م تسلل على طول إلى عدن.
وإن أنسى لا أنسى الأحرار،حين كانت عدن تغلي كالمرجل. كان هناك مجموعة من المساكين المغرر بهم يقفون في صف الإمام والإمامة،ويهتفون بالأحرار مرددين:
«ليسقط الأحرار،وليسقط الدستور» دون وعي منهم ..دهماء،مساكين ،رعاع...
في تلك الفترة اختفى السيد محمد الوريث في عدة منازل أذكر منها على سبيل المثال: منزل المرحوم المناضل الحاج محمد سلام حاجب ،الذي أفنى حياته وماله من أجل القضية اليمنية،وكذا في منزل عبدالله عثمان ـ الموجود حالياً في قريته، وهو في الثمانين من عمره ـ وفي منزل أحمد الكحلاني أيضاً،إلى أن سربوه إلى كينيا،وفي كينيا استقر هناك وتبحبح .
وأترك بقية تاريخه إلى أستاذنا المعلمي.كيف التقى بالإخوة الأحرار؟
وكيف التقى أيضاً بالكويتيين؟وكيف كان قنصلاً فخرياً؟ وكيف أصابه السرطان؟ وكيف عالجه الكويتيون؟ حتى مات أخيراً،وليرحمه الله.
سلاماً أيها الأحرار..سلاماً أيها الأبطال..سلاماً يا من ضحوا بأرواحهم وأنفسهم في سبيل هذا الوطن..سلامٌ عليكم ..دمتم..عشتم شرفاء ومتم شرفاء،وقبرتم شرفاء..تدحرجت رؤوسكم ،ولكنها كانت شاخصة إلى السماء ضارعة إلى الله أن يقيض لهذا الشعب من ينقذه من هؤلاء الظلمة وهؤلاء الكهان.
الشيخ علي محمد الجبلي
كان من ضمن الذين كانوا يحاربون الأحرار في السر،لا في العلانية،ويبذل الآلاف ،ومئات الآلاف من الدولارات والجنيهات في سبيل إخماد أنفاسهم ،وهو يبتسم.
لقد انتهى الآن،وانتهى كل شيء معه،على الرغم من أنه امتص اليمن.
أتذكر ذات يوم في عام 1960م ذهبت إليه مع أعضاء كلية بلقيس ـ كنا ستة ،ذهبنا،وكنت الوحيد الذي يعرفه ـ فلما دخلت عليه قال: بلاش أتبرع بخمسين أو ثلاثين ألف شلن، وسألني هل تبرع علي حسين الوجيه؟ فقلت له: «لم يتبرع لأن هذا من أنصار الإمام » ـ تمويهاً لأني كنت أخاف منه على علي حسين الوجيه..
فقال : بدلاً من أن أدفع خمسين أو ثلاثين ألف كما فعل أمين قاسم الشميري،أو شمسان عون ،سأدفع لكم في كل شهر خمسة آلاف شلن.
فدفع مرة واحدة ،ثم توقف بعدها.هذا هو علي محمد الجبلي.
محمد مصطفى بيومي
ينقذ وهيب باشا
هذه حكاية قصيرة ليس لها علاقة بالمغتربين إلا من ناحية الشهامة والمروءة والتضحية.
عندما احتلت إيطاليا «الفاشستية» اثيوبيا، اندحرت القوات الأثيوبية عام 36.1937م وانسحب الإمبراطور هيلاسلاسي من أديس أبابا بالقطار مروراً بجيبوتي ،وكانت في ميناء جيبوتي سفينة حربية راسية تنتظر الإمبراطور لتنقله مع أفراد حاشيته إلى بريطانيا.
وفي صبيحة ذلك اليوم الذي طلع فيه الإمبراطور هيلاسلاسي إلى السفينة الحربية،وصل إلى جيبوتي بالقطار القائد التركي «وهيب باشا» الذي تطوع مع الاثيوبيين لقتال الايطاليين ،ونزل ـ كما أتذكر ـ في منزل الشيخ المرحوم عبدالقادر بازرعة،ثم استقل قارباً بخارياً إلى السفينة الحربية ليقابل الإمبراطور «هيلا سلاسي» الذي أمره ـ كما قال لنا فيما بعد ـ بوقف القتال ثم الانسحاب ،وموافاته في جيبوتي.
لذلك انتظرت السفينة مايقرب من ساعة،حسب طلب الإمبراطور هيلاسلاسي،لكي يشكر القائد التركي ويودعه.
وعند عودته من السفينة الحربية،نزل ضيفاً على المرحوم الشيخ عبدالقادر بازرعة...فدخلت مكتب بازرعة،وأنا متلهف لكي أشاهد هذا الإنسان الذي سمعت عنه،وهذا القائد البطل ،وظللت أستمع إليه ،وكان يجيد اللغة العربية بطلاقة،وكذا الفرنسية ،وأذكر أن من ضمن ماقاله: «لولا أوامر الإمبراطور هيلاسلاسي بوقف القتال والانسحاب من الجبهة الشرقية،في أوجادين،لصمدت ستة أشهر ولو لاقيت فيها حتفي».
كان وهيب باشا قائد «أجادين» وعرفت فيما بعد أنه تطوع لقتال الإيطاليين في ليبيا جنباً إلى جنب مع عمر المختار،ثم عرفت أنه في عام 1941م كان يقاتل الإيطاليين مع القوات اليونانية مما حدا بإيطاليا لأن تحتج إلى تركيا،ومن ضمن ماجاء في احتجاجها« إننا حيثما اتجهنا،وفي أية جبهة قتال،نلاقي وهيب باشا يحاربنا في الجانب المضاد».
أما دور اليمنيين هنا في قضية وهيب باشا فهي كالتالي:
كانت القنصلية الإيطالية تريد خطف وهيب باشا بأي ثمن وبأي شكل من الأشكال، فحددت المبالغ ،ونشرت الجواسيس لكي يغتنموا أية فرصة كانت ليخطفوه. وكان الجنود الإيطاليون يمرون تباعاً قادمين من إيطاليا على البواخر ثم يستقلون القطارات إلى أثيوبيا عن طريق جيبوتي.
وكان في القنصلية الإيطالية مترجم يمني اسمه عبدالله حسين علي نور ـ على ماأتذكر ـوكان يجيد الإيطالية قراءةً وكتابةً وكذا الفرنسية،وهو من أبناء برع ـ لواء الحديدة» وحين عرف بما يبيتون للقائد التركي وهيب باشا ،ذهب متخفياً وأخبر رئيس نادي الشبيبة العربية الرجل الشهم والشجاع عبدالكريم حسان الضوراني ،المؤسس الأول لهذا النادي ،والذي ضحى بأحسن وظيفة له،حيث كان مستشاراً لبنك الأندوسويس:وقد خيروه بين إحدى اثنتين،إما النادي أو العمل فاختار النادي،وكان هذا النادي نادياً ثقافياً ورياضياً،إلا أنه كان يُستغل لمقابلة الوالي، ولمناقشة القضايا العربية والدفاع عن العرب.. وكان قد قتل آنذاك غيلة المرحوم عبدالحفيظ الأغبري - على ما أتذكر - وجرح عبدالله صالح العنتري الذي كان يدعى «صالح عبدالله الكويتي» وكذا جرح ثلاثة آخرون، وتوفي اثنان، ولهذه الأسباب أختار النادي واستقال من البنك.
أبلغ عبدالله رئيس النادي بأن هناك مؤامرة لاختطاف وهيب باشا الذي كان بدون حراسة ما عدا بعض الشباب الذين كلفهم عبدالكريم الضوراني، بمرافقته، وإذا بأحد أعضاء النادي الشجعان، واتذكر اسمه محمد مصطفى بيومي، مع شخصين آخرين يستقلون سيارة، عملوا عليها ستائر سوداء إيهاماً بأن في داخلها نساء: إذ كانت العادة هكذا بالنسبة للنساء المحجبات، وكان محمد مصطفى بيومي هو الذين يقود السيارة بنفسه، وفي المؤخرة وهيب باشا، فاتجه بها إلى مدينة زيلع المشهورة التي لاتبعد عن مدينة جيبوتي سوى ثلاثين كيلو متر تقريباً، وكان يحكمها البريطانيون.
نزل وهيب باشا في زيلع ضيفاً على مغترب يمني مشهور بكرمه هو التاجر أحمد مبارك، ثم رحَّله إلى عدن بسفينة بخارية تابعة لشركة «قهوجي» - كما أتذكر -.
هذه حكاية ذكرتها هنا لا لشيء، ولكن لكي أثبت الدور الذي لعبه المغتربون اليمانيون لخدمة وطنهم، وكل ماهو عربي وإسلامي أيضاً.
ويجدر بي في هذا السياق أن أشير إلى اسم ورد آنفاً وهو اسم محمد مصطفى بيومي، الذي كان عضواً بارزاً في نادي الشبيبة العربية في جيبوتي، فمن هو محمد مصطفى بيومي؟
أقول: جاء من مصر شقيقان، ربما خبيران في الموانىء - لست أدري - الأول: علي بيومي.. وسكن في عدن، وأنجب ولدين هما:-
أ- حسن علي بيومي:
الذي كان رئيس وزراء حكومة عدن في نهاية الستينيات.
ب- حسين علي بيومي:-
وكان وزيراً للإعلام، وقد عرفته عن قرب وكان من ضمن البعثة اليمنية التي درست في العراق مع الشهيد محي الدين العنسي.
الثاني: مصطفى بيومي.. وسكن في جيبوتي، وأنجب ولدين أيضاً هما:
أ- محمود مصطفى بيومي: وهو الأصغر.
ب- محمد مصطفى بيومي:
الآنف الذكر، الذي أختطفته يد المنون في عام 1938م.
كتبت هذا لئلا يلتبس على القارىء اسم بيومي.
ومادمت قد ذكرت هذه الحكاية باختصار عن شهامة اليمنيين، في مغتربهم، وكيف كانوا يواكبون القضايا العربية ويتحفزون لما يحدث في الوطن العربي، بالإضافة إلى نضالهم من أجل القضية اليمنية توعية وتثقيفاً وتبرعاً بالمال وتطوعاً، ومادمت قد ذكرت وهيب باشا القائد التركي، وماذا صنع معه اليمنيون في جيبوتي، فلا باس إذاً في أن أتحدَّث عن رجل يمني آخر كان يعيش في فرنسا، إنه عبدالوهاب عبدالملك العريقي.
عبدالوهاب عبدالملك العريقي
في أوائل عام 1973م كنت في زيارة زعيمنا الروحي القاضي عبدالرحمن الإرياني، عندما كان رئيساً للمجلس الجمهوري، في بيته المتواضع في تعز، وقعدت معه كعادتي، وكنت اعتبره كأخ بغض النظر عن رئاسته، وكنت أتكلم عن الاغتراب، وعن اليمنيين، وعن مساهماتهم في القضايا العربية، فإذا به يتذكر، ويقول:
«التقيت شخصاً يمنياً في تونس، حدّثني بإسهاب وارتياح وإكبار وإجلال وإحترام وتقدير للرئيس التونسي الحبيب بورقيبة وأخبرني أنه كان صديقاً للحبيب بورقيبة عندما كان مسجوناً أو مقيماً إقامة جبرية في فرنسا، وكان يلتقيه، وكان، وكان....إلخ».
وعندما نكبته الأيام في فرنسا رحل إلى تونس مع ولديه، فاتصل بالحبيب بورقيبة رئيس الجمهورية التونسية آنذاك، وكتب له مذكرة، أخبره فيها بأنه فلان اليماني الذي كان يراسله ويزوره بين الفينة والفينة كلما سنحت له الفرصة، فقلت له: ما اسم هذا الرجل؟.. فقال لي القاضي: والله لا أتذكر، لقد نسيت الاسم، فقلت له: هل هو «مجدور» قليلاً؟ قال: نعم، فقلت: وهل عيناه سوداوان كبيرتان؟ قال: نعم، فقلت: ألم يكن اسمه عبدالوهاب عبدالملك العريقي؟ قال: أجل هو هو نفسه، قلت: إذاً هذا أعرف قصته.
كنا في عام 53، 1954م عندما كان الحبيب بورقيبة مسجوناً أو مقيماً إقامة جبرية في فرنسا.. وكان عبدالوهاب عبدالملك هناك، وهو رجل تثقف ثقافة ذاتية بالفرنسية، فكان يقرأ كلّ مايكتب عن الحبيب بورقيبة في الصحف، ويقطع منها «الجذاذات» أو القصاصات، ثم يتسلل بواسطة «الكومسيرات» أو ضباط البوليس - وكان صديقاً لهم - ويذهب إلى بورقيبة، ويعطيه تلك القصاصات من الصحف، ثم يرسل له مايمكن أن يرسل من المصاريف، ربما، أو الفواكه أو خلافه، وقد أسر لي ذات يوم أنه يراسل الحبيب بورقيبة، فقلت له آنذاك: انتبه من البوليس أو من المخابرات الفرنسية، ربما لن يغفروا لك، فقال لي: لاتخف، أنا لي أصدقاء من الأحرار الفرنسيين، ويعرفون بورقيبة.
هكذا مرت الأيام، وكان عبدالوهاب عبدالملك العريقي متزوجاً من امرأة فرنسية، وكان يملك مطعماً، وصالونين للحلاقة، فباع الصالون الأول، ثم باع الثاني، وأخيراً باع المطعم وأفلس وماتت زوجته، ولكنه كان عربياً، لا أقول يمنياً فحسب، بل كان عربياً لايود أن يترك أبناءه بغير لغة عربية، فذهب إلى تونس وكتب رسالة أو مذكرة إلى الحبيب بورقيبة، وإذا ببورقيبة يستقبله استقبال الأحبة والأصدقاء، ويعانقه، وسط استغراب الوزراء والحاضرين.
لقد عرفت هذا الرجل عندما كنت في فرنسا، وزادني به القاضي الإرياني معرفة على معرفة.. ولقد كان موقف «أبو رقيبة» منه موقف من لاينسى الجميل إذ كتب له وثيقة بفيلا، وملّكه إياها للسكن، ثم أعطاه طابقاً آخر لكي يعمل منه مطعماً، وهناك عاش في راحة واستقرار، ولست أدري هل مازال يعيش أم أنه قد مات.
هذه نبذة مختصرة عن اليمنيين وشهاماتهم، ومروآتهم ومواكباتهم، وتفاعلهم ليس مع القضايا اليمنية فحسب، بل وحتى القضايا العربية والأفريقية أيضاً.
معاناة المغتربين
لا أستطيع أن أورد ما يعانيه الذين عرفتهم من المغتربين في أوروبا فإن ذلك يحتاج إلى كتاب كبير وضخم جداً، غير أني سوف أورد هنا نبذاً قصيرة مما رأيته هناك من معاناة المغتربين، وبخاصة في القرن الأفريقي، ومن مغتربي القرى اليمنية التي أعرفها، ذلك أن عبدالوهاب عبدالملك العريقي كان هو الوحيد تقريباً الذي يحمل اسمه الصحيح، ففي فرنسا، وفي «مرسيليا» بالذات كنا خمسة بأسمائنا الصحيحة، أما الآخرون فكانوا بأسماء غير أسمائهم حسب ماكانوا يحملون من أوراق وشهادات في البواخر التي يعملون عليها، وقد تحدثت آنفاً عن هذا الموضوع، وقد بقي الأمر كذلك حتى عام 1936م حيث تغيرت القوانين.
إذ قبل ذلك كانت الشهادات التي يحملها المغتربون اليمانيون بدون صور.
الاغتراب بالنسبة لليمنيين يعتبر مأساة من مآسي الإنسانية بيد أن إغترابهم إلى المناطق المجاورة في القرن الأفريقي مثلاً وشرق أفريقيا وأثيوبيا والسودان على الرغم من أنه يشكل مأساة للمغترب ولأسرته، إلا أنه يعد أخفَّ وطأة من اغتراب وقادي السفن الذين يطوفون البحار والمحيطات في الحر المقيت، والصقيع المخيف، والمميت، ربما، وأغلبهم كانوا بأسماء غير أسمائهم، وأجزم بأن حوالي 99% من المغتربين كانوا بغير أسمائهم الحقيقية.
وأغلب هؤلاء البحارة الذين يسافرون، ويجوبون الأقطار والقارات والبحار والمحيطات كانوا غير مثقفين، بل حتى غير مسلحين بالوعي الكافي الذي يستشعر فيه الإنسان أنه خلفَّ أماً وأباً وربما زوجة وأطفالاً.. لذلك تجد البعض منهم يتزوج بأجنبية، سواء فرنسية أو جزائرية، أو مغربية.....إلخ.. ويظل هناك، ثم ينسى كل شيء، وكل ماترك ومن ترك في بلاده، لأنه محدود الفهم وضيق الأفق، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أورد هنا قصة بحار كنت قد تعرفت إليه وهو من الحجرية، ومن قبيلة «المقارمة» التي تبعد عنا بحوالي ساعتين ونصف أو ثلاث ساعات مشياً على الأقدام، كان اسمه محمد شمسان المقرمي.. وكنت حين أسأله عن اسمه الصحيح، يقول لي: أنا قائد عبدالله، وهذا اسمه في الأوراق، وذات يوم، وكان قاعداً في قهوة المرحوم محمد الرعدي، وبجانبه المرحوم علي عبدالله الأصبحي واسم الأخير في جواز السفر وغيره «شرف محمد» - متزوج من مغربية في المغرب وله أولاد يدعونهم باسم أولاد شرف محمد، غادر بلاده منذ ثمانية عشر عاماً - وإذا بالأصبحي يقول في مجرى الحديث الذي يدور بينهما: «اسمع يامحمد شمسان» وهنا قلت له: قفشتك!
تخفي اسمك عني؟ فربما أسافر، وألتقي واحداً من أهلك، يسألني عنك! وكان هذا ماقصدت بالفعل، ليس إلا.
وتشاء المصادفة أن يصل إلى فرنسا وإلى «مرسيليا» بالذات الشيخ علي محمد القُحري الجبلي، من «قُحره» - جبل بالقرب من مدينة باجل - كان وكيلاً للإمام،ورجل الأعمال الأول في اليمن.. وصل لشراء باخرة صغيرة فتعارفنا - وكنت أسمع عنه من قبل - فطلب مني بعد التعارف باسبوع أن أقوم بدور المترجم بينه وبين الفرنسيين، وكنت مرتاحاً لهذه الترجمة، وقد عرفت أنه اشترى باخرة بمبلغ خمسين ألف جنيه إسترليني.
وكان عمر الباخرة كما عرفت من الوثائق 41 عاماً: أي أنها باخرة مستعملة وقديمة، فقام بترميمها وطلائها، وسماها الأمام أحمد نفسه (المعين) نسبة إلى حضارة المعينية، وكنت حينها أهم بالسفر إلى اليمن.
فقال لي الشيخ علي الجبلي: ما رأيك يامحمد عبدالواسع أن تسافر معي في هذه الباخرة، وإذا أمكن أن تبحث لي عن بحارة يمنيين يريدون السفر، لكي يوصلوا الباخرة إلى الحديدة، ثم عدن؟ وعندما يصلون إلى عدن، يستمر منهم بالعمل من يريد أن يستمر، على أن أدفع لكل بحار عشرين جنيهاً في الشهر كالبحارة الآخرين الذين بدأوا العمل معي من عدن؟ فاستجبت للفكرة، وبحثت الأمر مع البحارة اليمنيين هناك، فرفضوا جميعاً ماعدا شخص واحد وافق على العرض، أتذكر اسمه صالح علي علاو، من «رداع»، وكان قد ظل مايقرب من عامين بدون عمل، لأنه لم يستطع أن يغير دفتر البحر، وكنت أرثي له كثيراً، وكان دائماً يشكو لي بأنه رهن أغلب أرضه، على أمل أن يعمل ويستعيد تلك الأرض المرهونة.
فقلت له: ياشيخ علي.. كلهم يرفضون ماعدا هذا ـ أي صالح علي علاو ـ أنا لا أطلب منك سوى طلب واحد، وهو أن يظل هذا الشخص يعمل في الباخرة لأنه بحار ماهر.. على أن تنقده بدلاً من عشرين جنيهاً ثلاثين جنيهاً، لأنه كان يتقاضى أكثر من ذلك من البواخر الفرنسية، فأجاب: بأنه سينظر في أجره عند وصوله عدن.
وهكذا أبحرنا من فرنسا حتى وصلنا بعد أربعة أيام إلى ميناء «نابولي» في إيطاليا، وكان ذلك في 18 يوليو 1952م على ما أتذكر فتوقفت الباخرة في ميناء نابولي عشرة أيام بسبب عطل أصابها.
وفي 24 يوليو من الشهر نفسه وصل إلينا من روما الشيخ علي الجبلي يرافقه المرحوم الطيب لطف العسولي الذي كان في مدينة البندقية في دورة تدريبية لكي يعمل في لاسلكي الباخرة، وكان معنا شاب يمني من مواليد جيبوتي يجيد اللغة الفرنسية قراءة وكتابة، كما يجيد العمل في اللاسلكي، الذي ركب في السفينة معنا من مارسيليا، وأتذكر اسمه عبدالله أحمد سعيد العطار، الذي مالبث أن غادر الباخرة بعد وصوله إلى عدن، فابتدرني الجبلي قائلاً: هل سمعتم بثورة مصر، وخلع الملك فاروق؟ فقلت له: بشرك الله بالخير.. بشرى، ومرحى..!
فقال: ولماذا كل هذا الفرح؟
فأجبته في الحال: هذا الذي رفض أن يستقبل أي حر من الأحرار ومنعهم من دخول مصر مجاملة للإمام، وهو الذي رفض نزول المجاهد الكبير الفضيل الورتلاني، الجزائري الذي أفنى حياته في سبيل الحرية، وكان لاجئاً في مصر هروباً من الفرنسيين، ففغر فمه دهشة، واستغراباً: لماذا أقول هذا؟!!
في هذا الأثناء وصل الملك المخلوع في اليخت الملكي سابقاً الذي كان اسمه «المحروسة»، ثم غير الثوار اسمه إلى «الحرية».
المهم أن الباخرة «المعين» أقلعت بعد عشرة أيام بعد أن تم إصلاح العطل في اتجاه مصر ـ الجمهورية المصرية آنذاك ـ وبعد حوالي أربع وعشرين ساعة من إقلاعها توقفت عن السير بسبب عطل جديد وظلت تتلاعب بها الأمواج، غير أن البحر كان هادئاً من حسن الحظ.
وهنا جاء دور ذلك البحار اليمني المنقذ صالح علي علاو.. فقال لي يا أخ محمد.. أنا لست مهندساً غير أني أفهم أين العطب..! إني أعرف عن عطب الباخرة، وسبب توقفها وارتفاع حرارتها، لكن المهندس الإيطالي يأنف أن أريه أين العطب!
فأخذته فوراً إلى قبطان الباخرة الإيطالي ـ وكان يتكلم الفرنسية ـ فقلت له: إن هذا البحار يراهن أنه يعرف من أين عطب السفينة، ولكن المهندس يرفض مشورته والتعاون معه.
كان هذا بعد أن ظللنا نعوم في البحر في جانب جزيرة «ماسينا» ـ كما أتذكر ـ فترة ليست قصيرة، فنزلنا ثلاثتنا إلى محرك السفينة «المكينة»، وإذا بهذا الإنسان البسيط يأخذ المفاتيح ويبدأ العمل، فقد اكتشف بذكائه الفطري وممارسته في أعمال البحار والتنقل في السفن بأن الماسورة التي تشفط المياه من البحر ليمر الماء البارد فوق المكينة فيبردها، قد سدت نتيجة لوجود خرق ومماسح قطنية تراكمت على مرّ الزمن، فسدّت الماسورة ومنعت وصول الماء البارد لكي يبرد المكينة ـ وكن يسميها الفرنسيون «الكلابين»، وكان صالح علي علاو يقول لي.. لكلابين، لكلابين يامحمد ـ ولهذا ارتفعت حرارتها فتوقفت عن السير.
وقد ظل البحار اليمني صالح علي يعارك، ويعارك، والعرق يتصبب منه لفتح تلك الماسورة حتى فتحها، وإذا بنا نشاهد أكداس الأوساخ والشعر، والخرق البالية داخلها.. فأخرجها، ثم ربط الماسورة وأعادها كما كانت، وتنفس الصعداء فرحاً متهللاً وقال: الآن شغلوا السفينة.!
وسارت السفينة إلى بور سعيد، وقعدنا هناك أربعاً وعشرين ساعة، ثم توجهنا إلى الحديدة، وعدن، دون أن يحدث لها أي خلل.
ولا أنسى أن قبطان الباخرة قام في الحال عند بدء سير السفينة باحتضان ذلك البحار اليمني، الذي كان ـ كما قال لي ـ قد رهن معظم أرضه الزراعية ولايستطيع العودة قبل أن يخلصها من الرهن، فابتدرني القبطان وقال: كم يكسب هذا؟ ـ وكان قد احتضنه وبدأ يقبله تقبيلاً حاراً ـ فقلت له: إن الجبلي يريد أن يدفع له عشرين جنيهاً، وقد اشترطت عليه أن يعطيه ثلاثين جنيهاً، وسيبقى للعمل في الباخرة، أما الآخرون فإنهم سيوصلون الباخرة إلى عدن ثم يعودون إلى بلادهم، وهذا البحار أنا مسؤول عنه، وقد كان يعمل في البواخر الفرنسية بأكثر من ذلك.
وإذا بالقبطان ـ ذلك الإنسان الطيب ـ يكتب له شهادة جيدة ويوقعها ثم يطلب من المهندس ـ الذي كان متألماً من الموقف ـ أن يوقع بجانبه في تلك الشهادة، وأردف قائلاً: إذا رفض علي محمد الجبلي أو مكتبه في عدن أن يعطوه أجره كاملاً، فسوف أعطيه من مرتبي عشرة جنيهات كل شهر لكي يكون له ثلاثون جنيهاً.
وهكذا ارتحت لهذا العمل الإنساني النبيل من جانب ذلك القبطان، وتشاء المصادفة أن التقي ذلك البحار عام 1969م في عدن، فاحتضنني وقعدنا أسبوعاً هناك، وبشرني أنه استعاد أرضه المرهونة بعد أن ظل يعمل ثلاث سنوات متواصلة في تلك الباخرة، ثم تركها بعد أن تغير ذلك القبطان الطيب والإنسان، وأن لديه دكاناً صغيراً في مدينة رداع ويعيش مع أسرته وأولاده.
أعود إلى البحار محمد شمسان المقرمي..
في مطلع عام 1953م، وكنت في داري في القرية، وإذا بعمتي تسألني قائلة: يابني: هل تعرف ناساً من الزكيرة، أو المقارمة، أو مايقاربهم مغتربين في البحر؟
فقلت لها: نعم أعرف شخصاً واحداً اسمه محمد شمسان المقرمي.
فهبت فرحة، يغمرها السرور والبهجة، ثم أردفت تقول: ياابني كم أفرحتني، إن بشارتك هذه تساوي الدنيا ومافيها، إن المرأة التي في غرفتي هي زوجته، فدعوتها، وإذا هي امرأة شاحبة يرى المرء فيها عظام صدغيها بارزة، وهي ساهمة حزينة بأسمال بالية، يبدو عليها الخجل، فهمت من حديثها معي أن زوجها غادر القرية منذ سبعة عشر عاماً، ولم تعد تعرف عنه شيئاً سوى أنه في البحر ـ أي في فرنسا ـ انقطعت أخباره، ولم يعد يواصلهم لابرسالة ولابمصاريف، وقبل مغادرته ـ كما قالت لنا ـ كان لنا ولد عمره عامان، وكنت حينها حاملاً في الشهر الخامس، وخلقت لنا بنت، هي الآن تخدم جدها الذي رهن معظم أرضه لكي يعولنا، ولكي يقيتنا، ولكي أساعد هذا الجد بالمصاريف اضطررت أن أحتطب، وأحمل الحطب إلى منزلكم، ولا أعرف منزلاً غيره لأنني قد تعرفت على عمتك في ذلك الحقل القريب منا، وهي تنقدني ريالاً ونصف أو ريالين كل أسبوع عندما أحمل لها الحطب، ثم أجهشت بالبكاء، حتى بكينا رحمة بها.
ولاداعي لأن أقول بأني نقدتها أو.. إلخ فهذا واجب إنساني.. وبعد شهر من هذه الحادثة اتجهت إلى عدن، وأول شيء صنعته أن كتبت رسالة إلى شيخ اليمنيين المرحوم الطيب الذكر محمد بن محمد الرعدي، وكان هو الذي يشغل اليمنيين، وبواسطته يشتغلون في البواخر، حكيت له في رسالتي قصة زوجة محمد شمسان المقرمي، وكان شهماً، فقد أرسل لي بعد شهر من إرسال تلك الرسالة مبلغ ألف شلن ـ وكانت كثيرة آنذاك ـ لإرسالها لعائلة المقرمي.
وبعد ثلاثة أشهر عدت من جديد إلى فرنسا لأعمل بحاراً.. وكان محمد شمسان يسلمني في كل شهرين أو ثلاثة أشهر عشرين جنيهاً لإرسالها لأسرته.. وهكذا استعادت المرأة حيويتها، فزوجت ابنها الذي ما لبث أن تغرب إلى المملكة العربية السعودية، وزوجت ابنتها أيضاً.
هذه لمحة بسيطة عن قصة معاناة زوجة أحد المغتربين، وهي قصة من آلاف القصص المحزنة والمبكية.
إن المآسي الكبيرة، والمعاناة التي يقاسيها المغتربون، وأسرهم من بعدهم تمزق نياط القلوب، والأكثر حزناً وإيلاماً هو معاناة زوجاتهم وأولادهم.
إن المتتبع لمعاناة هؤلاء يحتاج إلى كتب وأسفار، ولا أود هنا أن أسهب، فحسبي أن أكتفي بقصيدة الأستاذ محمد أنعم غالب، وهي من الشعر الحر الرمزي، وهي تمثل أصدق تمثيل الاغتراب والتشرد والضياع، وكأنها صورة زيتية للمآسي التي يعيشها المغتربون اليمنيون وأسرهم، ولقد اقترح علي مفخرة اليمن والعالم الجليل مطهر بن علي الإرياني أن أسجلها في هذا الكتاب، مع أنه في قصيدته «الباله» ـ التي غناها الفنان علي السِّمه ـ يصور مأساة المغترب اليمني أيضاً، ولكنه اقترح وأصر أن أكتب قصيدتي الأستاذ محمد أنعم غالب «الغريب» و«الطريق» وقد سبق أن أوردت قصيدة «الغريب» في فصل سابق.
ولا أنسى أيضاً أن الشاعر محمد الشرفي قد كتب قصيدة رائعة، عندما كان وزيراً مفوضاً في أثيوبيا، صور فيها معاناة المغتربين اليمنيين وعنوانها «مغترب على بوابة أثيوبيا».
وأذكر على سبيل المثال..
عندما كنت سفيراً في الصين، أقمت حفلة عشاء غير رسمي عام 1968م، وكان مع الوفد صحفية فلسطينية، فاقترح عليّ بعض الإخوة من اليمنيين، والفلسطينيين المقيمين في الصين أن أنشد الإخوة الحضور قصيدة أنعم غالب التي قالها عام 1958م. وعنوانها «الطريق».
ولم أكد أكمل القصيدة حتي اغرورقت عيناي بالدموع- كدأبي دوماً- وإذا بي أفاجأ بأن الفتاة الفلسطينية تجهش بالبكاء أكثر مني. أما أنا فدأبي كلما أنشدت قصيدة تصور الأسى والحزن والمعاناة أن تغرورق عيناي بالدموع، ربما نتيجة المعاناة في الماضي، ومن يدري فمازلت أعاني ولكن بحزن الماضي، وقد شاهدني كثير من الأصدقاء.
«حزني غناي فلو فرقته هبة
على النفوس لأثرت أنفس الناس»





توقيع ( mohi )
يارب .هئ فسحــــــــةً للعمر كي يرتاح من عطش التجارب...
من غبار البحث في الأحداق.... والأسباب..
 


رد : محمد عبدالواسع حميد الأصبحي يتذكر ـ الحلقة 13
mohi
مدير الموقع

غير متصل حالياً
رقم العضوية : 1
عدد المشاركات : 1270
تاريخ التسجيل :
الخميس 23-09-2010
 
مراسلة الموقع الشخصي

 حرر في الجمعة 19-08-2011 05:36 مساء || رقم المشاركة : 901  




كما أن القارئ سيقف أمام بعض الحقائق الإقليمية التي تشمل البحر الأحمر وخاصة في شطره الجنوبي وما جرى على ساحله الشرقي في اليمن وساحله الغربي الذي تقع عليه بعض دول ومناطق شرق أفريقية وما كان يدور في شرق أفريقية من الصراع الاستعماري الذي أدى إلى نشوء دول واختفاء أخرى وهو لا تزال رحاه تدور أمام أعيننا إلى هذا اليوم.. ولن يسع القارئ إلا أن يشعر بالإعجاب إلى حد الدهشة، لما أبرزه الأستاذ محمد عبدالواسع الأصبحي، من أخبار اليمنيين في تغريبتهم الحديثة التي بلغوا بها أصقاع الأرض، وما قابلوه من أهوال تتضعضع أمامها الجبال، ولكنهم قابلوا كل ذلك بصبر عظيم، وجلدٍ لا يذل ولا يهون، وبقدرة على التكيف مع عالم غريب ينكرهم وينكرونه، وينفيهم فيقتحمونه، مما ينبئ عن معدن صلب عريق لهذا الشعب الذي أنجب هؤلاء الرجال، ويبشره بمستقبل زاهر مجيد رغم كل ما يحيط به من مكر الأعداء وقسوة الظروف.. ولو كان لي أن أوجه نداء لهتفت.. نداء.. نداء..: أيها اليمنيون اقرأوا مذكرات المناضل الحر الأستاذ «الخال» محمد عبدالواسع حميد الأصبحي المعافري الحميري اليمني، من هذه المنطلقات، وستجدون فيها طاقة خلاقة قوية، تدفع بالمسيرة إلى الأمام بثقة ماضية وجباه عالية.
دمشق 21-5- 1996مــ مطهر الإرياني
«الجمهورية» تعيد نشر هذه المذكرات لرجل ساهم بقسط وافر في خدمة الوطن واستذكر ملامح وشواهد من التاريخ المعاصر لليمن والظروف المحيطة بتلك المرحلة وهي مذكرات أحق أن يقرأها هذا الجيل الذي لا يعلم حجم تلك التضحيات وطبيعة الظروف فضلاً عن اتسامها بالأسلوب الأدبي الشيق في رواية الأحداث والأسماء
تأثير المغتربين في الحركة الوطنية
أبدأ أولاً:عندما فرَّ الزعيمان الكبيران أحمد محمد نعمان ومحمد محمود الزبيري ،متخفيين إلى عدن،وقد ذكرت في كتابي السابق كيف ضمنهم الشيخ عبدالله علي الحكيمي، ولاداعي للإعادة.
بدأ الزعيمان الكتابة في صحيفة «فتاة الجزيرة» وهي أول صحيفة في الجنوب اليمني .كان يرأسها المحامي الأول في عدن محمد علي إبراهيم لقمان.
وكان من ضمن الفارين أيضاً المرحوم مطيع دماج الذي عاد بعد عفو ولي العهد عنه،وظلّ يعمل سراً من الداخل في الحركة الوطنية حتى قيام الثورة،ومنهم أيضاً أحمد محمد الشامي والسيد زيد الموشكي اللذان عادا أيضاً،ومنهم الأستاذ الكبير والمعذب دوماً والمدردح كما يقول هو عن نفسه الأستاذ محمد عبدالله الفسيل الذي كتب كتاباً ونشره سراً بعنوان «الرجل الشاذ» وقد كان هذا الكتاب خطيراً جداً لأن المقصود به هو الإمام أحمد الذي كان ولياً للعهد آنذاك.
إذاً ،فماذا يصنع هؤلاء الفارون، وليس لهم حتى مايقيتون به أنفسهم؟
بدأ هؤلاء بالتحرك خفية،واجتمعوا بالكثير من التجار في عدن،ثم كتبوا رسائل إلى أثيوبيا والقرن الإفريقي والسودان بعد أن همّ الزعيمان بالعودة بعد أن ظلا يتضوران جوعاً،فاليمنيون كانو يخافون مساعدتهما،لأن ولي العهد قد عذب وسجن كل من كان يمتّ لهما بصلة..وفي هذه الأثناء جاء الفرج من أثيوبيا،فقد أرسل لهما أحمد عبده ناشر،وكان رئيساً للجالية هناك 600روبية أي مايساوي الآن 60ألف دولار،قائلاً لهما في الرسالة:«استمرا في العمل ونحن من ورائكم» ،وتوالت التبرعات،فعاد الفُسيّل من الشمال إلى عدن ومعه عبدالله عبدالوهاب نعمان الملقب بالفضول،وكان أشبه بسكرتيرين للأستاذين النعمان والزبيري في «صوت اليمن» و«الجمعية اليمنية الكبرى».
لقد انهالت التبرعات على الأحرار سراً،خوفاً من بطش الإمام وولي عهده بأسر المتبرعين والمتبرع لهم.
ولا أخال القارئ يجهل ما حلّ ببيت نعمان،فقد أودعهم ولي العهد بالعشرات في سجون حجة بسبب فرار الأستاذ أحمد محمد نعمان. كما لا أخال القارئ والذين لازالوا يعيشون.. لاأخالهم يجهلون أن ولي العهد أرسل أخاه الأكبر،أي علي محمد نعمان،ذلك البطل المثقف القائد الذي استشهد بعد الثورة في حرض..أرسله إلى عدن:إما أن يأتي بأخيه أو يعود إلى السجن.وقد رفض الأستاذ أحمد محمد نعمان رفضاً باتاً العودة مع أخيه،فقال له أخوه:لقد سجنوا أهلك،ولم يبق منهم سوى النساء.فقال له الأستاذ: فليذهبوا إلى حيث القدر..أنا سأبقى هنا أناضل وأكافح،وأنت اذهب معهم إذا شئت إلى السجن وليحفظك الله وهو خير وكيل. تعانق الأخوان عناقاً حاراً،وكلّ واحد منهما يبكي الآخر.
ولما عاد علي إلى تعز أودعه الإمام أو ولي العهد السجن.
ولا أخالكم تجهلون أن سجون صنعاء وحجة امتلأت بالمعتقلين في عام 1945م، وفي مقدمتهم زعيمنا الروحي القاضي عبدالرحمن الإرياني والمؤرخ اليمني الكبير القاضي محمد علي الأكوع،وأخوه العالم إسماعيل علي الأكوع،والشيخ أو فيلسوف اليمن ـ كما كانوا يسمونه آنذاك ـ حسن الدعيس،والقاضي عبدالكريم العنسي والأستاذ أحمد عبدالرحمن المعلمي،وآخرون كثيرون وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
تعاطفاً مع الحركة الوطنية ممثلة بالمناضلين الفارين والمسجونين كان التجار يتبرعون بسخاء،مشترطين أن لايعرف أسماءهم سوى النعمان والزبيري، لكي لاكل عليهم وعلى أسرهم غضب الإمام وولي عهده.
والمعمرون لايجهلون ماحدث للشيخ جازم الحروي الذي أمر ولي العهد بهدم داره في تعز.
هؤلاء المغتربون في شرق أفريقيا وأثيوبيا،وفي عدن ،ساهموا في شراء مطبعة ضخمة ،وأصدروا صحيفة «صوت اليمن» .وأسجل هنا بصدق وللتاريخ أن جازم الحروي كان أكبر المتبرعين في شراء المطبعة..تلك المطبعة التي كانت أكبر مطبعة في عدن بعد مطبعة «فتاة الجزيرة» ولهذا مدحه الزعيم الزبيري بقصيدة جاء في أولها:
ألا فليعش في مهجة الشعب «جازم»
فدته بحياتِ القلوبِ العوالمُ
فتى هالنا بالجودِ حتى حسبتهُ
ملاكاً طهوراً أنجبته الغمائمُ
وللتاريخ أيضاً أن خلافاً كبيراً حدث بين الأستاذ نعمان وبعض الأحرار الذين فرّوا من الشمال إلى عدن بسبب إصرار النعمان على عدم إفشاء أسماء المتبرعين والمبالغ التي تبرعوا بها،والقصة معروفة. إذ كان الأستاذ نعمان يحرص كل الحرص على إخفاء أسمائهم خوفاً عليهم، لا سيما وأن بعض من فروا إلى عدن عادوا إلى الشمال وصاروا عيوناً وجواسيس للإمام وولي العهد،وهذا أمر يعرفه الذين عاصروا الحركة الوطنية.
طبعاً،أنا لست طائفياً،ولست إقليمياً،ولست مناطقياً . أنا يمني ،وإن كنت أقول «الأصبحي» معرفة بأن قبيلتي هي الأصابح.أقول وللتاريخ: إن المغتربين في كل المناطق ماكانوا يعرفون أحداً سوى الأستاذ أحمد محمد نعمان الذي عرفوا عنه الكثير والكثير وخاصة عندما فرَّ، وكتب تلك المقالات الطويلة،وسوي الأستاذ محمد محمود الزبيري عندما كتب تلك القصائد الطويلة المحرضة على الثورة ضد الإمام،لذلك كان المتبرعون لايثقون بأحد سواهما،ولذلك حرص الأستاذ النعمان على إخفاء أسمائهم والقصة طويلة.
إن الأستاذ النعمان يستحق أن يكتب عنه كتاب بل كتب ،وهذا ليس تعصباً والله وشرفي،ولكن للإنصاف وللتاريخ .هذا وقد أشاد به وأبرز مآثره ومجّد أفعاله العالم الأثري والمؤرخ إسماعيل علي الأكوع،ومع ذلك قال إنّه لم ينصفه.
لقد قامت الحركة الوطنية وحزب الأحرار آنذاك على أكتاف المغتربين سواء في عدن أو خارج اليمن.وأذكر أن بعض التجار في الشمال لم يبخلوا بمساهماتهم سواء في صنعاء أو الحديدة أو إب أو تعز أو غيرها من المدن اليمنية.
إن صحيفة «صوت اليمن» التي أشعلت جذوة الحرية في نفوس الشعب اليمني،كانت تصل تباعاً إلى تعز،وأحياناً إلى مقام ولي العهد وإلى صنعاء،وكثير من المدن اليمنية وحتى بعض الأرياف.وهذا كان يتطلب تكاليف باهظة ينبغي صرفها لهذه الأمور،للعاملين في إعدادها وإيصالها من عاملين في السر ومتخفين ولأسرهم وعائلاتهم.
ولابد لي هنا أن أذكر أسماء ربما يجهلها شبابنا..أسماء الذين ضحوا بالأموال،والذين نشروا التوعية في نفوس المغتربين.
سأبدأ أولاً بعدن: ولكن قبل ذلك سأورد قصة لطيفة وطريفة:
الزبيري يحلم
في عام 1964م أي بعد قيام الثورة بعام وعشرة أشهر،قال لي الشهيد محمد محمود الزبيري ، وأنا في منزله في بستان السلطان: ياأخ محمد أنت عندك ذاكرة قوية ،فاكتب لى أسماء الذين ساهموا معنا في تأسيس الحركة الوطنية ،ابتداءً من عام 1945م حتى يومنا هذا،فأجبته:لماذا؟ قال: وكان أمله كبيراً ،يامحمد سوف نستدعيهم أولاً لتكريمهم،وليعرف الشعب اليمني وخاصة الشباب هنا بما صنع هؤلاء ،ولولاهم لما كنّـا،ولما استطعنا أن نقاوم الإمامة، ولما قامت هذه الثورة ،يامحمد إن هؤلاء يجب أن يكرّموا ولو وضعنا لكل واحد منهم وساماً ذهبياً لما وفيناهم حقهم.
ثانياً:لنجمع كل القيود التي في السجون ،ونحتفل بدفنها في البئر التي كان يرمي هادي عيسى فيها بضحاياه.
ومع الأسف فإن القيود الحديدية لاتزال موجودة في كل السجون اليمنية حتى يومنا هذا.
«سلاماً ومنذ العصور الخوالي
مذ اخضر حقل بسمر الغلالِ
ومذ حُكمت سادةٌ في الموالي
تنسمت الأرض فيض الرجال
سلاماً وراحت تُصبُّ القيود
ويحمر فرط الحياء الحديد
ويطرق في الغاب خزيان عود
تصبُّ المشانق منه اعتسافا
سلامٌ وماظلّ ديكٌ يصيحُ
وما ظل في الليل نجم يلوح
وما دغدغت شامخ الدوح ريح
ستبقى رؤوس ضخام تطيح
ويبقى يضج الضريح الضريحُ»
وللأسف الشديد لازالت تلك القيود موجودة في السجون ،لماذا لانرمي بهذه القيود؟!
السجين هو السجين بين أربعة جدران ،فلماذا لانرمي بهذه القيود التي تذكرنا بألف عام،بالإمامة، وبالإمام أحمد..لماذا نقول إن الإمام يحيى يقيد،والإمام أحمد يقيد،قيود ومراود وسك وثقاله؟والقيود لاتزال موجودة إلى الآن في سجوننا مع الأسف ،أنا آسف ،آسف.
أعود فأقول: إن المرحوم الحاج محمد سلام حاجب كان غنياً جداً جداً ولم يبخل بماله على الحركة الوطنية،وتالله لقد مات فقيراً لايملك شيئاً في السبعينيات ..وعثمان قائد العريقي الذي وضع تحت تصرف الاتحاد اليمني مبنى من ثلاثة طوابق دون أي مقابل،ومات فقيراً.
والمرحوم أحمد يحيى الكحلاني الذي كان يقيت الهاربين في مطعمه،والمتظاهرين الطلبة الشباب الذين نزلوا إلى عدن..كلهم كانوا يأكلون في مطعمه..نترك هذا.الحاج محمد على الأسودي وعبدالقادر أحمد علوان وعبدالملك أسعد الأغبري،وأخوه صلاح أسعد،وعبدالرحمن عبدالرب العريقي،والسيد علوان عبدالجبار الشيباني ،وأخوه، وعبدالله عثمان الذبحاني،وعبدالقادر سعيد الذبحاني.
وفي أثيوبيا أي أديس أبابا الرجل القمة الذي ينكر نفسه أحمد عبده ناشر العريقي ،والد الدكتور أمين ناشر الذي مات في التسعينيات في حادثة.ثم أذكر أيضاً المرحوم عبدالغفار زيد الأصبحي،وله قصة: كيف هرب من اليمن؟وكيف تعلّم إلى آخر ذلك..سأكتب عنه فيما بعد.
وكذا أتذكر عبدالقوي الخرباش وسيف حمود الرازحي..كما أتذكر الحاج سيف عبدالرحمن العريقي المقيم حالياً في الحديدة وهو مسنٌ في الثمانينيات من عمره.
وفي أرتيريا شائف محمد سعيد،وفي السودان المرحوم السيد يحيى حسين الشرفي الذي سأورد قصته فيما بعد إن شاء الله كما أتذكرها من 1948م و1955م،1959م،إلى عام 1962م،وهكذا سأعود مرّة أخرى.
رجال ..وأفعال
1ــ عبدالغفار زيد الأصبحي
أعتقد أن الجنود المجهولين كثيرون في حياتنا في اليمن، في الحاضر وفي الماضي، سأتحدث هنا عن واحد من هؤلاء الجنود المجهولين، وهو من جيلنا الحاضر، إنّه «عبدالغفار زيد الأصبحي» الذي ألتقي معه في الجد السابع، ويكبرني بأربعة أعوام ومازال على قيد الحياة من أصدقائه وزملائه السيد عبدالعزيز محمد السقاف، صاحب عمارة السقاف في عدن أي «فندق قصر الجزيرة»، وممن يعرفه، ويعرف كيف كانت حركاته ونشاطه الدؤوب عبد الوارث عبدالمعين السقاف - مستشار البنك اليمني للإنشاء والتعمير.
سبب فراره:
فرَّ عبدالغفار زيد الأصبحي من الأصابح إلى عدن، ومنها إلى جيبوتي ثم استقر به المقام في أثيوبيا عام 1928م وكان سبب هروبه من بلده أنه كان من ضمن الأطفال الذين يحملون الفطائر «الكدم» إلى الجنود المرابطين في مركز القضاء في التربة، وذلك بعد أن تفضّل الإمام يحيى برفع «الخطاط»، وأعتقد أن شبابنا لايعرفون ماهو الخطاط، لذا لابد من توضيح ماهو الخطاط «ü»، هذا الأسلوب من الإذلال الذي لم تعرفه حتى عصور العبودية.
üالخطاط في منازل الرعية:
تفضل الإمام بأنه كان يوزع على كل عزلة أكياساً من الذرة وغيرها على الرعية، وعلى الرعية أن يكلفوا نساءهم بطحن الطعام في الرحى «الماوره» بلهجة أهل الحجرية ثم بعجنه وخبزه في التنور «الموفى»، وعليهم أيضاً أن يشتروا الحطب، وهذا أخف وأهون من الخطاط، وهذا في كل أنحاء اليمن وليس في الحجرية فقط.
بينما كان المرحوم عبدالغفار زيد يحمل الفطائر مع كثير من الأطفال، عثرت رجله، فوقع على الأرض، فانكسرت بعض شطائر الخبز.
فلما أوصلها إلى المركز إذا بأحد نقباء الجند يكيل له الشتائم: لماذا كسرت بعض الفطائر؟ لماذا صنعت هكذا؟ يافاعل يا.. يا.. فأجابه عبدالغفار زيد ببراءة الطفولة: ياهذا لن تدخل الفطيرة في فمك دفعة واحدة لأنك سوف تكسرها وتأكلها، وهنا ثار ذلك الجندي عليه بالشتائم، وهم بضربه، ولكنه لاذ بالفرار إلى منزله حيث والدته الأرملة التي مات زوجها في البحر أي في فرنسا - كان زوجها من أوائل البحارة وقّادي الفحم في السفن وكان موسراً لا بأس به - فأخذ من والدته مصروف الطريق وبعض اللقيمات واتجه إلى عدن ثم جيبوتي وأثيوبيا.
üعبدالغفار يظهر في جيبوتي ثائراً وعاشقاً
غاب عني عبدالغفار زيد، ونسيته ومرّ زمن، وإذا به يصل إلينا أي إلى جيبوتي قادماً من أديس أبابا على القطار وذلك قبل نهاية الحرب العالمية الثانية بأربعة أشهر تقريباً.
كنت أعمل كما قلت من قبل في الجمارك «صف ضابط جمارك».. وأول شيء فعله عبدالغفار هو البحث عني.. فلما التقينا تواعدنا أن يكون اللقاء بعد الظهر في محل عبده نعمان البسباس الأغبري، وكنا خمسة أشخاص على وجه التقريب، أذكر منهم صاحب المنزل عبده نعمان البسباس ومحمد أحمد شعلان وعلي طاهر وأحمد محمد الحاج العريقي والد فهمي الحاج، ثم الأستاذ الكبير أحمد فرج باظفاري، وإذا بعبد الغفار زيد يتحدث لمدة ساعة كاملة، ويشرح باختصار مايقاسيه الشعب اليمني من الويلات والجور والعسف والظلم والتشريد، ثم يضرب الأمثلة في ثورات الشعوب ويتحدث عن الثورة الفرنسية حديث المطلع والقارىء، وبعد ثلاثة أيام اتجه صوب اليمن، وكان يحب فتاة.. أحبها منذ طفولتها، فلما شبّ ظل يبحث عنها ويستفسر الغادي والرائح، وإذا به يكتشف أنها تزوجت بابن عم لها.. فلم يلبث ذلك الزوج أن مات.
ظل عبدالغفار يبحث عن تلك الفتاة - كما أخبرني» حتى وجدها، وتمّ زواجه منها وبينما كان في عشه الجميل الدافىء مرتاحاً، وقد تحقق حلمه الذي حلم به أكثر من عشر سنوات إذ حدث مايعكر صفو هذا الحب والزواج، فقد هدده أحد الأشخاص الذين التقاهم في أثيوبيا وذلك لحقد شخصي، حيث كان ذلك الشخص متفوقاً ويسمونه الأستاذ إلا أن عبدالغفار تفوق عليه مما أوغر صدر ذلك الحاقد عليه، فهدده بأنه سوف يخبر عامل الإمام في التربة بأنه ضد الإمامة وضد ولي العهد وضد وضد..
عبدالغفار يفرّ من جديد
أوجس عبدالغفار خيفة، وساوره الشك، وحدث ماتوقعه فقد وصل أحد الجنود يسأل عن داره، بيد أن شخصاً في القرية دلّه على منزل آخر يبعد عنه ساعة كاملة، ثم ذهب إلى عبدالغفار وأخبره بما يبيتونه له.
وهكذا ودّع عبدالغفار زوجته باكياً حزيناً متألماً ممزقاً، ثم اتجه إلى «العاره» - مابين سُقَيَّا والعُمَيْرة - في الساحل الجنوبي، فاستقل سفينة شراعية حتى وصل إلى جيبوتي، وقد أخبرني باسم الواشي ولا داعي لذكر اسمه، فقد ذهب بخيره وشره إلى رحمة ربه، وكانوا يلقبونه بالأستاذ، ويلبس قفطاناً وجبَّةً.
كان عبدالغفار يعمل بالتجارة، وكان كأنه خلية نحل: يعرّج علينا في جيبوتي بطائرة بين كل شهر أو شهر ونصف، ومنها يطير إلى عدن لكي يسلّم الأحرار ماجمعه من تبرعات المغتربين في أثيوبيا، وكان يساعده في ذلك أحمد عبده ناشر.. وحين عودته كان يسلمنا دفاتر الاشتراكات للجمعية اليمنية الكبرى، ثمّ يحمل معه رزمة من صحيفة «صوت اليمن» التي كانت تصلنا تباعاً، ولكن كيف تعلّم عبدالغفار زيد؟
تعلمه:
كان عبدالغفار يناقش الأستاذ أحمد فرج باظفاري وكأنه موسوعة: يناقشه في النحو والصرف والبيان والتاريخ والأدب، وأذكر أنه أعطاني «رسالة الغفران» للمعري التي لم أكن قد قرأتها، كما أعطاني كتباً أخرى، وحين سألته عن تعلمه، قال إنه كان يقعد كثيراً مع أساتذة مصريين وسوريين وسودانيين، فأخذ منهم المبادىء، ثم تثقف بعد ذلك ثقافة ذاتية.. فكان يطلب الكتب من مصر ومن السودان ومن أية منطقة أخرى، وهكذا تثقف، وهكذا كان دأب الكثيرين غيره ممن كانت لديهم القابلية للثقافة.
كان رحمه الله يحس بشوق ولهفة وحزن من أجل زوجته التي أحبها منذ طفولته، ولكن فراره حال بينه وبينها فكان لايستطيع زيارة البلاد بعدها لأنه جاهر بإسمه بين الأحرار سواء في « صوت اليمن» أو في عدن أو في أثيوبيا، فقد عرف أنه من المناضلين لتغيير نظام الحكم في اليمن، وقد كان أمله كبيراً ومتفائلاً أكثر منّا في القضاء على حكم الإمام.. ولذلك عندما أخفقت ثورة 1948م أصيب بصدمة عنيفة سببت له مرضاً عضالاً في المعدة فمات، رحمة الله عليك ياعبدالغفار زيد.
لابد هنا من الإشارة إلى رسالة طويلة جداً كتبها إليّ المرحوم عبدالغفار في عام 1949م، يقول في نهايتها: «ياعزيزي ويابن عمي، أنا مكلوم حزين، ليس لفشل الثورة فحسب ولكن لأولئك الأبطال الذين أعدموا في ميادين حجة وصنعاء وغيرهما، ثم الذين يرسفون بالقيود والأغلال ويعذبون بعد أن سيقوا كالنعاج مكبلين بالحديد أو الحبال سيراً على الأقدام أكثر من ثلاثمائة كيلو متر، ثم إن الأستاذ الزبيري مشرد، والورتلاني لم يسمح له بالنزول في أي مدينة عربية، وعبدالله بن علي الوزير كما قيل لي اتجه إلى الهند لاحول له ولا قوة.
ياعزيزي محمد: لا أدري هل سيعدم الأستاذ أحمد محمد نعمان أم أنه سيخرج طليقاً ليعود من جديد إلى الكفاح، بلغني أنه مثقل بالقيود والجنازير، كنت أتمنى أن يبقى ذلك النور الذي سوف يشعُّ على اليمن.. أتمنى أن يبقى ولو سنة واحدة.
ياعزيزي محمد: لا أود أن تحزن على فراقي، فإني أسير إلى الموت حثيثاً، وكل ما أطلبه منك شيئان:
أولاً: أن تستمر أنت وكل الشرفاء في النضال لكي تغيروا وضع اليمن.. إن لم يكن أنتم فأبناؤكم.
ثانياً: أن تتعهد تلك الزوجة البائسة التي أشقيتها، وسأتركها أرملة، إني أسير إلى الموت، وداعاً ياحبيبي».عبدالغفار زيد
وأقول للقارىء: إن أرملته لاتزال تعيش عندنا في القرية وعمرها الآن خمسة وسبعون عاماً لاتجد من يقيتها لولا بعض أفراد عشيرتها، إنها هيكل عظمي، ولاتزال حزينة حزينة على ذلك الإنسان كلّما كلمتها أو تحدثت معها، ربما تأخذ منك مساعدة، ولكنها تقول: هل سيعود عبدالغفار؟ هل تزوج في أثيوبيا؟ لماذا لايأتي؟ لماذا لايعود؟ لماذا؟ أين هو؟ إنها لاتصدق بأن عبدالغفار قد مات، لست أدري مابها، ليس بها مس ولا جنون، ولكنها تفكر أن عبدالغفار لايزال يعيش رغم مضي ستة وأربعين عاماً، إنها لازالت تفكر بأنه لم يمت، وكل الأصابح الذين يقطنون تحت حصن «نعامه» يعرفون أرملة عبدالغفار زيد بن عبدالله ناصر الأصبحي، ولكن أغلبهم لايعرفون سوى أن عبدالغفار زيد اغترب في الصغر إلى أثيوبيا، وضاع هناك.
لازالت أرملته تعيش ولا أدعي أنني أساعدها، والكثير من الأخوة الطيبين يساعدونها وهي أبية جداً جداً تسكن وحدها في دار طابقين، ولست أدري كيف تعيش ولاتخاف، تقفل الباب على نفسها في المساء، وتصبح الصباح إلى الحقل، وتعمل في بقايا أرض من حق أبيهاومن حق زوجها، فهي لم تفكر أن تأخذ وريثة لأنها تعتقد أن عبدالغفار زيد لايزال يعيش.. إنها على الرغم من عمرها المديد - في الخامسة والسبعين - تمشي كأنها ظبية تقفز من حقل إلى حقل، ولم يحدودب ظهرها كما شاهدتها منذ ستة أشهر بقامتها المديدة، بيد أنها ذاوية ذابلة وليرحمها الله إذا ماتت أو عاشت، وخير لها لو أنها ماتت.
2ـ الشيخ يحيى حسين الشرفي
هو أحد المناضلين الكبار والمغتربين الأوائل في السودان، وفي وادي مدني بالذات، عمل وتثقف في السودان وتزوج سودانية ومن أبنائه الدكتور محمد بن يحيى حسين الشرفي الموجود الآن في صنعاء، الذي احتضنه الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر وقد فرحت كثيراً عندما التقيته في صنعاء.
كيف بدأت معرفتي بالشيخ يحيى؟
بدأت معرفتي به في عام 1954م ثم في أوائل عام 1955م عندما وصلتني منه رسالة من وادي مدني في السودان إلى مرسيليا في فرنسا، وفيها يحييني ويحثني على مواصلة النضال بشتى الوسائل، ويلقبني فيها «بابن اليمن البار» ومذيلة بتحية وتوقيع المناضل الكبير أحمد محمد هاجي، فعرفت أنه هو الذي أعطاه عنواني في فرنسا، ويقول رحمه الله في رسالته الثانية «بأنه مستعد لطبع أي شيء يخص الأحرار اليمنيين على حسابه الخاص».
ذلك لأنه عندما زار اليمن الرائد صلاح سالم ـ أحد أعضاء قيادة الثورة المصرية ـ طلب منه الإمام أن يبلغ الرئيس جمال عبدالناصر لإقفال صحيفة «صوت اليمن» التي كانت تصدر في القاهرة وعدم السماح للأحرار بنشر وطبع أي كتاب يناوىء الإمام وإغلاق الاتحاد اليمني.
وقد وافقه الرئيس جمال عبدالناصر على اثنتين ولم يوافق على إقفال الاتحاد اليمني، وكان عبدالناصر رحمه الله يود أن يكسبه إلى جانبه في الدفاع عن القضية العربية ولاسيما القضية الفلسطينية والجزائرية آنذاك.
ولكن هيهات هيهات.. كيف تفلق الأحجار، كيف تذوب الحديد بين الماء.. لايمكن!
الإمام أحمد كعادته هو هو وأتذكر أن الشاعر الكبير علي عبدالعزيز نصر أطال الله عمره، وكان هارباً في عدن كتب قصيدة طويلة للرائد صلاح سالم في «صوت اليمن» التي كانت تصدر في القاهرة، ومطلعها:
«قف ياأخي إنّا نحكم فيك روحاً ثائرة»
ومن ضمنها:
«إنَّا سنجزي الظالمين بظلمهم...» إلى آخر هذه القصيدة.
وهنا عرفنا أن المرحوم المناضل الكبير يحيى حسين الشرفي أبلغ الأحرار أنه مستعد لطبع أي شيء يخصهم ويخدم القضية الوطنية أي أنه يطبعها على حسابه، وقد زاره شهيد الوطن الكبير القاضي محمد محمود الزبيري، ثمّ وصل إليه الشهيد الحي ـ وأضغط على كلمة الشهيد الحي ـ الأستاذ أحمد محمد هاجي البائس المنكوب الآن في اليمن، ثم عاد بعد زيارته له إلى القاهرة.
استمر الشيخ يحيى في السودان وتزوج من سودانية، إلى أن جاءت حكومة عبود في السودان فطلب الإمام أحمد من الرئيس عبود أن يوقف يحيى حسين الشرفي الذي كان شعلة من شعل الحرية، وكان يصنع كل مالايقدر الأحرار على صنعه في القاهرة من نشر البيانات والمطبوعات ضد الإمام، كما طلب الإمام أحمد تسفيره من السودان فصدر الأمر بتسفيره.
وهنا تحرك اليمنيون المغتربون، فأرسل الاتحاد اليمني في عدن ـ وكنت آنذاك مساعداً للأمين العام فيه ـ برقية مؤثرة إلى الرئيس عبود يرجوه وقف تسفيره وبرقية أخرى من المؤتمر العمالي في عدن، وبرقية من أثيوبيا «أديس أبابا» باسم الجالية اليمنية، وأتذكر أنها كانت بتوقيع أحمد عبده ناشر العريقي الذي لايزال يعيش في صنعاء متعباً، وبرقية من القرن الأفريقي وهي بتوقيع علي حمود الجائفي شقيق اللواء حمود الجائفي، ومن كينيا بتوقيع المرحوم المناضل الكبير السيد محمد الوريث، ومن ذا الذي يجهل محمد الوريث وتضحياته؟ وهذا يجب أن يكتب عنه الأستاذ أحمد عبدالرحمن المعلمي والأستاذ محمد عبدالله الفسيل وإبراهيم الحضراني وآخرون، لأنهم يعرفونه من الألف إلى الياء.
وأخيراً قامت مظاهرة صاخبة في السودان ابتدأت في وادي مدني ثم بور سودان والخرطوم لشجب قرار التسفير وليعلم القارئ أن المرحوم يحيى حسين الشرفي كان إلى جانب نضاله وتضحياته في الحركة التحررية في اليمن لايبخل في مشاركة السودانيين في قضايا التحرر من الاستعمار.
وهذا مادفع الشعب السوداني الشقيق إلى أن يردّ الجميل.
وهكذا لم يسع الرئيس عبود تحت ضغط الجماهير السودانية بالدرجة الأولى والمغتربين اليمنيين في الدرجة الثانية إلا أن يوقف أمر التسفير، وكان هذا عام 1959م.
بعد قيام ثورة 26 سبتمبر المباركة زار المرحوم يحيى حسين الشرفي وطنه بعد غياب دام أكثر من ربع قرن، وكنت أزوره في دار الضيافة التي يقيم فيها بأمر المرحوم المشير السلال.
وكان الزبيري والشرفي يتزاوران، وكم كان يحلو لي الجلوس معهما، وقد تأكد لي حينذاك أن يحيى حسين الشرفي كان إلى جانب وجاهته وتحرره مثقفاً بثقافة لابأس بها.
شد الشيخ يحيى الرحال إلى الشرفين أولاً لزيارة بقية أسرته التي تركها منذ ثلاثين عاماً وثانياً والأهم: لإقناع أصحاب تلك المناطق النائية والوعرة بأن يدخلوا مع الجمهوريين بدلاً من أن يحاربوا في صف الملكيين وكان معظمهم ـ كما قال لنا ـ من أتباع الملكيين.
لقد تجشم الصعاب والسير على الأقدام حافياً في كثير من المواضع، إذ من الصعب أن يسير الإنسان في تلك الطرق الوعرة بشناخيبها، وحتى الحمير لاتستطيع السير بتلك النقل والتضاريس.. وظل السيد يحيى هناك أكثر من شهر، ينشر بينهم الوعي، رغم أنه قد نُصح من قبل الأصدقاء بأن لا فائدة، وأنه قد يلاقي حتفه.. وفعلاً عاد هذا الشيخ إلى صنعاء يائساً وحزيناً ودامي القدمين، وماطلع تلك الجبال ولا عانى ماعانى إلا في سبيل القضية اليمنية وفي سبيل تحرر هذا الشعب.. ثم عاد إلى مقر عمله وبين أهله في السودان، وقد وافته المنية بعد بضعة أعوام من عودته.
رحمه الله ورحم أولئك الأبطال الذي ضحوا في سبيل هذا الشعب.
هذا أحد المناضلين ذكرته لكي يعلم شبابنا الذين لايعرفون ماكان يصنع هؤلاء، وأثر المغتربين في الحركة الوطنية، فلولاهم لظلّت الإمامة أكثر مما كنّا نتصور.
والآن إلى قصتي مع مناضل آخر يجهله الكثيرون من الشباب، وحتى الذين بلغوا الأربعين من العمر لايكادون يعرفون من هو هذا الإنسان.
إنه أحمد محمد هاجي.
3ــ أحمد محمد هاجي
من هو أحمد محمد هاجي؟
إنه من أبناء الحديدة، ومن اليمن أولاً، طبعاً..فر إلى عدن وظل يدرس هناك في مدرسة النهضة وبازرعة ليقيت نفسه وهروبه لم يكن عن خوف أو وجل أو تعسف ولكنه فكر وقدر، ورأى نفسه كمثقف لابد له من أن ينضم إلى قوافل الأحرار والمناضلين في عدن، وغير عدن، مع المغتربين.
ظل في عدن حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952م فذهب إلى مصر، وتسجل هناك وكتب في قائمة اللاجئين السياسيين وبقي في مصر إلى أن ذهب إلى السودان وظل يكتب لي ولغيري سواءً إلى أثيوبيا أو إلى المغتربين في أي قطر آخر يعرف فيه عناوينهم.
عندما أقفلت «صوت اليمن» في القاهرة، بعد أن أصدرت عشرة أعداد، وكان في العدد العاشر منها كلمتي أو مقالي، بتوقيع «السندباد اليمني» كان هو يتنقل مابين السودان ومصر.
في 56، 1957م اضطر أحمد محمد هاجي، أو دفعته وطنيته، عندما رأى أن لامناص ولامجال هناك للأحرار الشرفاء والمناضلين في القاهرة، إلى مراسلة صحيفة «الأحد» التي كان يصدرها الشهيد المناضل ـ الناصري فيما بعد ـ رياض طه في لبنان وراح ينشر فيها مقالاته النارية على مدى الأعوام 56، 57، 1958م وهو في القاهرة وكان المغتربون في جدة، والرياض، والدمام، والظهران يتلقفون أعداد هذه الصحيفة «الأحد» التي تأتي من بيروت بلهفةٍ وشوقٍ وشغف.
كما أن الأخوة السعوديين لم يقصروا، فكانوا يتساهلون كثيراً، فارتفعت أعداد الصحيفة من عشرة آلاف نسخة إلى خمسين وإلى ثمانين ألف عدد في كل أسبوع.
وهكذا ظل أحمد محمد هاجي يكتب ويكتب حتى تحول رياض طه ـ لا أقول بأنه توقف عن نشر الكتابات بأمر من الإمام، ولكن رحمه الله، وغفر له ـ أو منعت صحيفته لسبب أو لآخر.
وفي القاهرة ظل أحمد محمد هاجي لاجئاً بعشرة جنيهات ..لولا أننا تنبهنا وهذا أستاذنا المعلمي يعرف ذلك، فكنا نحن المغتربين نرسل في كل شهر لخمسة أفراد مبلغاً إضافياً، عشرة جنيهات لكل واحد منهم إلى جانب عشرة الجنيهات التي كانوا يحصلون عليها من مصر ورعى الله مصر عبدالناصر.
ومنهم أيضاً كان العميد محمد علي الأكوع الذي قاسى الأمرين في تلك السنوات من 1955م حتى قيام الثورة، وتجلد تجلداً كبيراً هو وغيره من الشرفاء..عشرة جنيهات ماذا تصنع لهم؟
هذا أحمد محمد هاجي الأديب والمناضل..تزوج في مصر من مصرية وعندما قامت الثورة المباركة عاد إلى اليمن، لينعم بالأمن والاستقرار فظل يتأرجح من وظيفة إلى أخرى حتى تعين وكيلاً لوزارة الإعلام وكان مبرزاً ومثقفاً وكل الأخوة يعرفونه، ولكن أين هو الآن؟
لست أدري..ربما إنه يتسكع في شوارع الحديدة، أو ربما في شوارع صنعاء، أو يقبع في منزل متواضع أو كوخ..لست أدري!
أيها البطل..تحياتي لك، وتحياتي لكل المناضلين اليمنيين أرجو أن يتنبه لك الشرفاء والذين قاسوا وعانوا الأمرين في الماضي.
وأخيراً بلغني أنه يعمل برئاسة الوزراء، وهو محدودب الظهر، يعاني مايعاني.
هامش:
(ü) راجع الهامش في ص204، أو يرجع من يريد أن يفهم «الخطاط» إلى كتاب «الأنة الأولى» للأستاذ أحمد محمد نعمان بتعليق الأستاذ عبدالودود سيف.





توقيع ( mohi )
يارب .هئ فسحــــــــةً للعمر كي يرتاح من عطش التجارب...
من غبار البحث في الأحداق.... والأسباب..
 


رد : محمد عبدالواسع الأصبحي يتذكر ـ الحلقة "الاخيرة"
mohi
مدير الموقع

غير متصل حالياً
رقم العضوية : 1
عدد المشاركات : 1270
تاريخ التسجيل :
الخميس 23-09-2010
 
مراسلة الموقع الشخصي

 حرر في الجمعة 19-08-2011 05:42 مساء || رقم المشاركة : 902  




كما أن القارئ سيقف أمام بعض الحقائق الإقليمية التي تشمل البحر الأحمر وخاصة في شطره الجنوبي وما جرى على ساحله الشرقي في اليمن وساحله الغربي الذي تقع عليه بعض دول ومناطق شرق أفريقية وما كان يدور في شرق أفريقية من الصراع الاستعماري الذي أدى إلى نشوء دول واختفاء أخرى وهو لا تزال رحاه تدور أمام أعيننا إلى هذا اليوم.. ولن يسع القارئ إلا أن يشعر بالإعجاب إلى حد الدهشة، لما أبرزه الأستاذ محمد عبدالواسع الأصبحي، من أخبار اليمنيين في تغريبتهم الحديثة التي بلغوا بها أصقاع الأرض، وما قابلوه من أهوال تتضعضع أمامها الجبال، ولكنهم قابلوا كل ذلك بصبر عظيم، وجلدٍ لا يذل ولا يهون، وبقدرة على التكيف مع عالم غريب ينكرهم وينكرونه، وينفيهم فيقتحمونه، مما ينبئ عن معدن صلب عريق لهذا الشعب الذي أنجب هؤلاء الرجال، ويبشره بمستقبل زاهر مجيد رغم كل ما يحيط به من مكر الأعداء وقسوة الظروف.. ولو كان لي أن أوجه نداء لهتفت.. نداء.. نداء..: أيها اليمنيون اقرأوا مذكرات المناضل الحر الأستاذ «الخال» محمد عبدالواسع حميد الأصبحي المعافري الحميري اليمني، من هذه المنطلقات، وستجدون فيها طاقة خلاقة قوية، تدفع بالمسيرة إلى الأمام بثقة ماضية وجباه عالية.
دمشق 21-5- 1996مــ مطهر الإرياني
«الجمهورية» تعيد نشر هذه المذكرات لرجل ساهم بقسط وافر في خدمة الوطن واستذكر ملامح وشواهد من التاريخ المعاصر لليمن والظروف المحيطة بتلك المرحلة وهي مذكرات أحق أن يقرأها هذا الجيل الذي لا يعلم حجم تلك التضحيات وطبيعة الظروف فضلاً عن اتسامها بالأسلوب الأدبي الشيق في رواية الأحداث والأسماء
الفصل التاسع
الشهيد القردعي شاعر...وثائر
توطئة:
طالما اقترح علي الكثير من الأصدقاء بأن أسجل أو أكتب ما أحفظه من قصائد البطل الشهيد الشيخ علي ناصر القردعي وأخيراً ـ وليس آخراً ـ كان اقتراح العقيد الركن علي حسن الشاطر مدير دائرة الصحافة والطباعة والنشر رئيس تحرير صحيفة «26سبتمبر» كما كانت تحدوني رغبة ملحة أيضاً،واستجابة لذلك ،ها أنا أكتب ماعلق بذهني من القصائد، والتي استميح العذر من كل قارئ إن كان ثمة أخطاء في هذه القصائد أو التاريخ.
في هذه العجالة للمقدمة عن القصائد الشعرية للشهيد الشيخ علي ناصر القردعي جزء ضئيل جداً عن مواقفه ـ ولاأقول تاريخه فهذا متروك لذوي الخبرة ومن عاصروه ـ كما أني لاأعتبر ذلك فذلكة تاريخية لجهلي بتاريخ ميلاده ونشأته ماعدا النزر اليسير.
الذي أعرفه عنه أنه ولد في نواحي مأرب وتفتحت عيناه على أطلال سد مأرب العظيم ،والآثار التي تدل على الحضارة العريقة التي أسّسها الشعب اليمني وشيدها،وكما عرفت أنه عندما كان شاباً يافعاً طار اسمه وشعره وشاع بين القبائل اليمنية «العشائر» وخاصة بعد حادثة النمر الذي قتله وحمله على كتفيه إلى الحي وذلك قبل أن يشتد عوده فصار ـ كما يقول المثل ـ أشهر من نار على علم.
المعركة مع النمر:
إن قصة البطل القردعي ومعركته الدامية مع النمر وكيف قتله بالخنجر..الخ،تكاد تكون أسطورة من الأساطير وربما أن النشء الجديد من الشباب لا يصدقون هذه الحادثة ،وخلاصة هذه القصة كالآتي:
كان الشهيد القردعي يرعى في المراعي أذواداً من الشياه والنعاج والخرفان والماعز،ووفي غفلة منه وثب أحد النمور على قطيع من الخرفان والنعاج، فافترس بعضاً منها،ثم انسل يعدو إلى كهفه في سفح الجبل،وهنا ثارت ثائرة البطل وانتابه الحياء والخجل في أن تعتبره عشيرته وأهله جباناً بتقاعسه عن ملاحقة النمر وقتله،فأقسم أن يقتل النمر مهما كلفه ذلك من ثمن،وقد آلى على نفسه ألا يقاتل أو يقتل النمر ببندقية أو سيف، بل بخنجر،فاحتزم بحزام شده على بطنه بعسيب وخنجر «جنبية» ،وظل يقتفي أثر النمر حتى عرف مكمنه في كهف بسفح جبل كان يأوي إليه،وأخذ فروعاً من شجرة العلب،أو مايسميها البعض شجرة الدوم،ـ وهي شجرة ذات أشواك شمط ـ لاليتقي بها ضربات أنياب وأظفار النمر أو ترساً ومجناً ،بل ليتحرشه بها ليخرجه من مكمنه..وفعلاً خرج النمر ليفترس هذا الذي جاء يتحدى أمير الوحوش..
يدل بمخلبٍ وبحد ناب
وباللحظات تحسبهن جمرا
وهنا دارت معركة مهولة بين أمير الوحوش «النمر» والبطل الشجاع القردعي الذي ظل يكيل الطعنات للوحش الضاري حتى انتصر عليه وقتله.
بيد أن النمر قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة تمكن من ضرب القردعي بمخالبه فشرم جزءاً من أسفل أنفه،ونزع إحدى عينيه. وحينها حمله على كتفيه إلى داره وألقاه في الأرض والدماء تسيل من الجروح التي في أنفه وعينه وهو شامخ بقامته المديدة، وتجمع سكان الحي من الرجال والنساء والأطفال ليشاهدوا ما صنعه بطلهم،بل أسد من أسود اليمن:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له
وتتقي صولة المستأسد الحامي
إن هذا العمل البطولي يكاد يكون ضرباً من الخيال، ولكن هذا ما حدث فعلاً..إننا نقرأ ماحدث لأحد الصعاليك وهو بشر بن أبي عوانة العبدي وقتله أسداً في الخبت وهو صاحب القصيدة التي مطلعها:
أفاطم لو شهدت ببطن خبتٍ
وقد لاقى الهزبرُ أخاك بشرا
ونقرأ قصة جحدر وقتله للأسد أيام الحجاج وهو يقول:
ليثٌ وليثٌ في مجال ضنك
كلاها ذو بطشةٍ وفتكِ
أن يحسر الله قناع الشكِّ
فأنت لي في قبضتي وملكي
أجل إنما ضربت هذه الأمثلة للبطولات السابقة ليعلم جيلنا أن هذا البطل الفذ قاتل النمر بالخنجر فتفوق بشجاعته ومغامرته على من سبقه، وعلى سبيل المثال بشر بن أبي عوانة أو جحدر الذي كان يقاتل الأسد وبيده سيفه وترسه ودرعه،أما بطلنا فقد ذهب إلى عرين النمر متحدياً لايحمل من السلاح سوى خنجره،ولقد كان بإمكانه أن يكمن للنمر فيصوب إلى نحره طلقات نارية من بندقيته ،وكان يملك ذلك،فيرديه قتيلاً دون أن يصيبه أذى أو يصاب بمكروه،ولكن أبى البطل القردعي إلا أن يقتله بخنجره ثم يسلخه ويحمله على كتفيه إلى قريته،ثم يضعه في الأرض مضرجاً بدمائه معفراً بالتراب.! إنها قمة البطولة والشجاعة.
ولشد ماأنا آسف على أنني لم أتمكن من جمع قصائده التي تشيد بهذه الملحمة التاريخية،فلا أشك أن له عدة قصائد وطنية قالها قبل عام 1948م وقصائد كثيرة تحرض الشعب اليمني على التخلص من الحكم الإمامي،وأعظم دليل ناصع على أن أقطاب الحركة الوطنية وقع اختيارهم عليه ـ أي القردعي ـ في التخلص من الإمام يحيى هو أنهم كانوا واثقين من وعيه ووطنيته إلى جانب شجاعته الخارقة،وكم أنا آسف ومتألم لأن الظروف لم تسمح لي بجمع جميع قصائده الوطنية البطولية،لأن ما أحفظه يعتبر جزءاً ضئيلاً،حيث لم أوفه حقه وأتمنى على الله أن تتهيأ لي الظروف لأكتب أكثر،وهذا فإني أهيب وبقلب مفعم بالحب أي شخص كان يعرف القردعي ـ وخاصة من آل القردعي ـ أن يسجل ماعنده.«1»
كما أدعو من الأعماق كتاب القصة في اليمن أن يكتبوا هذه الملحمة الأدبية في قالب قصصي ليقرأها جيلنا الحاضر والأجيال القادمة.
إن وأيم الله أتمنى بجدع الأنف ولو أوتيت قوة الشباب ونشاطهم لذهبت إلى مأرب وزرت قبائل مراد وقيفه وغيرهما لكي يشرحوا لي ماغاب عني ،وبالتالي اقتفي أثره ومحل ولادته وأسطر أشعاره وملاحمه ولكن..وما أكثر لكن !
ختاماً أنثر قبلاتي الممزوجة بالحب إلى كل من يقرأ هذه الأقصوصة «الملحمة» وإلى كل الوطنيين الشرفاء «جيل الثورة والجمهورية والوحدة الخالدة بإذن الله» وإرادة الشعب،وإلى صناع الوحدة ومحققيها وإلى «26سبتمبر» التي أتاحت لي هذه الفرصة التي سعدت بها.
وإلى من «ذكرني ..وقد كنت ناسياً».
القردعي.. الشاعر المتمرد
بعد أن عرف الإمام يحيى ،في بدء حكمه لليمن، الشيخ علي ناصر القردعي بشجاعته وتأثيره على قبائل مراد كلها،عينه عاملاً على شبوة..وبعد ذلك بفترة كان القردعي قد أثر تأثيراً بالغاً على هذه القبائل لاختلاطه بها وبقبائل البيضاء،من خلال ماعرف عنه من كرم وشهامة ومواقف وطنية..فأمر الإمام يحيى بعزله وتسليم شبوة إلى بريطانيا.
وعندما عاد القردعي إلى صنعاء وكان واعياً ـ وهذا ما يثير العجب ـ بمجريات السياسة الخارجية آنذاك، علم أن هناك مفاوضات سرية تجري بين الإمام يحيى وبين بريطانيا أيضاً على ماكانت تسمى بالمحميات،وهناك قال قصيدة لم أحصل إلا على جزء منها..وفيها يقول:
يالله يامن لك القدرة وبك نركنْ
ياحافظ الكل وحدك ما معكْ ثاني
رديت على من ذي هو كوَّن
ولاغضب ماحسب قاصي ولا داني
لاجيت باشكي على حد ما درينا مَـنْ
قد خاب ظني في اخواني وصدقاني
قدْهُــْم على الشور من صنعا إلى لندن
متخابره كلهم سيد ونصراني
القردعي وابن نمران
وظل القردعي فترة زمنية بعد تركه شبوة،وأترك ذلك للتاريخ ـ كما قلت ـ للأخوة الذين رافقوه،ولاأدري كم طالت هذه الفترة،وعندما وصل إلى صنعاء،كان الإمام يحيى له بالمرصاد كعادته فزج به في سجن القلعة، وكان في السجن حينها الشيخ عبدالقوي الحميقاني الذي تمرد هو أيضاً على الإمام يحيى،وظل القردعي في السجن لعدة سنوات ـ ولاأدري كم عددها ـ وكان يراجع الإمام يحيى أكثر من مرة وهو في السجن،إلا أن إجابات الإمام دائماً كانت:«لن تخرج إلا إلى خزيمة» ـ وخزيمة هي المقبرة الكبرى في صنعاء..
وفيما هو في السجن تذكر القردعي صديقه «القبلي نمران» ـ القبلي بكسر القاف ـ وكان شيخاً من مشائخ مراد،ومن المقربين نوعاً ما إلى الإمام يحيى ،فكتب إليه قصيدة يستنكفه من ناحية،ومن ناحية أخرى يصف الوضع وما يعانيه الشعب اليمني من جهل وأمراض وغلاء وجفاف ..الخ..وتعتبر تلك القصيدة ـ بالإضافة إلى أنها سياسية استنكافية تحريضية ـ قصيدة اجتماعية تصف الوقع آنذاك ،ففيها يصف مثلاً:«السيس والساني» أي الجبال،وأن الآبار التي ستخرجون منها المياه قد جفت،ويتكلم عن الشعب اليمني بأسره وما آل إليه..حيث يقول في تلك القصيدة والتي أرسلها لابن نمران:
يقول القردعي وقتي الحاضر قد أعياني
وأعيا أهل الأفكار ذي تمحن وممحونه
واتباعد البون،والذيب الحمس حاني
لاحد رثي له ولتضجرّ يجرونه
وأنا أحمدك عد ماهنطش بـ «لمزاني»
وأرختْ سحوبه على وديان مهنونه
سار المسقَّي وسار السَّـيْس والساني
والزرع ضامي وبير النقع مدفونه
والسعر في السوق يسقم كل الأبدانِ
والزاد يحرم على ربعي يذوقونه
هالساع نا بارسِلك ياذيب سرحان
ياذي على البعد شل أقوال موزونه
ممساك في الحصن ذي قد سوّس الباني
عند ابن نمران راكب كل مرسونه
قل قال لي صاحبك: حبل الصحب لانِ
ياذي قريتوا المُــتَـرْجَـمْ ويش راطونه
باهتف بكل ياهل ضبيا وأنتم أخواني
لاتبعثرْ الشور فأنتم ذي تلمونه
ياعيل عيلوه تم العيل مجراني
ياصفوة الود ذي بالحدَّ تحمونه
كُـلَّـن يبا يجزع العوجا على الثاني
وأنتم سوى تحت هجَّ أعوج تجرونه
***
والمحجر ابتاع للمعزي وللضاني
والسوق سارت بمجابية وقانونه
أول فرار من سجن القلعة
وصلت هذه القصيدة إلى ابن نمران، فأرسل له ابن نمران، صفيحة «تنكة» بها سمن، وفي السمن وضع له مبرداً وخنجراً، وهنا عرف القردعي استجابة ابن نمران له، فاتفق القردعي مع الحميقاني «زميله في السجن» على الفرار.. وبالفعل قام بواسطة المبرد بقص قيده وقيد الحميقاني، وبالاتفاق مع بعض أصدقائهما دبرا حصانين وراء سجن القلعة.. وتم لهما الفرار، وكان أول وربما آخر فرار يحدث من هذا الحصن الحصين الذي جعله الإمام سجناً لمعارضيه.
وأنشد القردعي قبل الفرار قائلاً «2» :
ياذي الشماريخ ذي بديتي ماعلى الشارد ملامه
قولي ليحيى بن محمد بانلتقي يوم القيامه
وفي هذين البيتين يخاطب «الشماريخ» الجبال قائلاً: لا ملامة عل الفرار من السجن، وأن تبلغ الإمام بأن اللقاء يوم القيامة.
في بيحان
وصل القردعي إلى بيحان بعد فراره من سجن القلعة، ومن هناك أرسل قصيدة إلى صديقه القاضي محمد عبدالله الشامي، وكان عالماً فاضلاً وعاملاً من قبل الإمام على البيضاء، يعبر فيها عن هروبه الذي يشبه المعجزة، وكيف استطاع ذلك، ويوضح فيها حاله لصديقه..يقول:
القردعي قال هزه نود الأفواج
وأنا في الحيد متعلي على الافجاج
قانص لذي يقطفين أغصان «الأوتاج»
وبندقي في يميني رسمها بوتاج
قد زينه صانعه له صوت رجاج
وفي الجوازي تهزج لحنها هزاج
دعيت بالصوت جوبني أخو ناجي
إنه رفيقي كماني كنت له محتاج
ونا أحمدك ياالذي سهلت مخراجي
من قصر فيه الحرس والبوب والصناج
من سبعة أبواب مافياتها شاجي
وميمهات القيود السود والحراج
والليل له أشواق، وطى حيد حجاجي
والقازحه والعكارين أصبحين ديباج
والقلب من داخله وقاد هجاجي
لو هو على حيد شامخ مهجه مهاج
ياذي تسرج سراجي ها أنا ناجي
فك الطلب قبلما يسبر لك الحواج
ماسعدنا إلا نهار الحرب ضجاج
وفي المهاجي يهلج لحمها هلاج
منا وفينا يقع عطاف الاحناج
مايشرب الصافي إلا شارب الاخماج
قد كان هجي مدني فوق الاهجاج
والآن شارد وقدني طارح الملباج
عليك ياذي تيسر كل محتاج
فك العسر يامودي غائب الحجاج
يالله بثورة قريبة يابا لافراج
عز المناصب وبدل همهم بافراج
ماعزنا إلا نهار الصوت رجاجي
وفي الحجايا يظلين فوقنا الهياج
باصبر وغيري صبر قبلي وهو راجي
يتحمل الميل والعوجا قفا ماهاج
من ذل دوله يسوي في الثاج
وتعجب الخصم ذي اتعود على الكرباج
قم يارسولي تزلم شد هياجي
من ذو دنا ذي بعدو سبرها هداج
إن مر وادي كأنه سيل عواجي
وإن شد له طوق مثل الرائج الفجاج
محمد انته قطيري وأنت منهاجي
راجع لنا ذي ضميده كسرت لهجاج
وقل له القردعي منسي وهو راجي
منكم وفيكم تداويني قفا الفداج
والقصيدة أطول من هذه..إلا أن الذاكرة لم تسعفني لتكملتها، وفيها نقرأ إشارات إلى نوع البنادق في ذلك الوقت، كما كانت تسمى، مثل: أبو تاج وأبو شمس، ويصور القردعي دقة تصويبه ويصف أيضاً فراره وكأنه يرسم لوحة زيتية ينقش فيها الجبال الشامخات كنقم والقازحة والعكارين، والتضاريس الصعبة التي طواها في ذهابه إلى بيحان، يصورها وكأنها ديباج رغم وعورتها.
وفي القصيدة يطلب أيضاً من صديقه العالم محمد الشامي أن يراجع هذا الطاغية في معاملته لشعب اليمن.
ونلاحظ في هذه القصيدة توارد خواطر بينها وبين قصائد لشعراء كبار مثل بشار بن برد والعباس بن مرداس السلمي وعبدالشارق بن عبدالعزى الشاعر الجاهلي.
ولا أعتقد أن القردعي قد قرأ أشعارهم، ولهذا أقول إنها حالة توارد خواطر فقط، فمثلاً يقول في قصيدته الجيمية السابقة.
منا وفينا يقع عطاف الاحناج
مايشرب الصافي إلا من يشرب الأخماج
ويماثل هذا بيت للشاعر عبدالشارق بن عبدالعزى،وهو:
فآبوا بالرماح مكسرات
وأبنا بالصفاح قد انحنينا
وباتوا بالصعيد لهم أحاح
ولو خفت بنا الكلمي سرينا
ويقول بشار بن برد:
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى
ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
بمثلهم عده وربي طمش
ذي ما على عينه عماشي
وضويت هجمه مثل حيد انكمش
وجيتني فيك احتماشي
وغرني وجهك وكبر الجنش
وقلت ماجرعون واشي
شف بازلك غومك لجنبك دحش
والبنت حواء جاتناشي
من ضلع بونادم كثير الغرش
ذي سار في شور الغشاش
أو في دباله عرض فانوس نش
من قاز جا فوق المواشي
أو في العمل ذي جافي القبر عش
أو موت منه ارتعاش
واحزيك من قبله على حيداجش
واتمارها شيئاً علاشي
وجناشها سبعه موارد بلش
ونشد لها في أرض الرياشي
والختم صلَّوا ما القلم قد نطش
على النبي سيد البشاشي
مقتل الإمام يحيى
اتفق أقطاب الحركة الوطنية بصورة سرية ـ بطبيعة الحال ـ لإنهاء الحكم الإمامي الكهنوتي.. فكانت مهمة القردعي مع رفاق آخرين هي إطلاق الرصاص على الإمام يحيى في «حزيز» وبالفعل نفذ مهمته التي اشتاق إليها طويلاً وكانت هي نهاية الطاغية.. ولكن الإمام أحمد بن يحيى الذي كان مرابطاً في حجة استنفر باسم الدين جموعاً غفيرة وأباح لهم صنعاء للسلب والنهب بعد أن يدخلوها، وقام الثوار بحراسة صنعاء والذود عنها، إزاء ذلك الوضع كلف القردعي بمهمة أخرى وهي حماية جبل «نقم» وكان مع مائة من الفدائيين الذين استماتوا في حماية نقم، وظل القردعي ومن معه أربعة وعشرين يوماً يسيطرون على نقم ويدافعون عنه، ولكنه نتيجة لعدة مؤامرات سقطت صنعاء في يد الطاغية أحمد الذي اقتاد أبطال اليمن وعلماءها إلى الإعدام والسجون،ولكن القردعي استطاع بقوته وشجاعته أن يفرَّ ويشق له طريقاً وسط هذه الجموع التي استعطفها الإمام باسم الدين..
حتى وصل القردعي إلى خولان حيث تصدت له بعض القبائل الذين عرفوه من آثار مخالب النمر على أنفه وعينه،غير أنه لم يستسلم، وظل يقاتلهم وحده حتى سقط صريعاً شهيداً ولسان حاله يقول «3»:
وحنا عزمنا برايش يالحيود السناد
ياجاريان امسك الجوده وحشك مراد
مراد لول بلول منها الحيد ناد
بارق برق من على صنعاء محل الجهاد
وامسوا يسقوا بسبله في جميع البلاد
سبله حضرته فلانا من بنادق جداد
لاما حضرته فلانا من نسل مسعد عباد
حكم الإمامه برى حالي وسم الفؤاد
لابد ما نبلغ المقصد ونيل المراد
وقد عرفت جار الله القردعي في عام 1962م حينما عين عضواً في مجلس الرئاسة آنذاك، ومات رحمه الله في عام 1963م بالمستشفى الجمهوري، وكان زميله في مجلس الرئاسة ووزير الصحة الأخ المناضل علي محمد سعيد والذي قام بتشييعه مع الأستاذ محمد محمود الزبيري رحمه الله وجمع غفير من المواطنين.
أحمد ناصر يرثي أخاه
وقبل أن أختتم هذه الذكريات والخواطر السريعة عن هذا البطل الأسطوري الشهيد علي ناصر القردعي، أحببت أن ألقي الضوء ـ ولو سريعاً ـ على نضال أخيه الشهيد أحمد ناصر القردعي الذي قتل هو الآخر على يد الطاغية أحمد.
فلقد زج به الإمام أحمد في سجن حجة عام 11948م وظل هناك إلى مايقرب من خمس سنوات حتى تم اغتياله، داخل السجن على يد حراس الطاغية أحمد بينما كان يؤدي الصلاة.
وقد بلغني أن الإمام أحمد كان يزمع زيارة حجة وتسربت إليه معلومات بأن أحمد ناصر القردعي ومجموعة أخرى سيدبرون عملية لاغتياله في تلك الزيارة.. فأصدر الإمام أوامره سراً بقتل أحمد ناصر.
وللشهيد أحمد ناصر عدة قصائد يرثي فيها أخاه، وقصائد أخرى يعاتب فيها بعض القبائل وأعيانها ومنهم علي بن ناجي الغادر يلومه فيها لتقاعسه عن نصرة أخيه أو التستر عليه حتى ينجو.
وهنا،سأكتفي بهذه القصيدة له، والتي يقول فيها:
يا الله لا حد قدر فانت أقدرا
ياحي دائم.. وغيرك مايدوم
ياحافظ الميل في بحر أعدرا
لاهزت الريح موجاته تزوم
إن عاد شي فيك تشفع للثرى
ولا فقد باعنا مولى الهكوم
ذي لابرك شل حمل الجبرا
ماظن غيره بحمله بايقوم
لاحد بصوت الجمالة يذكرا
من تسعة أقسام له سبعة قلوم
يا ذي قتلته قفا الصلح البرا
لاتأمنوا والعمل عند الختوم
والساع يا مرسلي شد اشقرا
من داخل الحبس ذي دون النجوم
من حبس نافع قيوده جسرا
والمشنقه فوقها الشيمر تحوم
فأنا على الحبس قد بااتصبرا
وقل لهم بيننا عند الهجوم
باديك ذا الخط ذي فيه الغرا
ذي فيه تسليم لاصحابي عموم
من راس حيد الجبل «لمعشرا»
والغايب احذر بقسمه لايلوم
ذي سيلهم لا اجتمع وتكاثرا
ذي يسقي لخلق الله عموم
خيلت بارق منع ماثورا
من قبله أقبل لوفاته ردوم
ماعاد اباشي عليكم يظهرا
واليوم مسرور يوم أنتم سلوم
واحنا على الحبس قد بانصبرا
نا وابن طالب نرحب باللموم
ياصحابنا خير من يتعورا
ومن يغيظه تشفاي الخصوم
ابن الجميلي بلغنا أنه قرا
وأنه فهم ولا أصحابه غشوم
عبدالله احزيك يابن ناصرا
من بنت تضحك على جيد وشوم
يصدقوها وهي سيره ورا
كلن يقول إنها له يافهوم
والختم صلوا يزور الطاهرا
ذي علم الناس من صلى يصوم
هوامش:
1ـ كتبت هذا قبل أن يصدر ديوانه والذي ليس بين يدي الآن هنا في دمشق.
2ـ في رواية أن هذين البيتين للحميقاني والله أعلم.
3ـ هذه القصيدة أرسلها إلى ولده الوحيد جار الله قبل مقتله بستة أشهر وهي تعتبر وصية لولده.





توقيع ( mohi )
يارب .هئ فسحــــــــةً للعمر كي يرتاح من عطش التجارب...
من غبار البحث في الأحداق.... والأسباب..
 


رد : محمد عبدالواسع الأصبحي يتذكر ـ الحلقة "28"
mohi
مدير الموقع

غير متصل حالياً
رقم العضوية : 1
عدد المشاركات : 1270
تاريخ التسجيل :
الخميس 23-09-2010
 
مراسلة الموقع الشخصي

 حرر في الجمعة 19-08-2011 05:45 مساء || رقم المشاركة : 903  



كما أن القارئ سيقف أمام بعض الحقائق الإقليمية التي تشمل البحر الأحمر وخاصة في شطره الجنوبي وما جرى على ساحله الشرقي في اليمن وساحله الغربي الذي تقع عليه بعض دول ومناطق شرق أفريقية وما كان يدور في شرق أفريقية من الصراع الاستعماري الذي أدى إلى نشوء دول واختفاء أخرى وهو لا تزال رحاه تدور أمام أعيننا إلى هذا اليوم.. ولن يسع القارئ إلا أن يشعر بالإعجاب إلى حد الدهشة، لما أبرزه الأستاذ محمد عبدالواسع الأصبحي، من أخبار اليمنيين في تغريبتهم الحديثة التي بلغوا بها أصقاع الأرض، وما قابلوه من أهوال تتضعضع أمامها الجبال، ولكنهم قابلوا كل ذلك بصبر عظيم، وجلدٍ لا يذل ولا يهون، وبقدرة على التكيف مع عالم غريب ينكرهم وينكرونه، وينفيهم فيقتحمونه، مما ينبئ عن معدن صلب عريق لهذا الشعب الذي أنجب هؤلاء الرجال، ويبشره بمستقبل زاهر مجيد رغم كل ما يحيط به من مكر الأعداء وقسوة الظروف.. ولو كان لي أن أوجه نداء لهتفت.. نداء.. نداء..: أيها اليمنيون اقرأوا مذكرات المناضل الحر الأستاذ «الخال» محمد عبدالواسع حميد الأصبحي المعافري الحميري اليمني، من هذه المنطلقات، وستجدون فيها طاقة خلاقة قوية، تدفع بالمسيرة إلى الأمام بثقة ماضية وجباه عالية.
دمشق 21-5- 1996مــ مطهر الإرياني
«الجمهورية» تعيد نشر هذه المذكرات لرجل ساهم بقسط وافر في خدمة الوطن واستذكر ملامح وشواهد من التاريخ المعاصر لليمن والظروف المحيطة بتلك المرحلة وهي مذكرات أحق أن يقرأها هذا الجيل الذي لا يعلم حجم تلك التضحيات وطبيعة الظروف فضلاً عن اتسامها بالأسلوب الأدبي الشيق في رواية الأحداث والأسماء
الفصل السابع
أقاصيص طريفة
أيها الأحباب
أودٌّ أن أسجِّل هنا في هذا الكتاب ما كنت أكتمه عن الآخرين كتابةً وليس كلاماً.. أما كلام مقايل فقد قلت منه في المئة عشرين، وما سأسجله يقع في باب الأخبار المضحكة والمسلّية، وهو باب أعتقد أنه مهم لأنه يمثّل شطر الحياة.. ألم يقولوا: إن الحياة هي المضحك المبكي؟ ثم لا بأس أن تأخذوا عنا يا أبنائي صورة واقعية وليست مثالية، لأن الصورة المثالية المعقمة هي صورة غير حقيقية، ترضي القيم والأخلاق في الجانب النظري، ولكنّها لاتعبر عن الجانب العملي، ولاتعرض مجريات الأمور على ما كانت عليه تماماً.
1- الرجل المناسب في المكان المناسب:-
أتذكّر أنه بعد أن قامت الثورة، ونُحّيَ الأستاذ أحمد محمد نعمان صانع النور والمفكّر الأول في الثورة اليمنية منذ عام 1944م، بل من قبل ذلك، منذ عام 34 أو 1936م حين أصدر الكتاب الأول «الأنّة الأولى».
أقول: ذات يوم كنا في المدرسة الثانوية في تعز التي قيل إن عبدالحكيم عامر هو الذي موّلها.. كنا في حفل وكان الحاضرون كثر فيهم القاضي عبدالرحمن الإرياني والشيخ محمد علي عثمان.. وكان في الحضور أيضاً محافظ اللواء الله يرعاه ويسامحه الأخ عبدالغني مطهر فهو طيب وشريف ومناضل، غير أنه اعتاد أن يغتّر بنفسه بعد أن قال له البيضاني وآخرون: كن أنت مكان الأستاذ أحمد محمد نعمان.. فمن يكون هو؟
في ذلك الحفل، حفل افتتاح المدرسة الثانوية، وقف الأستاذ النعمان خطيباً، فكان من ضمن ماقاله: «نريد مثل هذه التي تنتج الرجال.. تنتج الأبطال.. تنتج الشرفاء.. تنتج المثقفين، لانريد طائرات ولا مدافع ولا دبّابات.. ولو كان كل واحد من الناس من اليمنيين يعرف مكانه لكنّا بخير:
الصانع إلى مصنعه والتاجر إلى متجره والزّارع إلى مزرعته..».
فلما انتهى من خطابه إذا بالأستاذ عبدالغني مطهر عافاه الله وسامحه، يقول: ماتقصد يا أستاذ نعمان بقولك كل إنسان في مكانه الطبيعي؟
فردّ عليه النعمان: أقصد أن مثلك أنت مكانك الطبيعي هو الدكان تذهب تقرطس قراطيس هناك.. مكانك الطبيعي الدكان وليس السياسة يا عبدالغني.
فقال الشيخ محمد علي عثمان، رحمه الله، موجهاً الخطاب إلى الأستاذ عبدالغني: ألم أقل لك اسكت.. لاتتحرش بالأستاذ أحمد محمد نعمان.
2- للمه تقولوا الجانب العربي والجانب اليمني:
كنا في مطار «الرحبة»، نودّع المشير عبدالحكيم عامر، رحمه الله وسامحه.
فإذا بالشيخ الوقور علي ناجي القوسي شيخ الحدا، يقول بلغته المحبّبة، وكأنه عمرو بن معدي كرب الزبيدي:
- «اسمعوا ياعبدالحكيم، للمه تقولوا الجانب العربي والجانب اليمني؟ ما نحن عرب وأنتم عرب».
فاكفهرّ وجه عبدالحكيم عامر.
وإذا بالأستاذ نعمان ينبري، فيجيب بلغته التي كأنها حُقن:
- «اسمع ياشيخ علي، إن الاستعمار البريطاني والفرنسي يقولون إن مصر هذه فرعونية.. فلما جاء عبدالناصر بثورته قال: نحن عرب ونادى بالقوميّة العربية، أما نحن فلا نحتاج إلى من يسمينا الجانب العربي، لأننا نحن مهد العرب ياشيخ علي».
فاكفهرّ وجه عبدالحكيم عامر أكثر مما كان.. وكانت هذه حقنة أخرى.
3- لاتفترض ولاتسامحني:
في يناير 1959م عملت حفلة تكريم للأستاذ محسن أحمد العيني بمناسبة تخرّجه في الجامعة، وكان أول الخريجين.. وبمناسبة عيد رأس السنة أيضاً.
كان الحفل في بيت عبدالجبار أمين عبدالواسع نعمان وكان في الحضور أحمد عبدالرحمن المعلّمي ومحمد علي الأكوع.. وهناك حدث خطأ كاد يودي بحياتي، إذ وضعت زجاجة الماء إلى جانب زجاجة سبرت، فكان أن جرعت من زجاجة السبرت جرعة نزلت كالنار في حلقي وكادت تخنقني..
بعد أن استعدت أنفاسي، قلت: كل من وضع هذه الأشياء فليسامحه الله، حتى ولو كان الأستاذ المعلمي، فهبّ الأستاذ المعلمي وقال: لا. لا. لست أنا.
فقلت: افترض أنك أنت، وأنا مسامح.
فقال: لماذا تفترض؟
وخرج الأستاذ المعلّمي مغضباً، فتبعته إلى خارج الشاليه مسترضياً، لأعيده، وقلت له: لا. لا. لاتفترض.. فكل ماجرى أنا مسؤول عنه، وأنت الله يسامحك وأنا لا أفترض.
هذه الحادثة تكشف جانباً مهماً من شخصية المعلّمي، هو الحذر الشديد، والإصرار على أن لايترك كلمة واحدة يمكن أن تحمّله في مابعد أية مسؤولية.
4- المعلّمي يتغدّى بصاحب الفندق:
ذات ليلة أصرّ الأستاذ المعلّمي على أن يدعوني إلى شقته المتواضعة في «العجوزة»، فسمرنا حتى الساعة الثانية عشرة ليلاً، وكان ذلك في ديسمبر 1958م.. وحين خرجت مودّعاً خرج معي ليوقف سيارة أجرة ويودّعني، فنسي مفتاح شقته في الداخل.
وصلت إلى الفندق الذي كنت أنزل فيه، وأذكر اسمه New Hotel)) بشارع عدلي.
بعد ساعة فتحت باب الغرفة والنافذة ليخرج الدخان، ودخلت دورة المياه، وحين خرجت فوجئت بوجود شخص متدثّر بالملايا والبطانيات.. فقلقت، وبدأت أفكر:
من هذا الذي دخل؟ كيف أدخله صاحب الفندق؟ هل هو لص؟ أم عميل؟ مَنْ جاء به؟
بعد ربع ساعة من القلق تسللت لكي أفتح الباب، وأذهب إلى الاستعلامات لأسأله: من جاء بهذا الإنسان إلى هنا، وأنا أدفع أجرة الغرفة كاملة، وإذا بالمعلمي يكشف عن وجهه ويقول لي: صباح الخير..
وقبل أن أستيقظ في الساعة الثامنة صباحاً، كان المعلّمي قد غيّر ملابسه، وذهب إلى الاستعلامات ليقول لهم: لماذا لاتوقظون فلان؟ أنا جئت هنا وقد قال لي أنكم ستوقظونه في السابعة والنصف، والآن الساعة ثمانية ونصف ولم توقظوه.
هكذا تغدّى المعلّمي بصاحب الفندق قبل أن يتعشّى به ويسأله كيف تسلل إلى الغرفة..
علمت في ما بعد أن المعلمي حين خرج من شقته نسي مفتاحه داخل الشقة، فلحقني إلى الفندق.
5- حوار سياسي جداً:
بعد الثورة، وفي مخاض الصراع السياسي من أجل تبلور الجمهورية، ذهبنا إلى القاهرة، وبقينا هناك نصف شهر لكي نجتمع بالرئيس جمال عبدالناصر.. وأخيراً جاءنا أنور السادات، فقلنا له: نريد أن نعرف من هم الجانب الآخر، أي الملكيين.
فقال السادات: الوفد مؤلف من أحمد محمد الشامي رئيساً ومن أعضائه فلان وفلان وفلان..
القاضي الإرياني رفض أن يكون رئيساً للوفد الجمهوري، ودفع بالأستاذ الشهيد محمد محمود الزبيري، فوافق على أن يكون معه في الوفد محمد أحمد نعمان.
المصريون كانوا لايريدون العبقري محمد أحمد نعمان، وكذلك المشير السلال كان لايريده بدوافع مصرية.. وقال ذات يوم:
يكفي الشامي أن يواجهه علي ناصر طريق المرادي، فقال الأستاذ الزبيري: والله لايمكن أن يكون ضداً مواجهاً للشامي سوى محمد أحمد نعمان، وأنا لن أذهب إلا به.
هكذا وفّقنا وذهبنا إلى مؤتمر أركويت.. وكان من بين الوفد المرحوم القيل الكبير الشيخ علي ناجي القوسي من الحدا، وأنا أشبهه بعمرو بن معدي كرب الزبيدي الذي كان يكنى بأبي ثور.. وهذا أبو كبش، وكان معنا في الوفد أيضاً ابن أخيه الدكتور محمد بن محمد ناجي القوسي.
ذهبنا إلى السودان وكانت تجري مظاهرة كبيرة هناك في الخرطوم وأم درمان من الجامعات وغير الجامعات لإسقاط حكومة عبود.. وفعلاً أسقطت.. ظللنا هناك سبعة أيام، ومن الحوادث الطريفة التي جرت:
أن الشيخ علي ناجي القوسي قال لأحد أعضاء الجانب الملكي، وكان اسمه صلاح المصري، قال له، بلهجته الطيّبة تلك:
- اسمع ياصلاح، والله مانتش من عنس، ولايمكن أن تكون من عنس.. عنس مذجح.. والله أنت ما انتاش إلا بيت المصري.
فأجاب صلاح المصري ببلاهة:- والله وأنت ياشيخ علي ماتمثلشي إلا بيت القوسي.. ماتمثلشي الحدا.
ردّ الشيخ علي بقوله: يكذب أبوك.. بعدي الحدا.
وكانت معه عصا طويلة.. أطول من متر ونصف، ولولا أن الأستاذين النعمان والزبيري والعميد قاسم أخذوا العصا لشج الشيخ علي ناجي القوسي رأس صلاح المصري!!
هذا وكان في المؤتمر رشاد فرعون وآخرون..وخرجنا من المؤتمر باتفاق أن يكون التمثيل 75من الجمهوريين و25من الملكيين.
بعد توقيع الاتفاقية بساعتين نبأ وقوع انقلاب في المملكة العربية السعودية ضد الملك سعود الذي كان خارج المملكة،أي في القاهرة،وسمعنا أن الأمير فيصل الذي كان يمثله في كل المحافل الدولية قد تسلّم مقاليد الأمور،وهو رجل جدير.
6ـ من أحفاد الفاتحين:
من الطرائف أيضاً،أننا نزلنا مرة بمصر في فندق اسمه فندق شهرزاد وكان جديداً. فوصل الشيخ القوسي وهو يريد مداعة «نارجيلة» وتبغاً وناراً،فاعتذر أصحاب الفندق خشية من الحريق،ولم يُـحلّ الأمر إلا بتعهد من العميد قاسم «مصري مسؤول عن شؤون القبائل في اليمن» بأنه لو حدث حريق،فسيكون هو المسؤول..وهكذا حضرت المداعة وكل توابعها..
بعد يومين كنا في الاستعلامات ،وإذا بامرأة من أسبانيا ومعها ابنتها التي لاتزال في الثامنة عشرة من عمرها،تسألها عن الشيخ القوسي،وتقول لها: من هذا الإنسان الذي لم أر مثله من قبل؟من هذا؟ وكانت تشير إلى الشيخ القوسي بقامته المديدة وعسيبه والشمج والعمامة المصبغة الطويلة..
ولما كنت أتقن نوعاً ما الاسبانية والايطالية بالإضافة إلى اللغة الفرنسية التي أجيدها،فقد استأذنت فتاة الاستعلامات المصرية للحديث مع السيدة الاسبانية.
قلت لها: هل تجيدين اللغة الفرنسية؟
قالت : نعم
فقلت لها:قولي لابنتك إن هذا الرجل من أحفاد الفاتحين الذين دخلوا الأندلس أي اسبانيا بلادكم..إنه من بقايا الفاتحين أبقوه للذكرى.
سمع الحديث الأستاذ الزبيري ،فقال: اسمع ياشيخ علي. لقد انتقم لكم محمد عبدالواسع.
7ـ مسرحان في مسرح واحد:
ذهبنا ذات ليلة إلى مسرح البالون بالقاهرة، وكان الشيخ علي ناجي القوسي يريد من الزبيري أن يذهب معنا،فاعتذر الزبيري،وقال له: خذ محمد عبدالواسع.
فقال الشيخ علي: ما اشتي إلا عمامة جنبي ،فدفع بالقاضي عبدالسلام صبرة،وذهبنا نحن الثلاثة إلى مسرح البالون،وكان من ضمن الفنانين عبدالحليم حافظ رحمه الله.
وقبل الانطلاق إلى المسرح،قال لي الأستاذ الزبيري،همساً: ياأخ محمد.
تأكد أن المسرح هذه الليلة سيكون مسرحين.قلت: ماهو. قال مسرح البالون ومسرح الشيخ علي ناجي،لأنه عندما تضاء الأنوار ستلتفت إليه الأنظار جميعها.
وهكذا كان فعلاً..عندما أضيئت الأنوار بعد ساعة من المسرح، إذا بالشيخ علي يتجه إلى دورة المياه بقامته المديدة وعمامته المصبغة وعصاه مترين..ويقول: ها..ها بصوته الجهوري..فاتجهت الأنظار كلها إلى الشيخ علي..
وكان كما توقّع الأستاذ الزبيري رحمه الله.
8ـ قاتل..ضارب..عضَ:
عندما سجن الشيخ جازم الحروي ـ ورعى الله رئيس الجمهورية علي عبدالله صالح عندما منحه قبل عامين أو ثلاثة أعوام درجة نائب رئيس وزراء ـ هذا من أوائل المناضلين اقتيد في 44أو1945م، وهدمت داره في تعز..الناس قالوا إنه زيد الموشكي ،والحقيقة أن الموشكي هدمت داره في ذمار.
أقول: عندما اقتيد الشيخ جازم الحروي مع من اقتيد إلى حجّـة ،طوّفوا بهم حول صنعاء،وعندما أفرج عنه الإمام بعد عامين أعطاه ما يقرب من ثلاثة آلاف ريال فرنسا آنذاك،فاستأذنه بالحج،وذهب إلى عدن.
هناك ظلّ يحكي ما حدث له ولزملائه الأحرار،فقال له الأستاذ النعمان: إحكِ للقاضي الزبيري،فهو يرسم دائماً في شعره لوحات حيّـة معبرة عن العالم وعما يحدث لليمنيين،فحكى له صوراً من المعاناة التي قاسوها بين الأغلال وتحت السياط، فكتب الشهيد الزبيري رحمه الله قصيدته المشهورة والمعنونة في أعماله الشعرية بعنوان «قيد جماعي»..هذه القصيدة كثيرون لايعرفون أنها كتبت عام 1946م..ومطلعها:
طافوا بهم حول صنعا يطمسون بهم
حقاً يضيق به الطاغي ويخشاه
يكبُّ بعضهم بعضاً بمنكبه
وتلتقي أرجلٌ منهم وأفواه
إذا تحرّك فيهم واحد صرخوا
واستفحلت فيهم الآلام والآه
كل امرئ منهم خطبٌ لصاحبه
يؤذيه وهو بريء حين آذاه
ضاقت رقابهم في الغلّ واحترقت
أقدامهم من رحيل طال منآه
إذا استفات أسير من متاعبه
لـبّـته بندقة الجندي ورجلاه
فنٌ من البطش والتعذيب مبتكرٌ
خليفة الله للأجيال أهداه
من القصص الطريفة آنذاك أن الأستاذ النعمان أنّـب الشيخ جازم وآخرين من الأحرار،قائلاً لهم: هكذا أنتم كالجرذانات ألقي القبض عليكم ..قاتلوا..
قال الشيخ جازم: بماذا نقاتل؟
قال الأستاذ النعمان: بالأحجار
قال الشيخ جازم: وأين الأحجار؟
قال الأستاذ النعمان : قاتلوا..ضاربوا ..عضوا..لماذا ألقي القبض عليكم دون مقاومة.
قال الشيخ جازم:إن الشعب كله قام مع الإمام ضدّنا..والعامة هم العامة في كل مكان وزمان.
في ثورة 1948م تكرّرت المأساة،واقتيد الأحرار ومعهم الشيخ جازم والأستاذ من تعز إلى ذمار،وحين جاءوا ليكبلوهم بالسلاسل والحبال كل عشرة أحرار بحبل،أرادوا أن يبدأوا بالشيخ جازم ،وهو إلى جانب الأستاذ النعمان،فقال لهم: بل ابدأوا بهذا الفقيه.
فقال الجندي: تمتنع؟
قال الشيخ جازم: لاأمتنع، ولكن هذا الفقيه هو الرائد.
فبدأوا بالأستاذ النعمان..وهنا وجد الشيخ جازم الفرصة المناسبة ليردّ على الأستاذ النعمان،فخاطبه قائلاً:هيا قاتل ضارب قاوم عضّ..أين أنت؟
فقال الأستاذ: اتشمت بي ياجازم في مثل هذا الوقت،سامحك الله.
فرد الشيخ جازم: لا والله لا أشمت،ولكن واحدة بواحدة.
أيها الإخوة والأحباب هذه طرفة مرّة،ولكنها صحيحة ،أما الشيخ جازم الحروي فهذا الرجل لايجارى في إخلاصه وكرمه..ولم يمنّ أبداً..هل سمعتم أيها السادة أن جازم الحروي قال في يوم من الأيام إني فعلت أو صنعت؟.
أبداً..لم أسمع،وابن اخته عبدالعزيز الحروي الذي اغتيل في بيروت ظلماً وعدواناً،هذا أيضاً لم أجد أكرم منه سوى ثلاثة أشخاص في اليمن هم: علي محمد سعيد وأحمد هائل ويعطونك دون أن يشعروك بأنهم أعطوك.
ومن مآثر الشيخ جازم أيضاً أنه كان يوزّع الجنيهات على المحتاجين الذين لاعائل لهم،ويأخذ منهم أسناداً لكي لايؤذيهم ولكي لايؤذي نفسه، مموهاً عطاءه الكريم ،جزاه الله خيراً.
الفصل الثامن
قصيدة أبي عادل
وقصائد أخرى
قصيدة أبي عادل
في عام 1972م حين كانت المصالحة اليمنية، لست أدري من سرّب إليّ قصيدة أبي عادل، وكنت في شقة في المؤسسة اليمنية في شارع علي عبدالمغني، فقرأتها، وأعطيتها لمحمد أنعم، فقرأها وأعطاها للأستاذ أحمد محمد نعمان، فلما انتهى من قراءتها، قال: هذا مثقف، وليس ضابطاً أو ضابط صف بسيط.. هذا مثقف أدّاها بالشعر الشعبي..
بعد ذلك فقدت القصيدة، فصرت أبحث عنها ولا أجدها، إلى أن نشرت مرة مشوّهة في جريدة أو مجلة لا أتذكر الآن اسمها كان يصدرها محمد عبدالجبار الحمادي في الحديدة..
نشرت وكان فيها شبه رموز عن القاضي عبدالرحمن الإرياني، فاتصل به سنان أبولحوم، وكان محافظاً للواء الحديدة، ينبهه إلى مافيها من إشارات ورموز، فردّ عليه القاضي عبدالرحمن ببساطة وطيبة وعدم حقد على الآخرين: انظروا ياشيخ سنان إلى ماقاله فيكم.
المهم، ألقى سنان أبو لحوم القبض على محمد عبدالجبار الحمادي، وصادر الصحيفة أو المجلة، وأقفل أيضاً المطبعة.. وبعد سنة خرج محمد عبدالجبار الحمادي إلى روسيا وهو الآن دكتور.
هذه القصيدة «قصيدة أبي عادل» اعتبرها الأستاذ محمد عبده نعمان، الله يرحمه، من دلائل الخيرات، وسأتي بما أحفظه من هذه القصيدة، فهي تشنّف الآذان، من الشعر العربي غير الملتزم بالنحو وبأوزان الخليل، ولكنها قصيدة.
وقبل أن آتي بها لا بدّ من التنويه بصاحبها.
ظلّ الكثيرون لايعرفون من هو أبو عادل صاحب هذه القصيدة، ولكن بعد أن زالت الأهوال والأخطار تبيّن أنّ أبا عادل هو العقيد علي العولقي من «قيفة»، من «رداع»، وكان ضابطاً في الأمن.
أقول: في عام 1972م عندما تمت المصالحة بين الجمهوريين والملكيين وكان من ضابط «حرب السبعين» من سجن، ومنهم من قتل من أمثال البطل عبدالرقيب عبدالوهاب ثم الوحش والعزيق «الثعلب»، وفرّ آخرون، إذ بأبي عادل الضابط الذي فقد ساقه في حرب السبعين، وهو يعيش الآن في الحديدة، إذ به يأتي بهذه القصيدة العصماء، فلا فضّ فوه:
يا الله يامن لك السلطان والقدرة
عبدك ترجّاك تجري اللطف بالمقدورْ
بحق طه ومن شدّيت به أزره
لاهنت منصب ولاشفيت به منذورْ
وكل من قل ولّا مسته عثره
يا الله تقيمه، وردّه خاطره مجبورْ
لاتترك النسرْ مقصوص الجناح حسره
في مخدعه والفضاء يلعب به العصفورْ
وفكّ أسر الأسد ذي طال في أسره
يرجع عرينه يذود الثعلب المغرورْ
***
يقول أبو عادل الهاجس دفر دفره
في ليل طائل حسبته في الجبل مسمورْ«1»
من طول ما أمتدّ خفت أغتر في فجره
ولايبان الضياء عندي من الديجورْ
وقال لي طول هذا الليل لك عبره
تعرفْ مقام النهار لاتحسبه مهذورْ
يارب سالك تبدّد هذه الغدرة
بصبح باهي يذكرني بلون النورْ
جوّب عليّ هاجسي بأبيات من شعره
وقافية تفرز الشاعر من الشعرورْ
يافجر ياحلم أبو عادل طنن دهره
يامنة أجيالنا يامطلب الجمهورْ
بديتْ والطلّ عاده قبل الزهره
وارتش في خدّها كاللؤلؤ المنثورْ
والورد حسّ الندى وأهدى النسيم عطره
والجولبه «2» ساجعه تناجي الشحرور
والله يافجر مهما طالت السفره
لابدّ منك ولو كان الطريق موعورْ
لو بانخضِّب طريقك بالدما الحره
ونفرشه من جماجمنا ونبني سورْ
بديتْ في فجر سبتمبر مع البُكره
في يوم طائل من أيام اليمن مشهورْ
كل النجوم أحجرت وغنّت الزهره
وتلفّت الدهر لاخلفه وهو مبهورْ
وظنوا الناس «تبع» قام من قبره
وعاد يبني على سطح الكواكب دورْ
وأخي المهاجر من المهجر دغر دغره
على جناح الأمل يبزّه الطيمورْ«3»
حتى قبور الذين ماتوا في الهجره
جاءت من الشوق تقبل قبل نفخ الصورْ
والشعب هلّلْ وكبر وانشرح صدره
ظن أن ماشي غدره من قفا ذا النورْ
ظلَّ يغني في المقيل وفي السمره
بالبال والدان والمزمار والطنبور
لـ ما نسي في البناء ذي شيده ثغره
ما شافها حين ظل في الفرح مغمور
وجوا لنا منها ذي لاثوا السمره
حد قال أنا شيخ واحد قال أنا مأمور
حد قال أنا ذي نسفت القصر من جذره
وتجي وهو كان مخبي في السفل«4» مذعور
رص الرتب من قفا والزند للحثره
وأنزل بنات نعش إلى كتفه فعلها درور«5»
وجر كرباج «6» من اتحاكى قرش ظهره
مثل أحمد الشوربان«7» الفارس المشهور
والثاني أقبل يقول أنه وحيد عصره
قال أنه احتل صعده لـ بلاد احجور
بعده رجال أهل عامه وأهل أبو مره
يشتي وزاره زحف من لحقته للثور
وتجي وهو كان مع من زيد الأجره
ساعة معاهم وساعة ضدهم مأجور
والثالث أقبل يقول أنه فريد دهره
قال إنه العقل ذي دبر وسوّا الشور
وتجي وهو قال يوم الشور أنا هجره
لما تولى عوج ثلمه وشد الجور
والرابع الجامعي وفي لها الجغره
فصيح في النقد لكن في العمل معذور
من فندق الشرق لا باب فندق الزهره
إن قلت يسعد صباحك قال لك بون جور«8»
ليتي تحلبط ولا تمت له السفره
كنه قفا الثور يزرع حقله المهجور
والليل عود والليل الليل والغدره
وإن المريض انتكس وتضرر المضرور
واتسلل الثعل في ده راية الثورة
وخلفها سيف «ياجناه» و«المنصور»
وأمسى يلاحق ديوك الفجر بالقصره
حد عضعضه وحدن قصقص له الشنقور
ماشي عليّ لوم لو نويت للهجره
هارب من الثعل لاقع في يده مأسور
الحر لا شاف ما يشنأ وما يكره
ترك بلاده وخلف واديه والدور
والصقر لو شاف ما يشنا هجر وكره
وألقى فروخه وفارقها وهو مقهور
وطار لا حيد وإلا لا خلا قفره
من بعد ما كان في عشه سعيد مسرور
يا باطل اليوم يا غبنه ويا قهره
من بطل بقعة ومن سخرية المغدور
النوق فيها تهيج وتزيد الهدره
والهيج هادن متنكس حترته معقور
قرن الوعل في حفاته حيث كان ظفره
وأطرافه نبت حيث القرون ظفور
لكن علي عار نبش قحطان من قبره
وهز تبع وحمير جدنا المشهور
ما نتركش يا أرضنا لو تعظم القدره
لو يرجع الفحل ناقة والفحال نمور
ما نتركش ساعة الضيقات والعسرة
ونفلتش والدسائس داخلك بتدور
نهاية الآدمي مهما طول عمره
في جرف عرضه ذراع إلا شبر محفور
ساعه بعزه تكفي الحر من دهره
ولا مية عام يحياها ذليل مقهور
باطل شقي شقَّ حيد «اسبيل»«9» من جذره
وأمسى شقيقه «عصر» من شدته معصور
حرام يحرم تظل شامز النخره
جالس تعصب جنازة عودها منخور
ياعيب عيباه من «عيبان» كم صبره
يشاهد الجور ما حتى احترك شندور
كنه نسى يوم تزوج كم شرط مهره
وكم تركنا ذهب في مقرفه منثور
ذكرت «نهدين» وتنهدت في حسرة
هدت جدار الفؤاد أمسى وهو مقصور
قم يا «نقم» بانقم ونعود الكرة
التلم ذي سبروه اعوج ترد الثور
وقل لغمدان يطلق من حموا ظهره
وردوا الخصم عنه من عراض السور
ويجوا معانا ونحمل راية الثورة
ونبشر الشعب بالشورى وبالدستور
يا شوقي أشواق من نجران إلى شقره «10»
ببارق الصيف يبشرني الوطن ممطور
لا ما حضرته فلا زدت البس الوزره
وسقي القلب لما أرويه بالمعشور
ختمت قولي وهذا بعض من زفره
..............................
لو طار منه شراره من طرف جمره
تحرق جهنم ويوحيها المحيط ويثور«11»
والختم صلوا على أحمد باهي الغره
جد الحسن والحسين ذي دلنا للنور
الهوامش:
1ـ علق الشاعر محمد أنعم غالب على هذا البيت بأنه أقوى من قوله «عيونهم تسمرت على الطريق».
2ـ الجولبة: الورقاء.
3ـ الطيمور: الطائرة.
4ـ مخبأ تحت الدار
5ـ بنات نعش: نجوم
6ـ الكرباج: السوط.
7ـ أحمد شوربان: من الأساطير، كان جباناً ولكن كان معه شنب يهجم به.
8ـ بون جور «Bon Jour»: بالفرنسية صباح الخير.
9ـ اسبيل: جبل في آنس.
10ـ شقره: هي «أبين».
11ـ في البيت مبالغة، تذكرني يقول الشاعر محمود سامي الباردوي:
على أنه الحب الذي لو تعلقت
شرارته بالجمر لا حترق الجمر





توقيع ( mohi )
يارب .هئ فسحــــــــةً للعمر كي يرتاح من عطش التجارب...
من غبار البحث في الأحداق.... والأسباب..
 


إضافة تعليق
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub  2   
   

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :

التبليغ بالبريد الإلكتروني نعم لا
تفعيل توقيعك الشخصي نعم   لا
 
محيى الدين سعيد في فيس بوكمحيى الدين سعيد في رتّبmohideen-saeed.net in Google.comتواصل مع محيى الدين سعيدخلاصات المواقع RSSفيديو  يوتيوب على محيى الدين سعيد

تصميم وإستضافة / مهدي العقلاني اليوسفي |